تجاوز إلى المحتوى

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)

باب السرقات وما شاكلها

وهذا باب متسع جداً، لا يقدر أحد من الشعراء أن يدعى السلامة منه، وفيه أشياء غامضة، إلا عن البصير الحاذق بالصناعة، وأخر فاضحة لا تخفى على الجاهل المغفل، وقد أتى الحاتمي في حلية المحاضرة بألقاب محدثة تدبرتها ليس لها محصول إذا حققت: كالاصطراف، والاجتلاب، والانتحال، والاهتدام، والإغارة، والمرافدة، والاستلحاق، وكلها قريب، وقد استعمل بعضها في مكان بعض، غير أني ذاكرها على ماخيلت فيما بعد.

وقال الجرجاني وهو أصح مذهباً، وأكثر تحقيقاً من كثير ممن نظر في هذا الشأن: ولست تعد من جهابذة الكلام، ولا من نقاد الشعر، حتى تميز بين أصنافه وأقسامه، وتحيط علماً برتبه ومنازله، فتفصل بين السرق والغصب وبين الإغارة والاختلاس، وتعرف الإلمام من الملاحظة، وتفرق بين المشترك الذي لا يجوز ادعاء السرقة فيه والمبتذل الذي ليس واحد أحق به من الآخر، وبين المختص الذي حازه المبتدي فملكه واجتباه السابق فاقتطعه.

قال عبد الكريم: قالوا:

السرق في الشعر ما نقل معناه دون لفظه، وأبعد

في أخذه، على أن من الناس من بعد ذهنه إلا عن مثل بيت امرئ القيس وطرفة حين لم يختلفا إلا في القافية؛ فقال أحدهما وتحمل، وقال الآخر وتجلد ومنهم من يحتاج إلى دليل من اللفظ مع المعنى، ويكون الغامض عندهم بمنزلة الظاهر، وهم قليل.

والسرق أيضاً إنما هو في البديع المخترع الذي يختص به الشاعر، لا في المعاني المشتركة التي هي جارية في عاداتهم ومستعملة في أمثالهم ومحاوراتهم، مما ترتفع الظنة فيه عن الذي يورده أن يقال إنه أخذه من غيره.

قال: واتكال الشاعر على السرقة بلادة وعجز، وتركه كل معنى سبق إليه جهل، ولكن المختار له عندي أوسط الحالات.

وقال بعض الحذاق من المتأخرين: من أخذ معنى بلفظه كما هو كان سارقاً، فإن غير بعض اللفظ كان سالخا، فإن غير بعض المعنى ليخفيه أو قلبه عن وجهه كان ذلك دليل حذقه.

وأما ابن وكيع فقد قدم في صدر كتابه على أبي الطيب مقدمة لا يصح لأحد معها شعر إلا الصدر الأول إن سلم ذلك لهم، وسماه كتاب المنصف مثل ما سمي اللديغ سليما، وما أبعد الإنصاف منه.

والاصطراف: أن يعجب الشاعر ببيت من الشعر فيصرفه إلى نفسه، فإن

صرفه إليه على جهة المثل فهو اختلاب واستلحاق، وإن ادعاه جملة فهو انتحال، ولا يقال منتحل إلا لمن ادعى شعراً لغيره وهو يقول الشعر، وأما إن كان لا يقول الشعر فهو مدع غير منتحل، وإن كان الشعر لشاعر أخذ منه غلبة فتلك الإغارة والغصب، وبينهما فرق أذكره في موضعه إن شاء الله تعالى، فإن أخذه هبة فتلك المرافدة، ويقال: الاسترفاد، فإن كانت السرقة فيما دون البيت فذلك هو الاهتدام، ويسمى أيضاً النسخ، فإن تساوى المعنيان دون اللفظ وخفي الأخذ فذلك النظر والملاحظة، وكذلك إن تضادا ودل أحدهما على الآخر، ومنهم من يجعل هذا الإلمام، فإن حول المعنى من نسيب إلى مديح فذلك الاختلاس، ويسمى أيضاً نقل المعنى، فإن أخذ بنية الكلام فقط فتلك الموازنة، فإن جعل مكان كل لفظة ضدها فذلك هو العكس، فان صح أن الشاعر لم يسمع بقول الآخر وكانا في عصر واحد فتلك المواردة، وإن ألف البيت من أبيات قد ركب بعضها من بعض فذلك هو الالتقاط والتلفيق، وبعضهم يسميه الاجتذاب والتركيب، ومن هذا الباب كشف المعنى والمحدود من الشعر، وسوء الاتباع، وتقصير الآخذ عن المأخوذ منه، وسأورد عليك مما رويته أو تأدى إلى فهمه لكل واحد من هذه الألقاب مثالا يعرفه العالم، ويقتدي به المتعلم، إن شاء الله تعالى.

أما الاصطراف فيقع من الشعر على نوعين: أحدهما: الاجتلاب، وهو الاستلحاق أيضاً كما قدمت، والآخر: الانتحال؛ فأما الاجتلاب فنحو قول النابغة الذبياني:

وصهباء لا تخفي القذى وهو دونهاتصفق في راووقها حين تقطب
تمززتها والديك يدعو صباحهإذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا

فاستلحق البيت الخير فقال:

وإجانة ريا السرور كأنهاإذا غمست فيها الزجاجة كوكب
تمززتها والديك يدعو صباحهإذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا

وربما اجتلب الشاعر البيتين على الشريطة التي قدمت؛ فلا يكون في ذلك باس، كما قال عمرو ذو الطوق:

صددت الكأس عنا أم عمرووكان الكأس مجراه اليمينا
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «صددتِ الكأس عنا أُم عمروٍ»
وما شر الثلاثة أم عمروبصاحبك الذي لا تصبحينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

فاستلحقهما عمرو بن كلثوم؛ فهما في قصيدته، وكان عمرو بن العلاء وغيره لا يرون ذلك عيباً، وقد يصنع المحدثون مثل هذا.

قال زياد الأعجم:

أشم إذا ما جئت للعرف طالباًحباك بما تحوي عليه أنامله
ولو لم يكن في كفه غير نفسهلجاد بها فليتق الله سائله
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

ويروى هذا لأخت يزيد بن الطثرية، فاستلحق البيت الأخير أبو تمام فهو في شعره.

وأما قول جرير للفرزدق وكان يرميه بانتحال شعر أخيه الأخطل بن غالب:

ستعلم من يكون أبوه قيناًومن كانت قصائده اجتلاباً

فإنما وضع الاجتلاب موضع السرق والانتحال لضرورة القافية، هكذا ذكر العلماء من هؤلاء المحدثين، وأما الجمحي فقال: من السرقات ما يأتي على سبيل المثل ليس اجتلاباً، مثل قول أبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي:

تلك المكارم لا قعبان من لبنشيباً بماء فعاد بعد أبوالا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «ليطلب الثأر أمثال ابن ذي يزن»

ثم قاله بعينه النابغة الجعدي لما أتى موضعه، فبنو عامر ترويه للجعدى، والرواة مجمعون أنه لأبي الصلط؛ فقد ذهب الجمحي في الإجتلاب مذهب جرير أنه انتحال ولم أر محدثاً غيره يقول هذا القول.

والانتحال عندهم قول جرير:

إن الذين غدوا بلبك غادرواوشلا بعينك لا يزال معينا
للشاعر جرير، من قصيدة «أمسيت إذ رحل الشباب حزينا»
غيضن من عبراتهن وقلن لي:ماذا لقيت من الهوى ولقينا؟
للشاعر جرير، من قصيدة «أمسيت إذ رحل الشباب حزينا»

فإن الرواة مجمعون على أن البيتين للمعلوط السعدي انتحلهما جرير، وانتحل أيضاً قول طفيل الغنوي:

ولما التقى الحيان ألقيت العصاومات الهوى لما أصيبت مقاتله
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «ولما التقى الحيان ألقيت العصا»

ولذلك قال الفرزدق:

إن تذكروا كرمي بلؤم أبيكموأوابدي تتنحلوا الأشعارا

وكان يتقارضان الهجاء، ويعكس كل واحد منهما المعنى على صاحبه وليس ذلك عيباً في المناقضات، ولما قال الفرزدق في بني ربيع:

تمنت ربيع أن يجيء صغارهابخير، وقد أعيا ربيعاً كبارها

أخذه البعيث بعينه في بني كليب رهط جرير فقال الفرزدق:

إذا ما قلت قافية شروداًتنحلها ابن حمراء العجان

يعني البعيث؛ وكان ابن سرية.

وأما قول البحتري:

رمتني غواة الشعر من بين مفحمومنتحل ما لم يقله ومدعى

فيشهد لك ما قدمت ذكره؛ لأنه قسمهم ثلاثة أقسام: مفحم قد عجز عن الكلام فصلا عن التحلي بالشعر غير أنه يتبع الشعراء؛ والآخر منتحل لأجود من شعره، والثالث مدع جملة لا يحسن شيئاً.

والإغارة: أن يصنع الشعر بيتاً ويخترع معنى مليحاً فيتناوله من هو أعظم منه ذكراً وأبعد صوتاً، فيروى له دون قائله، كما فعل الفرزدق بجميل وقد سمعه ينشد:

ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفناوإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ومنا الذي لا ينطق الناس عنده»

فقال: متى كان الملك في بني عذرة؟ إنما هو في مضر وأنا شاعرها، فغلب الفرزدق على البيت، ولم يتركه جميل ولا أسقطه من شعره.

وقد زعم بعض الرواة أنه قد قال له: تجاف لي عنه، فتجافى جميل عنه، والأول أصح؛ فما كان هكذا فهو إغارة، وقوم يرون أن الإغارة أخذ اللفظ بأسره والمعنى بأسره، والسرق أخذ بعض اللفظ أو بعض المعنى، كان ذلك لمعاصر أو قديم.

وأما الغصب فمثل صنيعه بالشردل اليربوعي، وقد أنشد في محفل:

فما بين من لم يعط سمعاً وطاعةًوبين تميم غير حز الحلاقم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تحن بزوراء المدينة ناقتي»

فقال الفرزدق: والله لتدعنه أو لتدعن عرضك، فقال: خذه لا بارك الله لك فيه.

وقال ذو الرمة بحضرته: لقد قلت أبياتاً، إن لها لعروضاً وإن لها لمراداً ومعنى بعيداً، قال: وما قلت؟ فقال: قلت:

أحين أعادت بي تميم نسائهاوجردت تجريد اليماني من الغمد
ومدت بضبعي الرباب ومالكوعمرو وسالت من ورائي بنو سعد
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حي أطلالا كحاشية البرد»
ومن آل يربوع زهاء كأنهدجى الليل محمود النكاية والرفد
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حي أطلالا كحاشية البرد»

فقال له الفرزدق: إياك وإياها لا تعودن إليها، وأنا أحق بها منك، قال: والله لا أعود فيها ولا أنشدها أبداً إلا لك وسمعت بعض المشايخ يقول: الاصطراف في شعر الأموات كالإغارة على شعر الأحياء، إنما هو أن يرى الشاعر نفسه أولى بذلك الكلام من قائله.

وأما المرافدة فأن يعين الشاعر صاحبه بالأبيات يهبها له، كما قال جرير لذي الرمة: أنشدني ما قلت لهشام المرئي، فأنشده قصيدته:

نبت عيناك عن طلل بحزوىمحته الريح وامتنح القطارا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «نبت عيناك عن طلل بحزوى»

فقال: ألا أعينك؟ قال: بلى بأبي وأمي، قال: قل له:

يعد الناسبون إلى تميمبيوت المجد أربعة كبارا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «نبت عيناك عن طلل بحزوى»
يعدون الرباب وآل سعدوعمراً ثم حنظلة الخيارا
ويهلك بينها المرئي لغواًكما ألغيت في الدية الحوارا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «نبت عيناك عن طلل بحزوى»

فلقيه الفرزدق، فلما بلغ هذه قال: جيد، أعده، فأعاده، فقال: كلا والله، لقد علكهن من هو أشد لحيين منك، هذا شعر ابن المراغة.

