من «المحب والمحبوب والمشموم والمشروب» للسري الرفاء (ت ٣٦٢هـ)
فاتحة الكتاب (٤)
بسم الله الرحمن الرحيم
سقى الله سِرب المها وغزلانها، وأحداج سلمى وأظعانها، حيث يُسمع نداء الحاديين، وتُقَوِّضُ خيامُ الوادِيَيْن، فالنواعج تنص هواديها للسُّرى، والهوادج تسبل سجوفها للنوى.
ملء العيون جمالاً والقلوب هوىًوالسفر أُنساً وملءُ الشمسِ تبديدا
بل سقى الله شرخ الشباب، ومألف الأحباب سقاءً يتولى مقاليد أمرها الصبا، فشقّت البروق لها جيوباً، ولطمت الرعود عليها خدوداً أزمان وجه الصبا طلق، وعيشة الشبيبة رغدٌ، والأحبة جيرةٌ، والشمل جميعٌ، والحياة غضةٌ، والزمان ربيعٌ، أحُلُّ جنات الشباب ألفافاً، وأركض في ميدان البطالة سادراً وأضرب في عمرة اللهو لاهياً تمرُّ الليالي والسنون ولا أدري، وتُجاريني الأيام في سَننِ الغيّ، فأجري من سُكرٍ إلى سكر، وأغدو من خُمارٍ إلى خمر، أجتليها حوليّة الميلاد، حمراء صافيةً، بمزاج غادية، من كفِّ غانية، حوراء هيفاء، غيداء لفّاء، ذات فرعِ واردٍ، وفمٍ بارد، وثدي ناهدٍ، وقدٍّ مائدٍ، لاثت حمرتها على قنوان النخيل، أو هدل العناقيد، وجلت عجرتها عن محاجر أغَنَّ، ولدته الظباء رِبْعيّةً وأرضعته الآرام وحشيّةً. فالقمر البدر يطلع من أسرَّتها، وقرن الشمس يشرق في سُنة وجهها، لها وجنتان تنافس فيها تفاحتان، وجيدٌ كأنه إبريق فضة، أو عنُق ظبية أُفلتت من شبكة القانص، وكأن أنفها قصبة دُرّ، أو حسام مهند، وقامتها جدل عنانٍ، أو خوط خيزران، قد ضُمّت إلى مِرطها لفّاوين يُقْعدانها إذا قامتْ ويجذبانها من ورائها إن تقدمت. سهلٌ خدّاها، بردٌ ثناياها، ناهدٌ ثدياها، فَعْمٌ ساعداها، منى النفس وهواها. أتناولها من كفها مخضّبة الأطراف كأنها أقلام لُجينٍ قُمِّعت ذهباً، تسحب أذيال شعاعها، وتجر رداء تلألئها فشاربها يكرع في ضياء الشمس أو يغِبُّ في نور القمر، حتى إذا سارت في البدن حُمَيّاها، وفغمت الخياشيمَ ريّاها كستِ الوجه نضرة النعيم، وألبست الخد حمرة التوريد، ومنحته صدق الحس، وذكاء الحدس، ورقّة البشَرة، وبِلّة الجلد القاحل، والجوف القفر الماحل، واحمرت الوجنتان، وماجت من الرطوبة الحدقتان، وقدحت زند الهوى في القلب الصلد، صبت لصوت الحمام، ولمعان البرق، وبكاء الغمام، ومعاهد الأحبة، وغادرت الجسم الخصيب الجناب رخيّ البال، ناعم الخواطر، حسن الظن، والعروق فاتحةٌ أفواهها لرضاع كاساتها كما تفتح الفراخ مناقيرها لزقِّ أمهاتها، وهي تسير في تجاويفها مسير القَطر في البلد القفر، وتتغوّر في أغوارها وأورادها تغوُّر الماء في خَلَلِ الكثيب، لا سيّما إذا استحثها السقاة بصوت الناي والعود، حيث السماء جلواء، والأرض خضراء، والماء صقيل الجِلباب، دمث التراب، والهواء فضفاض القميص، سلسال الندى، رَضراض الحصى، قد تضرجت خدود ورده، وتأوّدت قدود سروِه، وانتبهت جفون نُوّاره، وتبسمت ثغور أقاحيه، ومالت قامات الشقائق منثورة مطاردها، منظومة قلائدها، فكأنا