تجاوز إلى المحتوى

من «البديع في نقد الشعر» لأسامة بن منقذ (ت ٥٨٤هـ)

باب: التهجين

وهو أن يصحب اللفظ والمعنى لفظ آخر ومعنى آخر يزري به، ولا يقوم حسن أحدهما بقباحة الآخر، فيكون كمدح بعضهم لعبد الله البجلي، حيث قال:

يقال: عبدُ اللهِ من بجيلةنعمَ الفتى، وبئست القبيلة

فقال عبد الله: ما مدح من هجي قومه.

ومن ذلك قول النابغة:

نظرتْ إليك بحاجةٍ لم تقضهانظرَ العليلِ إلى وجوه العودِ

هجن البيت بذكر العلة.

ومنه قول الآخر:

ما كان يعطي مثله من مثلهاإلاّ كريمُ الخيم أو مجنونُ

فما يقوم قوله: كريم الخيم بقوله: مجنون.

ومنه قول أبي تمام:

ما زال يهذي بالمكارم متعباًحتى ظننا أنه محمومُ

فأزال بعض الهجنة، ثم تبعهم أبو نواس فأزال الهجنة عنه، وأحسن بقوله:

صورَ المعروفُ شخصاًوله العباسُ روحُ
جادَ بالأموال حتىقيلَ: ما هذا صحيحُ

ومنه قول المتنبي:

حتى يقول الناسُ ماذا عاقلاًويقولُ بيتُ المالِ ماذا مسلمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفي أراني ويك لومك ألوما»

ومنه قول بعض العرب:

ألا إنما ليلى عصا خيزرانةٍإذا غمزوها بالأكفِّ تلين
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا يا حمامات الحمى عدن عودة»

ذكر ابن قتيبة أنه لما أنشده بشاراً قال له: هجنت البيت بقولك: عصاً ولو قلت: عصا مخ أو زبد، لم تزل الهجنة. وأحسن من هذا قولي:

وحوراء المدامع من معدٍّكأنَّ حديثها ثمرُ الجنانِ
إذا قامتْ لطيتها تثنتكأنَّ عظامها من خيزرانِ

ومثله قول ابن المعتز:

ما ذقتُ طعمَ النوم لو تدريكأنَّ أحشائي على جمرِ
من قمرٍ مسترقٍ نصفهكأنه مجرفة العطرِ

قالوا: لو قال مجرفة النور أو الدر لما برحت الهجنة.

ومن ذلك قول أبي نواس:

وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحةٍلغيرك إنساناً فأنت الذي نعني

قالوا: إن معناه هجين للخيانة التي فيه.

ومنه قول أبي تمام:

سبعون ألفاً كآساد الشرى نضجتْجلودهمْ قبل نضج التين والعنب

قيل: إنه هجين لأنه لا فائدة في اختصاصه بالتين والعنب دون التمر. وأيضاً إنه ليس من ألفاظ العرب. وقد احتج الصولي له في رسالته، فقال: إن الروم نظروا في علم النجوم أن عمورية لا تفتح في زمان التين والعنب، ففتحها المعتصم قبل ذلك، فذكر أبو تمام ذلك. وإنما الهجنة في قوله:

إذا المرء لم يزهدْ، وقد صبغتْ لهبعصفرها الدنيا فليس بزاهدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد»

ومن ذلك قول المتنبي يصف مطراً:

لساحيه على الأجداث حفشٌكأيدي الخيلِ أبصرت المخالي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

باب

النص من طبعة وزارة الثقافة بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.