واسترفد هشام المرئي جريراً على ذي الرمة فقال في أبيات:

يماشي عدياً لؤمها ما تجنهمن الناس ما ماشت عدياً ظلالها
للشاعر جرير، من قصيدة «عجبت لرحل من عدي مشمس»
فقل لعدي تستعن بنسائهاعلي فقد أعيا عدياً رجالها
للشاعر جرير، من قصيدة «عجبت لرحل من عدي مشمس»
أذا الرم، قد قلدت قومك رمةبطيئاً بأيدي العاقلين انحلالها

ويروي بأيدي المطلقين فقال ذو الرمة لما سمعها: يا ويلتنا، هذا والله شعر حنظلي، وغلب هشام على ذي الرمة بعد أن كان ذو الرمة مستعلياً عليه.

وقد استرفد نابغة بني ذبيان زهيراً فأمر ابنه كعباً فرفده.

والشاعر يستوهب البيت والبيتين والثلاثة وأكثر من ذلك، إذا كانت

شبيهة بطريقته، ولا يعد ذلك عيباً؛ لأنه يقدر على عمل مثلها، ولا يجوز ذلك إلا للحاذق المبرز.

والاهتدام نحو قول النجاشي:

وكنت كذي رجلين رجل صحيحةورجل رمت فيها يد الحدثان

فأخذ كثير القسم الأول واهتدم باقي البيت فجاء بالمعنى في غير اللفظ، فقال: ورجل رمى فيها الزمان فشلت وأما النظر والملاحظة فمثل قول مهلهل:

أنبضوا معجس القسي وأبرقنا كما توعد الفحول الفحولا
للشاعر عدي بن ربيعة، من قصيدة «بات ليلي بالأنعمين طويلا»

نظر إليه زهير بقوله:

يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنواضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»

وأبو ذؤيب بقوله:

ضروب لهامات الرجال بسيفهإذا حن نبع بينهم وشريح
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «صبا صبوة بل لج وهو لجوج»

والإلمام: ضرب من النظر، وهو مثل قول أبي الشيص: أجد الملامة في هواك لذيذة وقول أبي الطيب: أأحبه وأحب فيه ملامة البيت، وقد تقدم ذكرهما في التغاير.

وأما الاختلاس فهو قول أبي نواس:

ملك تصور في القلوب مثالهفكأنه لم يخل منه مكان
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «حي الديار إذ الزمان زمان»

اختلسه من قول كثير:

أريد لأنسى ذكرها فكأنماتمثل لي ليلى بكل سبيل
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «ألا حييا ليلى أجد رحيلي»

وقول عبد الله بن مصعب:

كأنك كنت محتكماً عليهمتخير في الأبوة ما تشاء

ويروى كأنك جئت محتكماً عليهم اختلسه من قول أبي نواس:

خليت والحسن تأخذهتنتقي منه وتنتخب
فاكتست منه طرائفهثم زادت فضل ما تهب

أردت البيت الأول.

ومن هذا النوع قول امرئ القيس:

إذا ما ركبنا قال ولدان حيناتعالوا إلى أن يأتنا الصيد نحطب

نقله ابن مقبل إلى القدح فقال:

إذا امتحنته من معد عصابةعدارية قبل الإفاضة يقدح

نقله ابن المعتز إلى البازي فقال:

قد وثق القوم له بما طلبفهو إذا عرى لصيد واضطرب

عروا سكلكينهم من القرب

نقلته أنا إلى قوس البندق فقلت:

طير أبابيل جاءتنا فما برحتإلا وأقواسنا الطير الأبابيل
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
ترميهم بحصى طير مسمومةكأن معدنها للرمي سجيل
تعدو على ثقة منا بأطيبهافالنار تقدح والطنجير مغسول

والموازنة مثل قول كثير:

تقول مرضنا فما عدتناوكيف يعود مريض مريضا

وازن في القسم الآخر قول نابغة بني تغلب:

بخلنا لبخلك قد تعلمينوكيف يعيب بخيلاً بخيلا

والعكس قول ابن أبي قيس، ويروى لأبي حفص البصري:

ذهب الزمان برهط حسان الأولىكانت مناقبهم حديث الغابر
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة
وبقيت في خلف يحل ضيوفهممنهم بمنزلة اللئيم الغادر
سود الوجوه لئيمة أحسابهمفطس الأنوف من الطراز الآخر
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة

وقد عاب ابن وكيع هذا النوع بقلة تمييز منه أو غفلة عظيمة.

وأما الموارد فقد ادعاها قوم في بيت امرئ القيس وطرفة، ولا أظن هذا مما يصح؛ لأن طرفة في زمان عمرو بن هند شاب حول العشرين، وكان امرؤ القيس في زمان المنذر الأكبر كهلاً واسمه وشعره أشهر من الشمس؛ فكيف يكون هذا مواردة؟ إلا أنهم ذكروا أن طرفة لم يثبت له البيت، حتى استحلف أنه لم يسمعه قط فحلف، وإذا صح هذا كان مواردة، وإن لم يكونا في عصر، وسئل أبو عمرو بن العلاء: أرأيت الشاعرين يتفقان في المعنى ويتواردان في اللفظ لم يلق واحد منهما صاحبه ولم يسمع شعره؟ قال: تلك عقول رجال توافت على ألسنتها، وسئل أبو الطيب عن مثل ذلك فقال: الشعر جادة، وربما وقع الحافر على موضع الحافر.

وألما الالتقاط والتلفيق فمثل قول يزيد بن الطثرية:

إذا ما رآني مقبلاً غض طرفهكأن شعاع الشمس دوني مقابله
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «لو أنك شاهدت الصبا يا ابن بوزل»

فأوله من قول جميل:

إذا ما رأوني طالعاً من ثنيةيقولون: من هذا؟ وقد عرفوني
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة

ووسطه من قول جرير:

فغض الطرف إنك من نميرفلا كعباً بلغت ولا كلابا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقلي اللوم عاذل والعتابا»

وعجزه من قول عنترة الطائي:

إذا أبصرتني أعرضت عنيكأن الشمس من حولي تدور
للشاعر عنترة الطائي، اقرأ القصيدة

فأما كشف المعنى فنحو قول امرئ القيس:

نمشي بأعراف الجياد أكفناإذا نحن قمنا عن شواء مضهب

وقال عبدة بن الطبيب بعده:

ثمة قمنا إلى جرد مسومةأعرافهن لأيدينا مناديل

فكشف المعنى وأبرزه.

وأما المجدود من الشعر فنحو قول عنترة العبسي: وكما علمت شمائلي وتكرمي رزق جداً واشتهاراً على قول امرئ القيس:

وشمائلي ما قد علمت، ومانبحت كلابك طارقاً مثلي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «حي الحمول بجانب العزل»

ومنه أخذ عنترة، والمخترع معروف له فضله، متروك له من درجته، غير أن المتبع إذا تناول معنى فأجاده بأن يختصره إن كان طويلاً، أو يبسطه إن كان كزاً، أو يبينه إن كان غامضاً، أو يختار له حسن الكلام إن كان سفسافاً، أو رشيق الوزن إن كان جافياً فهو أولى به من مبتدعه، وكذلك إن قلبه أو صرفه عن وجه إلى وجه آخر، فأما إن ساوى المبتدع

فله فضيلة حسن الاقتداء لا غيرها، فإن قصر كان ذلك دليلاً على سوء طبعه، وسقوط همته، وضعف قدرته.

فمما أجاد فيه المتبع على المبتدع قول الشماخ:

إذا بلغتني وحملت رحليعرابة فاشرقي بدم الوتين

فقال أبو النواس:

أقول لناقتي إذا بلغتنيلقد أصبحت مني باليمين
فلم أجعلك للغربان نحلاًولا قلت " اشرقي بدم الوتين "

وكرره فقال:

وإذا المطي بنا بلغن محمداًفظهورهن على الرجال حرام
للشاعر شاعر الحمراء، من قصيدة «يا أيها المولى الذي بوجوده»
قربننا من خير من وطئ الحصىفلها علينا حرمة وذمام
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا دار ما فعلت بك الأيام»

ومما يتساوى فيه السارق والمسروق منه قول امرئ القيس فلو أنها نفس البيت، وقول عبدة بن الطبيب فما كان قيس البيت.

وسوء الاتباع أن يعمل الشاعر معنى ردياً ولفظاً ردياً مستهجناً ثم يأتي من بعده فيتبعه فيه على رداءته، نحو قول أبي تمام:

باشرت أسباب الغنى بمدائحضربت بأبواب الملوك طبولا

فقال أبو الطيب:

إذا كان بعض الناس سيفاً لدولةففي الناس بوقات لها وطبول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

فسرق هذه اللفظة لئلا تفوته.

ومما قصر فيه الآخذ عن المأخوذ منه قول أبي دهبل الجمحي في معنى بيت الشماخ:

يا ناق سيري واشرقيبدم إذا جئت المغيره
للشاعر أبو دهبل الجمحي، اقرأ القصيدة
سيثيبني أخرى سواك، وتلك لي منه يسيره
للشاعر أبو دهبل الجمحي، اقرأ القصيدة

فأنت ترى أين بلغت همته؟؟ ومما يعد سرقاً وليس بسرق اشتراك اللفظ المتعارف كقول عنترة:

وخيل قد دلفت لها بخيلعليها الأسد تهتصر اهتصارا
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «حولي تنفض اِستُكَ مذرويه»

وقول عمرو بن معدي كرب:

وخيل قد دلفت لها بخيلتحية بينهم ضرب وجيع
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «وخيل قد دلفت لها بخيل»

وقول الخنساء ترثي أخاها صخراً:

وخيل قد دلفت لها بخيلفدارت بين كبشيها رحاها

ومثله:

وخيل قد دلفت لها بخيلترى فرسانها مثل الأسود

وأمثال هذا كثير.

وكانوا يقضون في السرقات أن الشاعرين إذا ركبا معنى كان أولاهما به أقدمهما موتاً، وأعلاهما سناً، فإن جمعهما عصر واحد كان ملحقاً بأولاهما بالإحسان، وإن كانا في مرتبة واحدة لهما جميعاً، وإنما هذا فيما سوى المختص الذي حازه قائله، واقتطعه صاحبه، ألا ترى أن الأعشى سبق إلى قوله:

وفي كل عام أنت جاشم غزوةتشد لأقصاها عزيم عزائكا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أتشفيك تيا أم تركت بدائكا»
موروثة مجداً، وفي الأصل رفعةلما ضاع فيها من قروء نسائكا

فأخذ النابغة فقال:

شعب العلا فيات بين فروجهموالمحصنات عوازب الأطهار

وبيت النابغة خير من بيت الأعشى باختصاره، وبما فيه من المناسبة بذكر الشعب بين الفروج وذكره النساء بعد ذلك، وأخذه الناس من بعده، فلم يغلبه على معناه أحد، ولا شاركه فيه، بل جعل مقتدياً تابعاً، وإن كان مقدماً عليه في حياته، وسابقاً له بمماته.

وقال أوس بن حجر:

كأن هراً جنيباً عند غرضتهاوالتف ديك برجليها وخنزير

فلم يقربه أحد، وكذلك سائر المعاني المفردة والتشبيهات العقم تجري هذا المجرى.

وأجل السرقات نظم النثر وحل الشعر، وهذه لمحة منه. قال نادب الإسكندر " حركنا الملك بسكونه " فتناوله أبو العتاهية فقال:

قد لعمري حكيت لي غصص الموت وحركتني لها وسكنتا
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «يا علي بن ثابت أين أنتا»

وقال أرساطاطاليس يندبه: " قد كان هذا الشخص واعظاً بليغاً، وما وعظ بكلامه عظة قط أبلغ من موعظته بسكوته " وقال أبو العتاهية في ذلك:

وكانت في حياتك لي عظاتفأنت اليوم أوعظ منك حياً
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ألا من لي بأنسك يا أخيا»

وقال عيسى ﵇: تعملون السيئات وترجون أن تجازوا عليها بمثل ما يجازى به أهل الحسنات، أجل لا يجنى الشوك من العنب.

فقال ابن عبد القدوس:

إذا وترت امرأ فاحذر عداوتهمن يزرع الشوك لا يحصد به عنباً
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة

وأخذ الكتاب قولهم " قدمت قبلك " من قول الأقرع بن حابس، ويروى لحاتم:

إذا ما أتى يوم يفرق بيننابموت فكن أنت الذي تتاخر

وقولهم " وأتم نعمته عليك " من قول عدي بن الرقاع العاملي:

صلى الإله على امرئ ودعتهوأتم نعمته عليه وزادها
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «عرف الديار توهما فاعتادها»

فما جرى هذا المجرى لم يكن على سارقه جناح عند الحذاق، وفي أقل ما جئت به منه كفاية.

النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.