من «المحب والمحبوب والمشموم والمشروب» للسري الرفاء (ت ٣٦٢هـ)
الراح
اشتقاقها من ثلاثة أشياء: أحدها من ارتياح صاحبها، وما يجده في نفسه من هِزّة السرور، وخفة النشاط، وهي الأريحية. قال أبو عبادة:
وما باتَ مطويّاً على أريحيّةٍبعِقبِ النّوى إلاّ امرؤٌ باتَ مُغْرَما
ويقال: فلان يَراح للمعروف إذا أخذته الأريحية، وأراح الرجل إذا رجعت إليه نفسه، وراحَ الشجر يَراح وتروَّح إذا انفطر بالورق. قال:
وأكرِمْ كريماً إنْ أتاكَ لحاجةٍلعافيةٍ إنَّ العضاةَ تَروَّحُ
وقال:
ولستُ برهلٍ مثلَك احتلمتْ بهِعَوانٌ نأتْ عن فحلِها وهي حاملُ
وقال طُفَيل:
وخادعَ المجدَ أقوامٌ لهمْ شرفٌراحَ العضاةه بهم والعرقُ مدخولُ
ومثله قول زفر بن الحارث:
وقد ينبتُ المرعى على دِمنِ الثّرىوتبقى حَزازتُ النفوسِ كما هيا
ومثله قول النبي ﷺ: " إياكم وخضراءَ الدمن ". وفي المثل: " الحنظلة خضرٌ أوراقها، مرّ مذاقها ". وفي الحديث: " لم يُرح رائحةَ الجنة " أي يجد ريحها. قال الكسائي: هو من أرحتُ. وقال غيره: لم يَرَحْ من راحَ يَراحُ إذا وجد الريح. ويقال: أتانا وما في وجهه رائحة دم. وهو من قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
فقامتْ كئيباً ليسَ في وجهِها دمٌمن الحزنِ تُذري عبرةً تتَحدرُ
هذا في الحزين، وقد يصفون بذلك القتيل. قال زهير:
التاركُ القرنَ مصفرّاً أناملُهيميدُ في الرمحِ ميدَ المائحِ الأسِنِ
وقال خداشُ بن زهير:
قد أتركُ القرنَ مصفرّاً أناملُهُكأنما قد كساهُ اللونَ جاديُّ
وقال ابن خطّار بضده:
همْ يضربونَ الكبشَ يبرقُ وجههُعلى صدرِه من الدماءِ سبائبُ
والوجه الثاني أنها سميت راحاً من طيب الرائحة. يقال روّحت الشي، ودهنٌ مُرَوَّح أي مطيّب. وفي الحديث أنه أمر بالإثمد المروَّح أي المطيّب. وقال أبو زيدٍ: أرْوَحَني الصيد إرواحاً، وأنشاني إنشاء إذا وجد ريحَك ونشرك. ويوم راحٌ شديد الريح، ويوم طيب الريح. والوجه الثالث: سميت راحاً لشدتها وقوتها وسورة حميّاها، من قولهم أقرحُ راحٌ أي حصانٌ ذكرٌ. والراح تحصُّن الفرس واشتداده، والراحة العشية الشديدة الريح. والراحة بطن الكف. وتشبيه ذي الرمة بهذا جيد حيث قال:
ودوٍّ ككفِّ المُشتري غيرَ أنّهُبساطٌ لأخماسِ المراسيلِ واسعُ
شبهها في انخراقها بكف المشتري لأنه يبسطها للصفقة. وقول جرير:
ألستُم خيرَ منْ ركبَ المطاياوأندى العالمينَ بطونَ راحِ
الواهب يعطي ببطن كفه ويرد بظهرها. وألفه ألف تقرير لا استفهام ليصح المدح. وقد أجاد إبراهيم بن العباس الكاتب في نعت بطنها وظهرها:
لفضلِ بنِ سهلٍ يدٌتقاصرَ عنها المثلْ
فباطنُها للنّدىوظاهرُها للقُبلْ
ومنه أخذ ابن الرومي:
أقاتلتي حججتِ البيتَ إنّيحججتُ فتى المروءةِ والسلامُ
فلي في بطنِ راحتهِ ارتواءٌولي في ظهرِ راحتِهِ استلامُ
وكرره بأخصر من هذا اللفظ:
...........له راحةٌ فيها الحطيمُ وزمزمُ
وأما قول المتنبي في بطن المِجن وظهره:
في مثل ظهرِ المِجَنِّ متّصلٌبمثلِ بطنِ المجنِّ قَردَدُها
فهو في كتاب أبي الفتح عثمان بن جني ﵀، وقال في قول المتنبي:
لو مرَّ يركضُ في سطورِ كتابةٍأحصى بحافرِ مُهرِهِ ميماتِها
إنه شبه حافر الفرس بصورة الميم، وهو كما تراه، ولو أراد ذلك المتنبي لما كرر قوله:
أوّلُ حرفٍ من اسمِهِ كُتبتسنابكُ الخيلِ في الجلاميدِ
يريد العين، وصورة العين والحافر واحدة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع