من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ بعد الأربعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ بعد الأربعمائة أَو تصبحي فِي الظاعن الْمولى على أَن أل الموصولة المستعملة فِي الْجمع إِذا لم تصْحَب موصوفها يجوز مُرَاعَاة لَفظهَا كَمَا هُنَا إِذْ المُرَاد: فِي الظاعنين المولين. وَيجوز أَن يكون الْإِفْرَاد بِاعْتِبَار أَن موصوفها الْمُقدر مُفْرد اللَّفْظ أَي: فِي الْجمع الظاعن وَإِنَّمَا حمل أل فِي الوصفين على الْجمع لِأَن الْمَعْنى دلّ على أَن المُرَاد: إِن تصبحي رَاحِلَة مَعَ الظاعنين. وَلَيْسَ لإفرادهما معنى بِدُونِ مَا ذكره الشَّارِح الْمُحَقق. وَذهب أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي الْمسَائِل البصرية إِلَى أَن الجمعية مستفادةٌ من كَون أل للْجِنْس لَا أَنَّهَا تدل عَلَيْهَا وضعا قَالَ: أنْشد الْمَازِني: أَو تصبحي فِي الظاعن الْمولي وَفَسرهُ بالظاعنين. وسألني أَبُو يَعْقُوب المارودي: إِذا حسن أَن تكون اللَّام للْجمع فِي الظاعنين دَالَّة على الْجمع فِيهِ على قَول الْمَازِني وَابْن السراج فَلم لَا يحسن ذَلِك فِي الظاعن مَعَ إِفْرَاد ظاعن كَمَا جَازَ مثل الَّذِي استوقد نَارا فَلَمَّا أَضَاءَت
مَا حوله فَقلت لَهُ: الْفرق بَينهمَا أَن ذَلِك فِي الَّذِي اتساع وَأَنه لم يخل ذَلِك من دَلِيل يدل عَلَيْهِ ملفوظٍ بِهِ. أَلا ترى أَنه قَالَ: فَلَمَّا أَضَاءَت مَا حوله وَقَالَ: إِن الَّذِي حانت بفلج دِمَاؤُهُمْ وَاللَّام مَحْمُولَة على الَّذِي اتساعا فَلَا تحْتَمل من الاتساع مَا يحْتَملهُ الأَصْل. أَلا ترى أَن حملهَا على الَّذِي اتساعٌ فِيهَا حَتَّى قَالَ أَبُو عُثْمَان: لَيست بِمَعْنى الَّذِي وَلكنهَا دَالَّة على الَّذِي. وتوالي الاتساع مرفوض وَإِذا لم يحسن أَن يَجْعَل بِمَنْزِلَة الَّذِي فِي هَذَا فَأن لَا تحسن تجْعَل بِمَنْزِلَة الَّذِي فِيهِ مَعَ تعريها من دَلِيل يدل عَلَيْهِ أولى وَإِن الَّذِي لَا يسوغ ذَلِك فِيهَا متعريةً من دَلِيل. اه. وَفِيه نظر من وَجْهَيْن: الأول: أَن قَوْله اللَّام مَحْمُولَة على الَّذِي اتساعاً ممنوعٌ فَإِنَّهَا مَوْضُوعَة لِمَعْنى الَّذِي وفرعيه بالاشتراك وَلَيْسَت مَحْمُولَة على الَّذِي. الثَّانِي: قَوْله وتوالي الاتساع مرفوضٌ مَمْنُوع أَيْضا فَإِن الْمجَاز وَهُوَ من الاتساع فِي اللُّغَة فَلَا يتجوز بِهِ إِلَى مجازين أَو أَكثر. وَكَذَلِكَ ذهب ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ إِلَى أَن الجمعية مستفادةٌ من لَام الْجِنْس قَالَ: والشكور من قَوْله تَعَالَى: وقليلٌ من عبَادي الشكُور اسْم جنس وَالْمعْنَى: وقليلون من عبَادي الشكورون.
وَكَون اسْم الْجِنْس مشتقاً قَلِيل وَإِنَّمَا يغلب على أَسمَاء الْأَجْنَاس الجمود كالدينار وَالدِّرْهَم والقفيز والإردب. إِلَى)
أَن قَالَ: وَمِمَّا جَاءَ من الْمُشْتَقّ يُرَاد بِهِ الْجِنْس: الْمُفْسد والمصلح فِي قَوْله تَعَالَى: وَالله يعلم الْمُفْسد من المصلح أَي: المفسدين من المصلحين. وَمِنْه قَول الراجز: أَو تصبحي فِي الظاعن الْمولي أَرَادَ: فِي الظاعنين المولين. وَقَول الأخيلية:...
كَأَن فَتى الفتيان تَوْبَة لم ينخبنجدٍ وَلم يهْبط مَعَ المتغور
أَرَادَت: مَعَ المتغورين. اه. وَالْبَيْت من أرجوزةٍ أورد بَعْضهَا أَبُو زيد فِي نوادره وَهَذَا مِقْدَار مَا أوردهُ:
إِن تبخلي يَا جمل أَو تعتليأَو تصبحي فِي الظاعن الْمولي
كَأَن مهواها على الكلكلوموقعاً من ثفنات زل
موقع كفي راهبٍ يُصَلِّي وَأورد ابْن الْأَعرَابِي فِي نوادره أَيْضا هَذَا الْمِقْدَار وَزَاد عَلَيْهِ بعده وَهُوَ: فِي غبش الصُّبْح وَفِي التجلي
وَقَالَ أَبُو زيد بعد إِيرَاده الأبيات: المغتل: الَّذِي اغتل جَوْفه من الشوق وَالْحب والحزن كغلة الْعَطش. والوجناء: الوثيرة القصيرة. والعيهل: الطَّوِيلَة. والزل: الملس. اه.
وَقَوله: إِن تبخلي هُوَ من الْبُخْل أَي: إِن تبخلي علينا بوصلك. وجمل بِضَم الْجِيم من أَسمَاء نسَاء الْعَرَب. وتعتلي من الاعتلاء وَهُوَ التمارض والتمسك بِحجَّة. والظاعن من ظعن من بَاب نفع إِذا ارتحل.
والمولي من وليت عَنهُ إِذا أَعرَضت عَنهُ وَتركته. وتعتلي وتصبحي معطوفان على تبخلي وَلِهَذَا جزما بِحَذْف النُّون. وَقَوله: نسل جَوَاب الشَّرْط مجزوم بِحَذْف الْيَاء وأوله نون الْمُتَكَلّم من التسلية وَهُوَ إذهاب الْهم وَنَحْوه بالسلو. قَالَ أَبُو زيد: السلو: طيب نفس الإلف عَن إلفه.
والوجد: الْغم والحزن. والهائم أَرَادَ بِهِ الشَّاعِر نَفسه وَهُوَ من هام إِذا خرج على وَجهه لَا يدْرِي أَيْن يتَوَجَّه إِن سلك طَرِيقا مسلوكاً فَإِن سلك طَرِيقا غير مسلوك فَهُوَ رَاكب التعاسيف.
كَذَا فِي الْمِصْبَاح. والمغتل بالغين الْمُعْجَمَة من الْغلَّة بِالضَّمِّ وَهِي حرارة الْعَطش. وَفسّر المغتل صَاحب الصِّحَاح بشديد الْعَطش. وَقَوله: بيازل مُتَعَلق بِنَسْل والبيازل: الدَّاخِل فِي السّنة التَّاسِعَة من الْإِبِل ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى وَالْمرَاد هُنَا الثَّانِي لقَوْله وجناء. وفسرها أَبُو زيد بالوثيرة بالثاء الْمُثَلَّثَة وَهِي الْكَثِيرَة اللَّحْم وَالَّتِي لَا تتعب راكبها. والمشهورة تَفْسِيرهَا بالناقة الشَّدِيدَة.)
والعيهل: فسره أَبُو زيد بالطويلة وَقَالَ غَيره: هِيَ السريعة. قَالَ صَاحب الْعباب: العيهل والعيهلة: النَّاقة السريعة. قَالَ أَبُو حَاتِم: وَلَا يُقَال جمل عيهلٌّ وَتَشْديد اللَّام لضَرُورَة الشّعْر. اه.
وَبِه يظْهر فَسَاد قَول السخاوي فِي سفر السَّعَادَة: إِن العيهل: النجيب من الْإِبِل وَالْأُنْثَى عيهلة.
وَيرد عَلَيْهِ أَيْضا قَوْله وجناء.
وَقَوله: مهواها مصدر بِمَعْنى الْهَوِي والسقوط. والكلكل كجعفر: الصَّدْر وَتَشْديد اللَّام ضَرُورَة أَيْضا. وثفنات: جمع ثفنة بِفَتْح الْمُثَلَّثَة وَكسر الْفَاء بعْدهَا نون وَهُوَ مَا يَقع على الأَرْض من أَعْضَاء الْإِبِل إِذا استناخ وَغلظ كالركبتين وَغَيرهمَا. وَزَل بِالضَّمِّ جمع أزل وَهُوَ الْخَفِيف. وَفَسرهُ أَبُو زيد بملس. وَهُوَ غير مُنَاسِب إِذْ المُرَاد تَشْبِيه الْأَعْضَاء الخشنة الغليظة من النَّاقة بِكَثْرَة الاستناخة بكفي رَاهِب قد شثنت وخشنت من كَثْرَة اعْتِمَاده عَلَيْهِمَا فِي السُّجُود. وروى: رجْلي رَاهِب بدل كفي رَاهِب. والغبش بِفتْحَتَيْنِ: بَقِيَّة اللَّيْل.
وَأَرَادَ بالتجلي النَّهَار. وَهَذِه أرجوزةٌ طَوِيلَة أورد مِنْهَا شرَّاح شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ جملَة وَكَذَلِكَ أَبُو عَليّ فِي الْمسَائِل العسكرية. وَقَوله: أوردهُ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب الْوَقْف لرجلٍ من بني أَسد على أَن تَضْعِيف الآخر فِي القافية ضَرُورَة.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ تَشْدِيد عيهل فِي الْوَصْل ضَرُورَة وَإِنَّمَا يشدد فِي الْوَقْف ليعلم أَنه متحرك فِي الْوَصْل. قَالَ أَبُو عَليّ فِي الْمسَائِل العسكرية أما العيهل والكلكل فاستعمالهما بتحفيف فَقدر الْوَقْف عَلَيْهِ فضاعف إِرَادَة للْبَيَان. وَهَذَا يَنْبَغِي أَن يكون فِي الْوَقْف دون الْوَصْل لِأَن مَا يتَّصل بِهِ فِي الْوَصْل يبين الْحَرْف وحركته. فَمن ذَلِك من قَالَ فِي الْوَقْف: هَذَا خَالِد. فَإِذا وصل قَالَ: هَذَا خالدٌ كَمَا ترى.
ويضطر الشَّاعِر فَيجْرِي الْوَصْل بِهَذِهِ الإطلاقات فِي القوافي مجْرى الْوَقْف.
وَقد جَاءَ ذَلِك فِي النصب أَيْضا.
قَالَ: مثل الْحَرِيق وَافق القصبا وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَن يكون فِي السعَة. اه. وَهَذِه الأرجوزة نَسَبهَا السخاوي فِي سفر السَّعَادَة لمنظور بن مرْثَد الْأَسدي. قَالَ: وَقيل لغيره. وَنسبه الصَّاغَانِي فِي الْعباب لمنظور بن حَبَّة الْأَسدي وهما وَاحِد فَإِنَّمَا مرثداً أَبوهُ وحبة أمه فبعضهم ينْسبهُ إِلَى أَبِيه وَبَعْضهمْ إِلَى أمه. قَالَ الصَّاغَانِي فِي الْعباب: مَنْظُور بن حَبَّة راجزٌ من بني أَسد. وحبة أمه وَاسم أَبِيه مرْثَد بن فَرْوَة بن نَوْفَل بن نَضْلَة بن الأشتر بن جحوان بن طريف بن عَمْرو بن قعين. اه. وقعين: ابْن الْحَارِث بن ثَعْلَبَة بن دودان بن أَسد بن خُزَيْمَة.
وَأنْشد بعده:)
على أَن جملَة هَل رَأَيْت إِلَى آخرهَا صفةٌ لمذق بِتَقْدِير القَوْل.
وَتقدم شَرحه مُسْتَوفى فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالتسْعين.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع