من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)
باب الإحالة والتغيير
وهذه لمح أتيت بها تدل من عرفها على رداءتها، وتدعو إلى كراهتها واجتنابها، وقد وقعت في أشعار الجلة من المتقدمين، والتمس لهم فيها العذر لأنهم أرباب اللغة وأصحاب اللسان، وليس المولد الحضري منهم في شيء
فمن الإحالة قول ابن مقبل:
أما الأداة ففينا ضمر صنعجود حواجز بالألباد واللجم
ونسج داود من بيض مضاعفةمن عهد عاد، وبعد الحي من إرم
فكيف يكون نسج داود من عهد عاد؟ اللهم إلا أن يريد فينا ضمر صنع من عهد عاد؛ فذلك له على سبيل المبالغة، مع أن الإحالة لم تفارقه، وكم بين قيس عيلان وبين عاد، فضلاً عن بني العجلان؟! وقال عبد الرحمن بن حسان:
وإن مال الضجيع بها فدعصمن الكثبان ملتبد مهيل
قالوا: وكيف يكون ملتبداً مهيلاً؟ هذا مستحيل متناقض، والذي عندي فيه أنه صواب؛ لأنه إنما أراد بالتباده صلابة ملمس العجيزة، وأنها غير مسترخية وجعله مهيلاً لارتعاده واضطرابه من العظم، كما قال ابن مقبل:
يمشين هيل النقا سالت جوانبهينهال طوراً، وينهاه الثرى حينا
فقد جعله مرة ينهال، ومرة ينهاه الثرى والتثني الذي فيه..
وقال جميل في التغيير:
لا حسنها حسن، ولا كدلالهادل، ولا كوقارها توقير
فحذف كاف التشبيه فصار المعنى كأنه ليس حسنها حسناً، وقد يغيرون اللفظ كما قال النابغة: ونسج سليم كل قضاء ذائل وهذا أسهل من قول الآخر:
من نسج داود أبي سلام وهذا كثير يخرج منه في هذا الموضع ما ذكرت.
باب الرخص في الشعر وأذكر هنا ما يجوز للشاعر استعماله إذا اضطر إليه، على أنه لا خير في الضرورة، على أن بعضها أسهل من بعض، ومنها ما يسمع عن العرب ولا يعمل به؛ لأنهم أتوا به على جبلتهم، والمولد المحدث قد عرف أنه عيب، ودخوله في العيب يلزمه إياه.
فمن ذلك قصر الممدود على مذاهب أهل البصرة والكوفة جميعاً، وله على ما أجاز الكوفيون وصل ألف القطع، وهو قبيح.. قال حاتم طيء:
أبوه أبي، والأمهات أمهاتنافأنعم فداك اليوم أهلي ومعشري
قال بعضهم: إنما الرواية والأم من أمهاتها وله تخفيف المشدد في القافية، وأما في حشو البيت فمكروه جداً، وحذف التنوين لالتقاء الساكنين، وربما حذفوا النون الساكنة.. كما قال:
فلست بآتيه ولا أستطيعهولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل
وأن يحذف للألف واللام أو الإضافة ما يحذف للتنوين مثل قول خفاف:
كنواح ريش حمامة نجديةومسحت باللثثين عصف الإثمد
وأن يحذف حرفاً من الكلمة كقول العجاج: قواطناً مكة من ورق الحمي وحرفين كقول علقمة بن عبدة: مفدم بسبا الكتان ملثوم يريد بسبائب الكتان، وأن يحذف من المكنى في الوصل ما يحذف منه في الوقف.. كقول الشاعر: سأجعل عينيه لنفسه مقنعاً وأقبح منه أن يحذف من المكنى المنفصل كقول الآخر:
فبيناه يشري رحله قال قائل:لمن جمل رخو الملاط نجيب؟
وأقبح من ذلك أن يحذف الألف من ضمير المؤنث.. أنشد قطرب:
أما تقول به شاة فيأكلهاأو أن تبيعه في بعض الأراكيب
أراد " تبيعها " فحذف الألف، قال: ولا يجوز استعمال هذا للمحدث
لشذوذه وقبحه، ويجوز له حذف الياء والواو من المضمر المذكر لكثرته واطراده، وللشاعر ان يحذف اسم " ليت " إذا كان مضمراً.. أنشد المفضل لعدي بن زيد:
فليت دفعت الهم عني ساعةفبتنا على ما خيلت ناعمي بال
يريد " ليتك " وله حذف الفاء من " افتعلته " من التقوى وما تصرف منها، أنشد المفضل لخداش بن زهير:
تقوه أيها الفتيان؛ إنيرأيت الله قد غلب الجدودا
وأنشد أبو زيد الأنصاري:
إن المنية بالفتيان ذاهبةوإن تقوها بأرماح وأدراع
وحذف الفاء من جواب الجزاء كما قال:
يا أقرع بن حابس يا أقرعإنك إن يصرع أخوك تصرع
قال سيبويه: تقديره إنك إن يصرع أخوك فتصرع.
