تجاوز إلى المحتوى

من «أبو الطيب المتنبي وما له وما عليه» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)

ومنها اتباع الفقرة الغراء بالكلمة العوراء

والإفصاح بذلك في شعره عن كثرة التفاوت، وقلة التناسب، وتنافر الأطراف، وتخالف الأبيات، وما أكثر ما يحوم حول هذه الطريقة، ويعود لهذه العادة السيئة،

ويجمع البديع النادر والضعيف الساقط. فبينا، هو يصوغ أفخر حلي، وينظم أحسن عقد، وينسخ أنفس وشيء، ويختال في حديقة ورد، إذا به وقد رمى بالبيت والبيتين في إبعاد الاستعارة، أو تعويص اللفظ، أو تعقيد المعنى، إلى المبالغة في التكليف، والزيادة في التعمق، والخروج إلى الإفراط والإحالة والسفسفة، والركاكة والتبرد والتوحش، باستعمال الكلمات الشاذة، فمحا تلك المحاسن، وكدر صفاءها، وأعقب حلاوتها مرارة لا مساغ لها، واستهدف لسهام العائبين، وتحكك بألسنة الطاعنين: فمن متمثل بقول الشارع:

أنت العروس لها جمال رائقلكنها في كل يوم تصرع

ومن مشبه إياه بمن يقدم مائدة تشتمل على غرائب المأكولات وبدائع الطيبات، ثم يتبعها بطعام وضر، وشراب عكر، أومن يتبخر بالند المعشب المثلث، المركب من العود الهندي والمسك الأصهب والعنبر الأشهب، ثم يرنقه بإسار الريح الخبيثة، ويفسده بالرائحة الردية، أو بالواحد من عقلاء المجانين ينطق بنوادر الكلم، وطرائف الحكم، ثم يعتريه سكرة الجنون فيكون أصلح أحواله وأمثل أقواله أن يقول: اعذرني فإن العذرة متعذر فمما نشر أبو الطيب من هذا النمط قوله (من

الخفيف):

أتراها لكثرة العشاقتحسب الدمع خلقة في الآقي؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

وهو ابتداء ما سمع بمثله، ومعنى تفرد بابتداعه، ثم شفعه بما لا يبالي العاقل أن يسقطه من شعره فقال:

كيف ترثي التي كل جفنراءها غير جفنها غير راقي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

وقوله:

ليالي بعد الظاعنين شكولطوال، وليل العاشقين طويل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»
بين لي البدر الذي لا أريدهويخفين بدراً ما إليه وصول
وما عشت من بعد الأحبة سلوةولكنني للنائبات حمول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»
وما شرقي بالماء إلا تذكرالماء به أهل الخليط نزول
يحرمه لمع الأسنة فوقهفليس لظمآن إليه سبيل

من قصيدة اخترع لأكثر معانيها، وتسهل في ألفاظها، فجاءت مصنوعة، ثم اعترضته تلك العادة المذمومة، فقال:

أغركم طول الجيوش وعرضهاعلى شروب للجيوش أكول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»
إذا لم تكن لليث إلا فريسةغذاه ولم ينفعك أنك فيل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

ثم أتى بما هو أطم منه فقال، وذكر الصاحب أنه من أوبده التي لا يسمع طول الأبد بمثلها:

إذا كان بعض الناس سيفا ًلدولةففي الناس بوقات لها وطبول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»
فإن تكن الدولات قسما فإنهالمن ورد الموت الزؤام تدول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

قال الصاحب: قوله (الدولات) و (تدول) من الألفاظ التي لو رزق فضل السكوت عنها لكان سعيدا. وقال من قصيدة جمع فيها الشذرة والبعرة، والدرة والآجرة:

لك يا منازل في الفؤاد منازلأفقرت أنت، وهن منك أواهل

وهذا ابتداء حسن ومعنى لطيف، ثم قال:

وأنا الذي اجتلب المنية طرفهفمن المطالب والقتيل القاتل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

وهو وإن كان مأخوذا من قول دعبل:

لا تطلبا بظلامتي أحداطرفي وقلبي في دمى اشتراكا

فإنه آخذ بأطراف الرشاقة والملاحة، ثم استمر في قصيدته، فجاء بالمتوسط المقارب والبديع الناذر والرديء النافر، حيث قال:

ولذا أسم أغطية العيون جفونهامن أنها عمل السيوف عوامل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

وهذا معنى في نهاية الحسن واللطف لو ساعده اللفظ، ثم قال:

كم وقفة سجرتك شوقا بعدماغري الرقيب بنا ولج العاذل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

فلم يحسن موقع قوله (سجرتك) أي ملأتك (هكذا الرواية بالجيم، ولو كانت بالحاء من السحر لم يكن بأس) ثم قال وملح:

دون التعانق ناحلين كشكلتينصب أدفهما وضم الشاكل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أي: قريب بعضنا من بعض، ولم نتعانق خوف الرقيب. ثم قال فأحسن غاية الإحسان:

