تجاوز إلى المحتوى

من «أبو الطيب المتنبي وما له وما عليه» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)

فمنها قبح المطالع

وحقه الحسن والعذوبة لفظاً، والبراعة والجودة معنى، لأنه أول ما يقرع الأذن ويصافح الذهن، فإذا كانت حاله على الضد مجه السمع، وزجه القلب،

ونيت عنه النفس، وجرى أوله على ما تقوله العامة (أول الدن دردي) ولأبي الطيب ابتداءات ليست لعمري من أحرار الكلام وغرره، بل هي - كما نعاها عليه العائبون - مستشنعة لا يرفع السمع لها حجابه، ولا يفتح القلب لها بابه، كقوله:

هذي بزرت لنا فهجت رسيساثم انصرفت وما شفيت نسيسا

فإنه لم يرض بحذف علامة النداء من (هذي)، وهو غير جائز عند النحويين، حتى ذكر الرسيس والنسيس، فأخذ بطرفي الثقل والبرد، وكقوله:

أوه بديل من قولتي واها

وهو برقية العقرب أشبه منه بافتتاح كلام في مخاطبة ملك. وكقوله - وهو مما تكلف له اللفظ المتعقد، والترتيب المتعسف، لغير معنى بديع يفي وغرابته بالتعب في استخراجه، ولا تقوم فائدة الانتفاع به بازاء التأذي باستماعه:

وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمهبأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

وكقوله في استفتاح قصيدة في مدح ملك يريد أن يلقاه بها أول لقية:

كفى بك داء أن ترى الموت شافياوحسب المنايا أن يكن أمانيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

وفي الابتداء بذكر الداء والموت والمنايا ما فيه من الطيرة، التي تنفر منها السوقة، فضلا عن الملوك. حكى الصاحب قال: ذكر الأستاذ الرئيس يوما الشعر، فقال: وإن أول ما يحتاج فيه إليه حسن المطلع، فأن ابن أبي الشباك أنشدني في يوم نيروز قصيدة ابتداؤها:

أقبر وما طلت ثراك يد الطل؟

فتطيرت من افتتاحه بالقبر، وتنغصت باليوم والشعر، فقلت: كذاك كانت حال ابن مقاتل لما مدح الداعي بقوله:

لا تقل بشرى ولكن بشريانغرة الداعي ويوم المهرجان

فإن نفر من قوله (لا تقل بشرى) أشد نفار، وقال: أعمى وتبتدئ بهذا في يوم مهرجان؟! قال الصاحب: ومن عنوان قصائده التي تحير الأفهام، وتفوت الأوهام،

وتجمع من الحساب مالا يدرك بالأرتيماطيقي، وبالأعداد الموضوعة للموسيقي:

أحاد أم سداس في أحادلييلتنا المنوطة بالتنادي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»
وهذا كلام الحكل ورطانة الزطوما ظنك بممدوح قد تشمر للسماعً

من مادحه فصك سمعه بهذه الألفاظ الملفوظة والمعاني المنبوذة؟ فأي هزة تبقى هناك؟ وأي أريحية تثبت هنا؟ وقد خطأه في اللفظ والمعنى كثير من أهل اللغة وأصحاب المعاني، حتى احتيج في الاعتذار له، والنضح عنه، إلى كلام لا يستأهله هذا البيت، ولا يتسع له هذا الباب.

ومن ابتداءاته البشعة التي تنكرها بديهة السماع قوله:

ملث القطر أعطشها ربوعاوإلا فاسقها السم النجيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

وقوله:

أثلت فإنا أيها الطللنبكي وترزم تحتنا الإبل

وقوله:

بقائي شاء ليس هم ارتحالاوحسن الصبر زموا لا الرحالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

قال الصاحب: ومن افتتاحاته العجيبة قوله لسيف الدولة في التسلية عند المصيبة:

لا يحزن الله الأمير فإننيلآخذ من حالاته بنصيب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال الصاحب: لا أدري لم لا يحزن سيف الدولة إذا أخذ المتنبي بنصيب من القلق!

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المعايب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.