تجاوز إلى المحتوى

من «جواهر البلاغة» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)

(٨) المبحث الثامن: في فوائد التشبيه

(١) بيان حاله؛ وذلك حينما يكون المشبه مبهمًا غير معروف الصفة التي يراد إثباتها له قبل التشبيه، فيفيده التشبيه الوصف، ويوضحه المشبه به، نحو: «شجر النارنج كشجر البرتقال». ومثل قول الشاعر:

إذا قامت لحاجتها تثنتكأن عظامها من خيزران

(٢) أو بيان إمكان حاله، وذلك حين يسند إليه أمر مستغرب لا تزول غرابته إلا بذكر شبيه له، معروف واضح مسلم به؛ ليثبت في ذهن السامع ويقرر، مثل قوله:

ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضتوقع السهام ونزعهن أليم
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قلبي من الطرفِ السقيم سقيم»

شبه نظرها بوقع السهام، وشبه إعراضها بنزعها؛ بيانًا لإمكان إيلامها بها جميعًا.

(٣) أو بيان مقدار حال المشبه في القوة والضعف؛ وذلك إذا كان المشبه معلومًا معروف الصفة التي يُراد إثباتها له معرفة إجمالية قبل التشبيه، بحيث يُراد من ذلك التشبيه بيان مقدار نصيب المشبه من هذه الصفة؛ وذلك بأن يعمد المتكلم لأن يبين للسامع ما يعنيه من هذا المقدار، مثل قوله:

كأنَّ مشيتها من بيت جارتهامر السحابة لا ريث ولا عجل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

وكتشبيه الماء بالثلج في شدة البرودة، ومثل قوله:

فيها اثنتان وأربعون حلوبةسودًا كخافية الغراب الأسحم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

شبه النياق السود بخافية الغراب؛ بيانًا لمقدار سوادها، فالسواد صفة مشتركة بين الطرفين.

(٤)

إن القلوب إذا تنافر وُدُّهامثل الزجاجة كسرُها لا يُجْبَر

شبه تنافر القلوب بكسر الزجاجة؛ تثبيتًا لتعذر عودة القلوب إلى ما كانت عليه من الأنس والمودة.

(٥) أو بيان إمكان وجود المشبه، بحيث يبدو غريبًا يستبعد حدوثه والمشبه به يزيل غرابته، ويبين أنه ممكن الحصول، مثل قوله:

فإن تَفُقِ الأنامَ وأنتَ منهمفإن المِسك بعضُ دَمِ الغزالِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

(٦) أو مدحه وتحسين حاله؛ ترغيبًا فيه، أو تعظيمًا له، بتصويره بصورة تهيج في النفس قوى الاستحسان، بأن يعمد المتكلم إلى ذكر مشبه به مُعجب، قد استقر في النفس حسنه وحبه، فيصوِّر المشبه بصورته، كقوله:

وزاد بك الحسن البديع نضارةكأنك في وجه الملاحة خال
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «فدتك نفوس قد حلا بك حالها»

ونحو:

كأنك شمس والملوك كواكبإذا طلعْتَ لم يَبْدُ منهن كوكب

وقوله:

سبقتْ إليك من الحدائق وردةٌوأتتك قبل أوانها تطفيلا
طمعت بلثمك إذ رأتك فجمعتفمها إليك كطالب تقبيلا
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة

وقوله:

له خال على صفحات خدكنقطة عنبر في صحن مرمر
وألحاظ كأسياف تناديعلى عاصي الهوى الله أكبر

(٧) أو تشويه المشبه وتقبيحه؛ تنفيرًا منه أو تحقيرًا له، بأن تصوِّره بصورة تمجُّها النفس، ويشمئز منها الطبع، كقوله:

وإذا أشار محدِّثًا فكأنهقرد يقهقه أو عجوز تلطم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

وقوله:

وترى أناملها دبت على مزمارهاكخنافس دبت على أوتار

(٨) أو استطرافه — أي عدُّه طريفًا حديثًا — بحيث يجيء المشبه به طريفًا، غير مألوف للذهن؛ إما لإبرازه في صورة الممتنع عادة، كما في تشبيه «فحم فيه جمر متقد ببحر من المسك موجه الذهب» وقوله:

وكأن مُحْمَرَّ الشقيقإذا تصوَّب أو تصعَّد
أعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة

وإما لِنُدور حضور المشبه به في الذهن عند حضور المشبه، كقوله:

انظرْ إليه كزورق من فِضةقد أثقلتْه حمولةٌ من عنبر

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من في التشبيه

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.