من «أبو الطيب المتنبي وما له وما عليه» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
ومنها استعمال الغريب الوحشي
وإذا كان المتنبي من المحدثين، بل من العصريين، وجرى على رسومهم في اختيار الألفاظ المعتادة المألوفه بينهم، بل ربما انحط عنهم بالركاكة والسفسفة ثم تعاطي الغريب الوحشي، والشاذ البدوي، بل ربما زاد في ذلك على أقحاح المتقدمين حصل كلامه بين طرفي نقيض، وتعرض لاعتراض الطاعنين.
فمن ذلك الفن الذي ينادي على نفسه، ويقلق موقعه في شعره وشعر غيره من أبناء عصره قوله:
وما أرضي لمقلته بحلمإذا انتبهت توهمه ابتشاكا
والابتشاك: الكذب، ولم أسمع فيه شعراً قديما ولا محدثا سوى هذا البيت وقله في وصف الغيث:
لساحيه على الأجداث حفشكأيدي الخيل أبصرت المخالي
الساحي: القاشر، ومنه سميت المسحاة لأنها تقشر وجه الأرض، والحفش: مصدر حفش السيل حفشياً، إذا جمع الماء من كل جانب إلى مستنقع وقوله في وصف السيف:
ودقيق قدى الهباء أنيقمتوال في مستو هزهاز
قدى: بمعنى مقدار، يقال: بينهما قيد رمح، وقدى رمح وقوله:
تطس الخدود كما تطسن اليرمعا
تطسن: أي تدق، واليرمع: الحجارة الرخوة وقوله:
وإلى حصى أرض أقام بهابالناس من تقبيلها يلل
اليلل: إقبال الأسنان وانعطافها على باطن الفم، ولم أسمعه في غير شعره وقوله:
الشمس تشرق والسحاب كنهوراً
الكنهور: القطع من السحاب العظيمة وقوله:
وكيف أستر ما أوليت من حسنوقد غمرت نوالا أيها النال
والنال: المعطي
وقوله:
أسائلها عن المتديريها
قال الصاحب: لفظة (المتديريها) لو وقعت في بحر صاف لكدرته، ولو ألقى ثقلها على جبل سام لهده، وليس وليس للمقت فيها نهاية، ولا للبرد معها غاية. المتديروها: المتخذوها داراً قال الصاحب: ومن أطم ما يتعاطاه التفاصح بالألفاظ
النافرة، والكلمات الشاذة، حتى كأنه وليد خباء، وغذي لبن، لم يطأ الحضر، ولم يعرف المدر فمن ذلك قوله:
أيفطمه التوراب قبل فطامهويأكله قبل البلوغ إلى الأكل
وليس ذلك ساءغا لمثله، وهو وليد قرية، ومعلم صبية ومن الجموع الغريبة التي يوردها قوله في جمع الأرض:
أروض الناس من ترب وخوفوأرض أبي شجاع من أمان
وقوله في جمع اللغة:
علم بأسرار الديانات واللغى
وقوله في جمع الدنيا
أعز مكان في الدني سرج سابح
وقوله في جمع الأخ:
كل آخائه كرام بني الدنيا
قال الصاحب: لو وقع (الآخاء) في رائية الشماخ لا ستثقل، فكيف مع أبيات منها:
قد سمعنا ما قلت في الأحلاموأنلناك بدرة في المنام
والكلام إذا لم يتناسب زيفته جهابذته، وبهرجته نقاده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع