تجاوز إلى المحتوى

من «المحب والمحبوب والمشموم والمشروب» للسري الرفاء (ت ٣٦٢هـ)

الخمر (٢)

فأما الخمر فاشتقاقها من ثلاثة أشياء، أحدها من خمرت الشيء، أي غطيته، كأنها تغطي عقولَ الناس الشاربين، والخمرة السّجادة لأنها تخمر موضعها من الأرض، والخِمار المِقنَعة لأنها تخمر الرأس، والخمر ما واراك من الشجر، والخَمير الذي للعجين فعيلٌ بمعنى فاعل، أي خامرٍ فطورتَه، وهو مثل قدير وقادر؛ وغدير عند بعضهم بمعنى غادر، كأنه يغدر بالناس، يكون فيه ماء مرةً، ومرةً يخلو، وإليه ذهب الكميت:

ومن غدرِهِ نبزَ الأولون إذا لقَّبوه الغديرَ الغديرا
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «ومن غدره نبز الأولو»

وهذا مما يستدل به على معرفتهم بالاشتقاق. قال حسان:

وشقَّ له من اسمه كي يجلَّهُفذو العرشِ محمودٌ وهذا محمّدٌ

ومن ذهب مذهب الاشتقاق من المُحدَثين قوم، فأحسنهم أبو نواس:

بكرَ العلاءَ ثلاثةٌ ما منهمُإن حصّلوا إلا أغرُّ رفيعُ
سادَ الربيعُ وسادَ فضلٌ بعدَهوعلتْ بعباسِ الكريمِ فروعُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ساد الملوك ثلاثة ما منهم»
عبّاسُ عبّاسٌ إذا احتدمَ الوغىوالفضلُ فضلٌ والربيعُ ربيعُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ساد الملوك ثلاثة ما منهم»

وفي غدير وجه آخر أغرب من الأول، وهو أن يكون فعيلاً بمعنى مفعول، كأنه ماء أغدره السيل، أي تركه. ويقال أغدرْتُه وغادرتُه بمعنى واحد. قال:

في هجمةٍ يغدُرُ منها القابضُسُدسٌ ورُبْعٌ تحتها فرائضُ

أي يترك. فغديرٌ بمعنى مُغدرٍ، وهو ماء غدير في العربية، كضمير بمعنى مُضْمر، وحديث بمعنى مُحدَث، وعَقيد بمعنى مُعْقَد، وعتيق بمعنى مُعتَق، ونَضيج ومُنضَج، وسليم للديغِ بمعنى مُسلَمٍ للهلاك في أحد القولين. قال النبي ﷺ: " خمِّروا آنيتَكم وأوْكوا أسقيتكم، وضُمّوا مواشيكم " أي غطوها. ومن أمثال العرب في لفظه " اليوم خمرٌ وغداً أمر " و " خامري أمَّ عامرٍ " و " العوان لا تعلّم الخمرة " و " هو يدُبّ الضرّاءَ ويمشي الخمرَ " وتقول العامة " سيكون لهذا السُّكر خُمارٌ " وأنشد الأصمعي:

وداهيةٍ جرَّها جارمٌجعلتَ رداءَكَ فيها خِمارا

أي حللت رؤوس القوم بالضرب وعمّمت لا غير، لأن الضرب يأخذ محلاً من الرأس لا كله، ومثله غشّيته، وهو في:

غشَّيْتُهُ وهو في جَأْواءَ باسلةٍعَضْباً أصابَ سَواءَ الرأسِ فانفلقا

وقال آخر:

سقيتُ سهامَ الموتِ بالبيضِ فحلَهاوجللتُه بالبأسِ والصارمِ الهِندي

وأراد بالرداء السيف، لأنه بحمائله وقرابه يُرتدى، وهو أيضاً ثقلٌ على العاتق فسموه به، قال الشاعر:

ليستْ عليهمْ إذا يغدونَ أرديةٌإلا جيادَ قسيّ النبعِ والّلجمِ

ومنه قول فقيه العرب: " من أراد البقاء ولا بقاء فليُكْرِ العشاء، وليباكر الغداء وليخفف الرداء " معناه يخفف ظهره من ثقل الديون. والعرب تصف الكاهلَ والعنق والعاتق والمنكب بالوَثاقة والشدة، والنهوض بالأعباء، والاستقلال بالشدائد والاضطلاع بالأثقال. قال عمر بن أبي ربيعة:

إنَّ لي حاجةً إليكِ فقالتْبين أُذني وعاتِقي ما تريدُ

أي أحملها وأقوم بقضائها.

وقال أبو عبادة:

وألقيتُ أمري في مهمِّ أمورِهِليحملَ رَضوى ما تحمّلَ كاهِلُهْ
للشاعر البحتري، من قصيدة «سقى ربعها سح السحاب وهاطله»

وقال الآخر في الرداء:

إذا ما الثّريّا أطلعتْ من عِشائهاطِلاعَ عروسٍ في ثيابِ جلاءِ
تبلدْتُ من علمي بما البينُ صانعٌوإن ردائي ليس لي برداءِ

فإنه يريد الرداء بعينه، وهو كقول المرّار:

كأنَّ الثريّا أطلعتْ من عِشائِهابوجهِ فتاةِ الحيِّ ذاتِ المجاسِدِ
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «كان الثريا اطلعت من عشائها»

يقال رداء ومِردى مثل عِطاف ومِعطف، وقولهم به خُمار هو فترة الرجل عقيب سُكره وصحوه، لأنه يجري مجرى الأدواء مثل الصُّداع والرُّعاف. وكان الضم أولى به لأن الفتح شغلوه بالأسماء الخفية كالذَّهاب والكلام، والكسر بالعيوب كالحِران والجِماح فلم يبق إلا الضم فجعلوه للأدواء. قال أبو عمرو الشيباني: السَّواف من أدواء الإبل بالفتح، وأنكره الأصمعي فضمه، ولم يقولوا: به نُباذٌ لأن النبيذ ليس من كلام العرب فلم يستعملوه، وقالوا: خَمر فهو مَخمور. قال:

.........كصدودِ المخمورِ شمَّ الشَّرابا

وخمَّر فهو مخمر. قال امرؤ القيس:

.........كما ذعرتْ كأسُ الصَّبوحِ المُخمَّرا

والوجه الثاني من الاشتقاق أنه لطيب رائحتها، وذكاء نشوتها سميت خمراً. تقول: وجدتُ خَمرَةَ الطيب، أي رائحته. قال الراجز:

يا رُبَّ خَوْدٍ طَفْلَةٍ مُعطَّرهْمُعجبةٍ بحُسنِها مُشمِّرهْ
إن جئتَها محجوبةً مخدّرهْوجدتَ من خلفِ الجدار الخَمرَهْ

والوجه الثالث أنه من خامَرَني الهمُّ أي خالطني، وداءٌ مخامِرٌ، أي مخالط للبدن، كأنها تخامر الأبدان والعقول أي تخالطها. قال:

أتيناهُ زُوّاراً فأعتدَنا قِرَىًمنَ البَثِّ والداءِ الدخيلِ المُخامرِ

وليس لأحد أن يقول إنه يرجع كل اشتقاقه إلى التغطية، لأنه إن سِير في الاشتقاق هذه السيرة بطلت فوائد أبوابه وأنواعه، وإنما يكون اختلافه بزيادة معنىً على آخر. وعلى هذا أسسه العلماء من القدماء، حتى قالوا في البحر إنه من البحر، أي ملحٌ، وماءٌ بحرٌ أي ملحٌ، ومياه البحار أملاح. قال نصيبٌ:

وقد عادَ ماءُ الأرضِ بَحْراً فزادَنيإلى ظَمأي أنْ أبحرَ المَشربُ العَذبُ

وقيل إنه سمي بذلك لبعد قعره وانشقاق عمقه، ومنه بحرتُ الناقة، أي شققت أذنها، فهي بَحيرة، ومنه تبحَّر فلان في العلم. وقيل إنه سمي بحراً لغلظ مائه وكدورته وتغيره. ومنه سمي دمٌ باحرٌ، أي ثخين أسود. وفي الحديث: " دمُ الحيضِ أسود بحراني ". قال العجاج:

من ناقعِ الجوفِ وبَحراني

وقالوا في المسيح صلوات الله عليه إنه لم يكن يمسح ذا عاهة إلا أبرأه، فهو على هذا فَعيل بمعنى فاعل، وقال غيره إنه فَعيلٌ بمعنى مفعول كأنه ممسوحُ باطن القدم لا يتخامص، وكذلك كان. وقال غيره سمي المسيح لأنه كان يمسح الأرض بالسياحة. وقيل إنه سمي المسيح لحسنه. تقول العرب: به مِسحةٌ من جمال، أي براعة. قال: البيت لامرأةِ ذي الرمة من قصيدة تهجو فيها ميّة صاحبة ذي الرمة:

على وجهِ ميَّ مِسْحةٌ من مَلاحةٍوتحتَ الثيابِ الخزيُ لو كان باديا
للشاعر كنزة أم شملة بن برد المنقري، اقرأ القصيدة

والمسيحة القطعة من الفضة، قال الأنماري:

كأنَّ مسيحتي ورقٌ عليهانمتْ قِرطيهما أذنٌ جذَيمُ
للشاعر سَلَمَة بن الخرشب الأنماري، اقرأ القصيدة

وهذا وإن كان أصله كله يرجع إلى المسح فقد اختلفت أنواعه، وعُقل من كل نوع فائدة جديدة كالدرع والمِدْرعة والدُّرَاعة، وأصل الكلمة درع إلا أنه عُقل من صنعة كل لفظة فائدة قائمة بنفسها.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من كتاب المشروب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.