في جنة الخلد، نُسقى خمرها من أكف حورٍ عينٍ، وإن شئت تعاطيتها معتّقة نضت جِدّة الدهر، وأَبلت شِرّة العمر، ومشى عليها الدهر وهو مقيد، فأذابت حوباءها، وأفنت أجزاءها، فلم تبق منها إلا أرواح بلا أشباح، حتى إذا بزلوها وثبتْ تِبريّة اللون، عطرية النشر وثوب الحية من الرمضاء، أو توقُّد المريخ في الظلماء، يناولنيها أحور أجيد، أغنٌّ أغيد، مُسبل العِذاريْن، مورّد الخدّين، أرقُّ من الهواء، وأصفى من زلال الماء، وأبهى من بدر السماء، مُتخنّثُ الأعطافِ دلالاً، مُنثني القدِّ اختيالاً، ذو حاجبٍ مُزجّجٍ، وطَرْفٍ أدعج، وثغر مفلّجٍ، وكفلٍ يترجرجُ
يغدو عليَّ بريقِه وبكأسهِفيعلُّني بالكاسِ بعدَ الكاسِ
فحين دبت في باطن الأعضاء، والتبست بمحاني الأحشاء سخّنت النار الطبيعية، وألهبت الحرارة الغريزية، وتحدّرت في أعماق الجسد تحدُّر العذب البارد على الكبد الحرّى، وسرت في أقطاره، وتمشت في مفاصله، فغلّت عادية البرد، وكسرت غائلة الرطوبة، وطردت الرياح، وشدت العصب، وأمّنت من وهْيِ توتيره، واسترخاء تركيبه، وأحمت بواطن الجوانح، وكوامن الأوردة، وبَذْرَقَتْ بالطعام إلى غور البدن، وقسمته بالسوية من بيت الغذاء، وهي غسول الجسم من عفونات الأخلاط، ونضوح المعدة من غوامض الأدواء، ثم أسلمت إلى وثارة المهاد، ولذة الرقاد الذي هو قوت النفس، وجِمام الأعضاء، وغذاء الروح، وراحة الجوانح، وبه تتم أفعال الطبيعة، ويجود الهضم، وتجوَّد أسباب الشهوة، لا سيما حين الجو دكْنٌ، ووجه الأرض أسمط، والقطر مرجَحِنٌّ سحائبه، معنقٌ لألواذ الجبال وسفوح الأطواد هيادبه؛ ترفَضُّ دموعه كأنها أعراف الخيل منشورةً، أو سلوك الجمان منثورةً، والجو في ممسّك طرازه قوس قزح يبكي بلا حزن، كما يضحك من غير فرح، فلهفي على شرخ الشباب، وريعان الحداثة، لقد سلبتنيه الأيام سلباً، وأخذته من يدي غصباً أغضّ ما كان عوداً، وأنضر ما كان غصناً، حين الأيام ليّنة الأجياد مواتية، والحظوظ من الملاهي متوافية، فيا بؤس الدهر الخؤون، والزمن الظلوم، كيف يمزج صفوه بالكدر، ونعيمه بالغِيَر حتى لا تقع مسرته إلا بالمساءة ممتزجةً، ولا تحدث طماعيته إلا إلى الكراهية مزدوجةً، بينا أجول في أفياء الشبيبة، وأميسُ في أردية الغرارة، بمرتع من العيش رغيد، وسعي على صدر الزمان حميد، إذ نزع إلى لئيم عادته، ودنيء سجيّته، فأبدلني من السكون قلقاً، ومن الرخاء ضيقةً، ومن السعة غمةً، ومن الأنس وحشةً
فأصبحتُ من ليلى الغداةَ كناظرمع الصبح في أعقابِ نجمٍ مغرِّبِ
لا جرم أن حال الأنس مستحيلة، وسطوة الحوادث مستطيلة، ومشاهد السرور عافية، ومعاهد البهجة بالية، ومشارع الدنيا متكدرة، ومحاسنها متنكِّرة. والطرف مخفوض بعد انبساطه، ومحزونٌ عقيب اغتباطه، قد جفت ألبان العاني والأقداح، وجفَتْ عن أحبتها الكؤوس والراح، والقلب يتقلب على أحر مساً من الجمر، وأشد لذعاً من الخمر، ترى العيش حماماً، والشمس ظلاماً، والحياة غراماً.
ما كنتُ أوفي شبابي كنهَ غرّتِهِحتى مضى فإذا الدُّنيا له تَبَعُ
وعلى تذكار أيام الشبيبة، وزمان الشرب والبطالة قصَرنا هذا الجزء على نعت الخمر، واختلاف أنواعها وأحوالها، وعدد أساميها، وتحقيق اشتقاقاتها من اللغة، وسرقات الشعراء في معانيها، والله الموفق، وبيديْه المعونة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فأول ذلك أن الخمر مؤنثة، وجميع أسمائها، إما علامةً أو سماعاً، وربما ذكّروا الخمر في الشعر. قال الأعشى وذكَّرها، ثم رجع إلى التأنيث:
وكأنَّ الخمرَ العتيقَ من الإسفَنطِ ممزوجةٌ بماء زُلال
وقد يكون أن تلقى الهاء تشبيهاً بكحيل لأنها معتّقة، فهي مفعول بها في الأصل، كما يقال معقَّد وعَقيدٌ، والتأنيث في كلام العرب على ضربين: تأنيث حقيقي، وهو ما تحته فَرْجٌ، وتأنيث مجازي، وهو ضربين: منه ما له علم من الأعلام الثلاثة: الهمزة والتاء والألف المقصورة. ومنه ما لا علم في ظاهره، وإنما يؤخذ سماعاً كالنعل والعصا والشمس والأرض، إذا صغّرته زدت في مصغره الهاء كشميسة، ونُعيلة، وأريضة، إلا ثمانية أسماء كالحرب والدِّرع والقوس، تقول: حُريبٌ، ودُريعٌ، وقُويسٌ، ومن أمثالهم: تركته خبرَ قُويسٍ سهماً. وإنما صغروها بغير هاء لاشتهارها عندهم بالتأنيث. واحتيج إلى إفراد المؤنث لأنه فرع على المذكر، تقول: هو قائمٌ وقائمةٌ، كما أن الصفة فرع على الموصوف، والفعل فرع على الاسم، والعجمة فرع على العربية، والتعريف فرع على التنكير؛ وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غُلِّبَ المذكر على المؤنث لأنه أخف، كما قالوا: القمرين للشمس والقمر، والأبويْن للأب والأم.
والعرب تجترئ على تذكير مؤنث لا علم للتأنيث في لفظه، قال الأعشى:
أرى رجلاً منكم أَسيفاً كأنَّمايضمُّ إلى كشحيْهِ كفّاً مُخضّبا
وقال طفيل الغنوي:
فيهنَّ أحوى من الرِّبعيّ حاذلةٌوالعينُ بالإثمدِ الحاريِّ مكحولُ
وقال امرؤ القيس:
بَرهْرهةٌ رَخصةٌ رُؤدةٌكخُرعوبةٍ البانةِ المنفطرْ
وهم يوردون الاسم المذكر مخبراً عنه بالتأنيث. قال:
وأنتَ لمّا ظهرتَ أشرقَتِ الأرضُ، وضاءتْ لنورِك الأفقُ
أنّث الأفق لأنه يريد به الناحية. كما يذكرون المؤنث مخبراً عنه بالتذكير، قال الله تعالى: " السماء منفطرٌ به " قالوا: المعنى السقف، والله أعلم. قال امرؤ القيس:
...........كخرعوبة البانةِ المنفطرْ
أي الغصن، أما قول الشاعر:
أكثرُ ما أسمعُ منها بالسّحرْتذكيرُها الأنثى وتأنيثُ الذكرْ
والسَّوءةُ السواءُ في ذِكرِ القمرْ
فليس من هذا القبيل، وإنما يصف امرأةً لثغاء تُدخل بعض الكلام في بعض.
وقال أبو نواس:
أهيفُ، إن قلتُ: يا فديتُك، قُلْموسى، يَقلْ من رُطونة: موثى
محتلقٌ فاترُ الشمائلِ قدخالط منه المجونُ تخنيثا
وأنشد الباهلي في الأبيات:
وما ذكرٌ فإن يكبرْ فأنثىشديدُ الأزمِ ليس له ضُروسُ
يريد القراد، وهو ذكر، ثم يسمى إذا كبر حَلَمةً وحَمْنانةً.
وأخبرني أبو الفتح عثمان بن جني بالموصل أنهم لم يقولوا في صفات الله ﷿ علامةً لأن الهاء مشهورة عندهم بعلم التأنيث، وهي إخبار عن قلة الدوام والثبات. قال النمر:
وكلُّ خليلٍ عليهِ الرّعاثوالحُبُلات كذوبٌ مَلِق
وقال آخر
وإن حلفتُ لا النأيُ ينقضُ عهدَهافليس لمخضوب البنانِ يمينُ
وقال المتنبي:
أبداً تستردُّ ما تَهب الدنيافيا ليتَ جودَها كان بُخلا
فكفتْ فرحة تورثُ الغمَّوخلٌّ يغادرُ الوجدَ خلاّ
شِيمُ الغانيات فيها فلا أدري لذا أنَّثَ اسمها الناسُ أمْ لا
أبو العباس يقول: إنهم أرادوا به الداهية، وقد تكون الهاء داخلة للمبالغة والتوكيد كنسّابة ومِطْرابة ولُجَجة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع