تجاوز إلى المحتوى

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)

باب في أغاليط الشعراء والرواة

ولا بد أن يؤتى على الشاعر المفلق، والعالم المتقن؛ لما بني عليه الإنسان من النقص والتقصير، وخير ما في ذلك أن يرجع المرء إلى الحق إذا سمعه، ولا يتمادى على الباطل لجاجة وانفة من الخطأ؛ فإن تماديه زيادة في الخطأ الذي أنف منه.

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن جعفر النحوي، عن أبي علي الآمدي، عن علي بن سليمان الأخفش، عن محمد بن يزيد المبرد، قال: تلاحى مسلم بن الوليد وأبو نواس، فقال مسلم: ما أعلم بيتاً لك يخلو عن سقط، فقال أبو نواس: اذكر شيئاً من ذلك، فقال: بل أنشد أنت أي بيت شئت، فأنشد أبو نواس:

ذكر الصبوح بسحرة فارتاحاوأمله ديك الصباح صياحا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ذكر الصبوح بسحرة فارتاحا»

فقال مسلم: قف عند هذا، لم أمله ديك الصباح، وهو يبشره بالصبوح، وهو الذي يرتاح إليه؟ فقال أبو نواس: فأنشدني أنت، فأنشده:

عاصى الشباب فراح غير مفندوأقام بين عزيمه وتجلد
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «عاصى الشباب فراح غير مفند»

فقال أبو نواس:

ناقضت، ذكرت أنه راح، والرواح لا يكون إلا بالانتقال من مكان إلى مكان، ثم قلت وأقام فجعلته منتقلاً مقيماً في حال، هذا متناقض.

قال أبو العباس: وكلا البيتين صحيح، ولكن من طلب غيباً وجده ومن طلب له مخرجاً لم يفته.

قال الأصمعي: وأخطأ زهير في قوله كأحمر عاد ولا أدري لم خطأه وقد سمع قول الله ﷿: " وأنه أهلك عاداً الأولى " فهل قال هذا إلا وثم عاد أخرى؟ وهي هلكت بالنمل من ولد قحطان. قال قيس بن سعد بن عبادة: سراويل عادي نمته ثمود وكان يقال لثمود عاد الصغرى.

وخطأ الشماخ في قوله في وصف ناقته: رحى حيزومها كرحى الطحين ظنه يصفها بالكبر، وهو عيب لا محالة، وإنما وصفها بالصلابة لا غير. وأخذ ابن بشر الآمدي على البحتري قوله:

هجرتنا يقظى وكادت على مذهبها في الصدود تهجر وسنى

قال: هذا غلط؛ لأن خيالها يتمثل له في كل أحوالها، يقظى كانت أو وسنى أو ميتة، والجيد قوله:

أرد دونك يقظاناً ويأذن ليعليك سكر الكرى إن جئت وسنانا
للشاعر البحتري، من قصيدة «بالله يا ربع لما ازددت تبيانا»

وأنا أقول: إن مراده أنها لشدة هجرها له ونحوها عليه لا تراه في المنام إلا مهجوراً، ولا تراه جملة، فالمعنى حينئذ صحيح لا فساد فيه، ولا غلط، ولعل الرواية وكادت وهذا موجود في كلام الناس اليوم، ومثله يقولون: " فلان لا يرى لي مناماً صالحاً " وليس بين بيتي البحتري تناسب من جهة المعنى جملة واحدة؛ لأنه أولاً يحكي عنها، وثانياً يحكي عن نفسه، بلى إن في اللفظ اشتراكاً ظاهراً.

وفي كتاب عبد الكريم من المأخوذ على أبي تمام قوله:

مها الوحش إلا أن هاتا أوانسقنا الخط إلا أن تلك ذوابل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل»

قال: فيه غلط من أجل أنه نفى عن النساء لين القنا، وإنما قيل للرماح ذوابل للينها وتثنيها، فنفى ذلك أبو تمام عن قدود النساء التي من أكمل أوصافها اللين والتثني والانعطاف.

قلت أنا: أما أبو تمام فقوله الصواب؛ لأنهم يقولون رمح ذابل إذا كان شديد الكعوب صلباً، وهو الذي تعرف العرب، ومنه قولهم: " ذبلت شفتاه " إذا يبستا من الكرب أو العطش أو نحوهما، فأما كلام المعترض فغير معروف إلا عند المولدين؛ فإنهم يقولون: " نوارة ذابلة " وليسوا بقدوة؛ على أن كلامهم راجع إلى ما قلناه، إنما ذلك لقلة المائية وابتداء اليبس، وإنما نقل عبد الكريم كلام ابن بشر الآمدي.

قال الأصمعي: قرأت على أبي محرز خلف بن حيان الأحمر شعر جرير، فلما بلغت إلى قوله:

وليل كإبهام الحباري محببإلي هواه غالب لي باطله
رزقنا به الصيد الغرير ولم نكنكمن نبله محرومة وحبائله
فيا لك يوماً خيره قبل شرهتغيب واشيه وأقصر عاذله

قال خلف: ويحه، ما ينفعه خير يؤول إلى شر؟ فقلت: هكذا قرأته على أبي عمرو بن العلاء، قال: صدقت، وكذا قال جرير، وكان قليل التنقيح لألفاظه، وما كان أبو عمرو ليقرئك إلا كما سمع، قلت: فكيف يجب أن يكون قال: الأجود أن يكون " خيره دون شره " فاروه كذلك، وقد كانت الرواة قديماً تصلح أشعار الأوائل، فقلت: والله لا أرويه إلا كذا.

قلت أنا: أما هذا الإصلاح فمليح الظاهر، غير أنه خلاف الظاهر، وذلك أن الشاعر أراد أنه كان ليلة في وصال، ثم فارق حبيبه نهاراً، وذلك هو الشر الذي ذكر، والرواية جعله لم يفارق فغير عليه المعنى، إلا أن تكون الرواية ويوم كإبهام الحبارى فحينئذ.. على أن دون تحتمل ما قصد، وتحتمل معنى قبل؛ فهي لفظة مشتركة، وتكون أيضاً بمعنى بعد؛ لأنها من الأضداد، ولكن في غير هذا الموضع. وخطأ الأصمعي بشامة بن الغدير في قوله يصف راحلته:

وصدر لها مهيع كالحليفتخال بأن عليه شليلا

لأن من صفة النجائب قلة الوبر وخطأ أيضاً كعب بن زهير في قوله يصف راحلته: فعم مقيدها ضخم مقلدها لأن النجائب دقيقات المذابح.

ونبه أو الفضل بن العميد على البحتري في بيت كسره، وهو قوله:

لماذا تتبع النفس شيئاًجعل الله الفردوس منه جزاء

قال ننشده: جعل الله الخلد منه جزاء ليستقيم، حكى ذلك الصاحب بن عباد.. وأنشد له أيضاً:

أبا غالب بالجود تذكر واجبيإذا ما غني الباخلين نسيه

وزعم أنه لحن، ولست أرى به بأساً، هذا الشاعر أسكن الياء لما يقتضيه بناء القافية، فإذا أسكن الياء وما قبلها مكسور لم تكن الهاء إلا مكسورة إتباعاً لما قبلها، لا سيما وهي طرف، وقد فعلوا مثل هذا في وسط الكلمة.. وقال رؤبة: كأن أيديهن بالقاع القرق ولم يقل أيديهن بالضم استثقالاً، وأيضاً فكأنه أعني البحتري نوى الوقوف، ثم جر القافية كعادتهم في تحريك الساكن أبداً إلى الجر.

وأنشد الصاحب بن عباد قال: أنشدني علي بن المنجم، قال: أنشدني أبو الغوث لأبيه:

وأحق الأيام بالأنس أن يؤثر فيه يوم المهرجان الكبير

وأنا أقول: إن أبا الغوث جاء من قبله الخذلان في هذه الرواية، فويل للآباء من أبناء السوء، ودع المثل القديم، ولا أظن البحتري قال إلا:

وأحق الأيام بالأنس أن تؤثره فيه يوم المهرجان الكبير

وأخذ الأحمر على المفضل روايته في قول امرئ القيس: نمس بأعراف الجياد أكفنا

وما هو إلا نمش أي: نمسح، والمشوش المنديل.

وكذلك قول المفضل:

إذا ألم خيالها طرقتعيني فماء شجونها سجم

وإنما هو طرفت بالفاء.

وأخذ عليه الأصمعي في قول أوس: تصمت بالماء تولباً جذعا وإنما هو جدعاً بدال مكسورة غير معجمة، ولأمر ما قال ذو الرمة لموسى بن عمرو: اكتب شعري، فالكتاب أعجب إلي من الحفظ؛ لأن الأعرابي ينسى الكلمة قد تعب في طلبها ليلة، فيضع في موضعها كلمة في وزنها، ثم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى ولا يبدل كلاماً بكلام.

قال الأخطل: أخطأ الفرزدق حيث قال:

أبني غدانة إنني حررتكمفوهبتكم لعطية بن جعال
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لا قوم أكرم من تميم إذ غدت»
لولا عطية لاجتدعت أنوفكممن بين ألأم اوجه وسبال
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لا قوم أكرم من تميم إذ غدت»

كيف يكون وهب له وهو يهجوهم هذا الهجاء؟ فانبرى له فتى من بني تميم فقال: وأنت الذي قلت في سويد بن منجوف:

فما جذع سوء خرق السوس بطنهلما حملته وائل بمطيق

أردت هجاءه فزعمت أن وائلاً تعصب به الحاجات، وقدر سويد لا يبلغ ذلك عندهم، فأعطيته الكثير، ومنعته القليل، وأردت أن تهجو حاتم بن النعمان الباهلي، وأن تصغر شأنه، وتضع من قدره؛ فقلت:

وسود حاتماً أن ليس فيهاإذا ما أوقد النيران نار
للشاعر الأخطل، من قصيدة «أعاذل نعم قوم الحرب قومي»

فأعطيته السؤدد من قيس الجزيرة، ومنعته ما لا يضر منعه؛ وأردت أن تمدح سماكاً الأسدي فقلت:

نعم المجير سماك من بني أسدبالطف إذ قتلت جيرانها مضر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «نعم المجير سماك من بني أسد»
قد كنت أحسبه قينا وأنبؤهفالآن طير عن أثوابه الشرر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «نعم المجير سماك من بني أسد»

فانصرف الأخطل خجلاً.

قال الحسن لعلي بن زيد: أرأيت قول الشاعر:

لولا جرير هلكت بجيلهنعم الفتى وبئست القبيلة
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة

مدحه أم هجاه؟ قال: مدحه وهجا قومه، فقال الحسن: ما مدح من هجي قومه.

وقال من اعتذر للنابغة في قوله:

فإنك كالليل الذي هو مدركيوإن خلت أن المنتأي عنك واسع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

إنما قدم الليل في كلامه لأنه أهول، ولأنه أول، ولأن أكثر أعمالهم إنما كانت فيه؛ لشدة حر بلدهم، فصار ذلك عندهم متعارفاً.

وكذلك اعترفوا لزهير في قوله يصف الضفادع:

يخرجن من شربات ماؤها طحلعلى الجذوع يخفن الغمر والغرقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»

فقال: لم يرد أنها تخاف الغرق على الحقيقة، ولكنها عادة من هرب من الحيوان من الماء، فكأنه مبالغة في التشبيه، كما قال الله ﷿: " وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال " وقال: " وبلغت القلوب الحناجر " والقول فيهما محمول على كاد هكذا الحذاق من المفسرين، مع أنا نجد الأماكن البعيدة القعر من البحار لا تقربها دابة، خوفاً على نفسها من الهلكة، فكأنه أراد المبالغة في كثرة ماء هذه الشربات، وإنما اقتدى فيه بقول أوس بن حجر:

فباكرن جونا للعلاجيم فوقهمجالس غرقى لا يحلا ناهله
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «صحا قلبه وأقصر اليوم باطله»

وعند القاضي الجرجاني من غلط أبي النواس في الوزن قوله:

رأيت كل من كان أحمقاً معتوهاًفي ذا الزمان صار المقدم الوجيها
يارب نذل وضيع نوهته تنويهاهجوته لكيما أزيده تشويهاً

ولم يقل أبو نواس فيما علمت إلا رب وضيع نذل وهذا أفرط في التعصب والحمية على أبي نواس وغيره لمن لا يجري في حلبتهم ولا يشق غبارهم.

النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.