للهو آونة تمر كأنهاقبل يزودها حبيب راحل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»
جمح الزمان فما لذيذ خالصمما يشوب، ولا سرور كامل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»
حتى أبو الفضل بن عبد اللهرؤيته المنى وهو المقام الهائل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال ابن جني: وهذا خروج غريب ظريف حسن، ما أعرفه لغيره، يقول إن المنى رؤيته إلا أن هيبته تهول. ثم قال فجمع أوصافها في بيت واحد:

للشمس فيه وللرياح وللسحابوللبحار وللأسود شمائل

ثم قال وتحذق وتبرد:

ولديه ملعقيان والأدب المفادوملحياة وملمات مناهل

وإنما ألم في صدر هذا البيت بقول أبي تمام

نأخذ من ماله ومن أدبه

ثم قال:

علامة العلماء واللج الذيلا ينتهي، ولكل لج ساحل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

ثم قال فأحال:

لو طاب مولد كل حي مثلهولد النساء وما لهن قوابل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

قال القاضي أبو الحسن: إن طيب المولد لا يستغني به عن القابلة، وإن استغنى عنها كان ماذا؟ وأي فخر فيه؟ وأي شرف ينال به؟ ثم توسط وقارب فقال:

ليزد بنو الحسن الشراف تواضعاهيهات تكتم في الظلام مشاعل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»
ستروا الندى ستر الغراب سفادهفبدا، وهل يخفى الرباب الهاطل؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

ثم قال وتوحش وتبغض ما شاء الحاسد:

جفخت وهم لا يجفخون بها بهمشيم على الحسب الأغر دلائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

يريد بالجفخ الفخر والبذخ، ثم قال:

يا افخر الناس فيك ثلاثة:مستعظم، أو حاسد، أو جاهل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

أي: يا هذا افخر، فحذف المنادي، وتباغض وتبادي ثم قال:

لا تجسر الفضحاء تنشد هاهناشعرا، ولكني الهزبر الباسل

ثم قال وأرسله مثلا سائرا، وأحسن جدا:

وإذا أتتك مذمتي من ناقصفهي الشهادة لي بأني كامل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»
ما نال أهل الجاهلية كلهمشعري، ولا سمعت بسحري بابل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

ثم قال وتعسف في اللفظ:

أما وحقك وهو غاية مقسمللحق أنت، وما سواك الباطل
الطيب أنت إذا أصابك طيبهوالماء أنت إذا اغتسلت الغاسل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

وتقدير الكلام: الطيب أنت طيبه إذا أصابك، والماء أنت غاسله إذا اغتسلت به، وإنما ألم فيه بقول القائل:

وتزيدين طيب طيباًإن تمسيه، أين مثلك أينا؟!

وقال من قصيدة كهذه التي تقدمت:

قد علم البين منا البين أجفاناتدمي، وألف في ذا القلب أحزانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»
أملت ساعة ساروا كشف معصمهاليلبث الحي دون السير حيرانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»
بالوخدات وحاديها وبي قمريظل من وخدها في الخدر حشيانا

وحشيان - بالحاء المهملة - من الغريب الوحشي، الذي لا يأنس به السمع ولا يقبله القلب. يقال: حشي الرجل حشيا، إذا أخذه البهر يقول: إذا وخدت الإبل تحت هذا القمر أخذه لترفه. ومن المؤدبين من يروي خشيانا بالخاء معجمة من الخشية ثم قال، وأحسن ولطف وظرف:

قد كنت أشفق من دمعي على بصريفاليوم كل عزيز بعدكم هانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

ثم أراد أن يزيد على الشعراء في وصف المطايا، فأتى - كما قال الصاحب - بأخزى الخزايا، فقال:

لو استطعت ركبت الناس كلهمإلى سعيد بن عبد الله بعرانا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال الصاحب: ومن الناس أمه، فهل ينشط لركوبها؟ والممدوح لعل له عصبة لا يريد أن يركبوا إليه. فهل في الأرض أفحش من هذا السخف وأوضع من هذا التبسط؟ ثم أراد أن يستدرك هذه الطامة بقوله:

فالعيس أعقل من قوم رأيتهمعما يراه من الإحسان عميانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

وقال، ثم قال وأجاد في مدح الممدوح:

إن كوتبوا، أولقوا، أوحوربوا، وجدوافي الخط واللفظ والهجاء فرسانا
كأن ألسنهم في النطق قد جعلتعلى رماحهم في الطعن خرصانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»
كأنهم يردون الموت من ظمإأو ينشقون من الخطي ريحانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

ثم قال:

خلائق لو حواها الزنج لانقلبواظمى الشفاه جعاد الشعر غرانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

والزنجي لا توجد إلا جعد الشعر، فكيف ينقلون عن الجعودة إلى الجعودة؟ وقد احتج عنه أصحاب المعاني بما يطول ذكره. والعجب كل العجب من خاطر يقدح بمثل قوله في قصيدة:

وملمومة زرد ثوبهاولكنه بالقنا مخمل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»
يفاجئ جيشاً بها حينهوينذر جيشاً بها القسطل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

ثم يتصور في هذا الكلام الغث الرث فيتبعه به حيث يقول:

جعلتك في القلب لي عدةلأنك باليد لا تجعل

ولو قاله بعض صبيان المكاتب لاستحيا له منه

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المعايب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.