ومثله أيضاً:
من يفعل الحسنات الله يشكرهاوالشر بالشر عند الله مثلان
يريد " فالله يشكرها " وهذا أبين من الأول، وحذف النون من تثنية " الذي " وجمعه.
قال الأخطل:
أبني كليب إن عمي اللذاقتلا الملوك وفككا الأغلالا
وأنشد سيبويه:
وإن الذي حانت بفلج دماؤهمهم القوم كل القوم يا أم خالد
أراد " الذين " وعلى هذا قال أبو الطيب:
ألست من القوم الذي من رماحهمنداهم، ومن قتلاهم مهجة البخل
ويجوز أن يكون جعل " الذي " للجماعة والواحد كما جعل " من " وقد حكى ذلك الزجاجي.
قال ابن قتيبة في قول الله ﷿: " كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ": إن " الذي " ههنا يعني الذين، والله أعلم.
وحذف الياء من " الذي " فمنهم من يسكن الذال بعد الحذف، ومنهم من يدعها مكسورة على لفظها، أنشد البصريون والكوفيون جميعاً:
فظلت في شر من اللذ كيداكمن تزبى زبية فاصطيدا
ويروى كالذ تزبي زبية فاصطيدا فجمع بين اللغتين. ونظير هذا حذف الياء من " التي " وإسكان التاء، وأنشدوا:
فقل للت تلومك: إن نفسيأراها لا تعوذ بالتميم
وحذف الياء والتاء من " اللواتي " أنشد الزجاجي:
جمعتها من أينق غزارمن اللوا شرفن بالصرار
وحذف الموصول وترك الصلة. كما قال يزيد بن مفرغ:
عدس ما لعباد عليك إمارةنجوت وهذا تحملين طليق
أراد " وهذا الذي تحملين " فحذف.
وحذف اسم " إن " ولكن " كما قال:
ولكن من لا يلق أمراً ينوبهبعدته ينزل به وهو أعزل
فحذف الهاء من لكنه لأنه جازى بمن، ولو أعمل فيها لكن لم يجز أن يجازي بها.
ومثله قول الآخر:
إن من يدخل الكنيسة يوماًيلق فيها جآذراً وظباء
أراد إنه. ويبدلون من الحروف السالمة حروف المد واللين، وأنشدوا:
لها أشارير من لحم تثمرهمن الثعالي ووخز من أرانيها
أراد " من الثعالب ومن أرانبها " ويلينون الهمزة، وذلك كثير جداً جائز في المنثور والفصيح، وله حذف ألف الاستفهام، كما قال الأخطل:
كذبتك عينيك أم رأيت بواسطغلس الظلام من الرباب خيالا
وهذا رديء في المنثور جداً.
ونقصان الجموع عن أوزانها لضرورة القافية كما قال رؤبة: حتى إذا بلت حلاقيم الحلق يريد " الحلوق " وترك صرف ما ينصرف؛ لأنه يحذف منه التنوين وهو يستحقه، وهو غير جائز عند البصريين، إلا أنه قد جاء في الشعر. قال عباس بن مرداس يخاطب رسول الله ﷺ:
وما كان حصن ولا حابسيفوقان مرداس في مجمع
وعلى هذا المذهب قال أبو نواس:
عباس عباس إذا احتدم الوغاوالفضل فضل والربيع ربيع
ويروى إذا حضر الوغا والفراء يرى ترك الصرف لعلة واحدة، وهي التعريف، والبصريون يخالفونه في ذلك ويأبونه.
ومن أقبح الحذف حذف حركة الإعراب للضرورة، وأنشدوا لامرئ القيس:
فاليوم أشرب غير مستحقبإثماً من الله ولا واغل
ومثله للفرزدق:
رحت وفي رجليك ما فيهماوقد بداهمك من المئزر
وزعم قوم أن الرواية الصحيحة في قول امرئ القيس اليوم أسقى وبذلك كان المبرد يقول، وقال الآخرون: بل خاطب نفسه كما يخاطب غيره،
فقال: فاليوم فاشرب، وفي بيت الفرزدق وقد بدا ذاك من المئزر كناية عن الهن، وهذا مما يسمع ويحكى، ولا يقاس عليه البتة.
هذا صدر جيد مما علمته يجوز للشاعر من الحذف والنقصان.
والذي يجوز من الزيادات أنا ذاكر منه أيضاً ما وسعته قدرتي، إن شاء الله تعالى: فمن ذلك صرف ما لا ينصرف، وإجراء المعتل مجرى الصحيح؛ فيعرب في حال الرفع والخفض، تقول: هذا القاضي، ومررت بالقاضي، وزيد يقضي ويغزو، ولا يجوز في المنثور من الكلام، وعلى هذا قول قيس بن زهير:
ألم يأتيك والأنباء تنمىبما لاقت لبون بني زياد
كأنه يقول في الرفع يأتيك بضم الياء، فلما جزمها أسكنها.
ومنهم من يبدل من الياء همزة، وهو القليل، فيقول: القاضئ، والغازئ، وأنشد:
يا دار سلمى بدكاديك البرقسقياً وإن هيجت شوق المشتئق
همزة الياء، وليس أصلها الهمزة.
وله إظهار التضعيف كقوله: يشكو الوجى من أظلل وأظلل وإنما هو الأظل وهو باطن خف البعير.
وتثقيل المخفف في وصل الكلام على نية من يقف على التثقيل، وأنشدوا:
ببازل وجناء أو عيهلكأن مهواها على الكلكل
موقع كفي راهب يصلي
فثقل العيهل وهي السريعة، والكلكل في صلة الشعر، وهما مخففتان
وله إدخال النون الخفيفة أو الثقيلة في الواجب، وإنما تدخل فيما ليس بواجب، نحو الأمر والنهي والاستفهام. قال القطامي:
وهم الرجال، وكل ذلك منهميحزن في رحب وفي متضيق
وأنشدوا لآخر، وهو جذيمة الأبرش:
ربما أوفيت في علمترفعن ثوبي شمالات
وله إدخال الفاء في جواب الواجب، والنصب بها على إضمار أن. قال طرفة:
لنا هضبة لا ينزل الذل وسطهاويأوي إليها المستجير فيعصما
فنصب بالفاء على الجواب.
وقال آخر:
سأترك منزلي لبني تميموألحق بالحجاز فأستريحا
وقطع ألف الوصل لأنه زيادة حركة، والجزم بحرف وحرفين، وأكثر من ذلك، وقد مضى فيما تقدم من هذا الكتاب.
وزيادة حرف في المجموع نحو قول الشاعر:
تنفى يداها الحصى في كل هاجرةنفي الدراهيم تنقاد الصياريف
فزاد ياء في الدراهم وياء في الصياريف إن لم تكن الرواية تختلف، على أن الدراهم لا يضطر فيها إلى زيادة الياء؛ إذ كان الوزن يقوم دونها، وإن قيل في بعض اللغات درهام.
وله على مذاهب الكوفيين خاصة مد القصور، وقد ألزم ابن ولادٍ البصريين مده على مذهب سيبويه في امتناع الحركة ويجوز التقديم والتأخير، كما قال العجير السلولي:
وما ذاك إن كان ابن عمي ولا أخيولكن متى ما أملك الضر أنفع
بالرفع، أراد ولكن أنفع متى ما أملك الضر، ولا أدري ما الفرق بين هذا وبين إن يصرع أخوك تصرع حيث فرقوا بينهما غير أنا نسلم لهم كما سلم من هو أثقب منا حساً وأذكى خاطراً وقال عمرو بن قميثة:
لما رأت ساتيد ما استعبرتلله در اليوم من لامها
وهذه أشياء من القرآن وقعت فيه بلاغة وإحكاماً لا تصرفاً وضرورة، وإذا وقع مثلها في الشعر لم ينسب إلى قائله عجز ولا تقصير، كما يظن من لا علم له ولا تفتيش عنده: من ذلك أن يذكر شيئين ثم يخبر عن أحدهما دون صاحبه اتساعاً، كما قال الله ﷿: " وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ". أو يجعل الفعل لأحدهما ويشرك الآخر معه، أو يذكر شيئاً فيقرن به ما يقار به ويناسبه ولم يذكره، كقوله تعالى في أول سورة الرحمن: " فبأي آلاء ربكما تكذبان " وقد ذكر الإنسان قبل هذه الآية دون الجان، وذكر الجان بعدها.
وقال المثقب العبدي:
فما أدري إذا يممت أرضاًأريد الخير أيهما يليني
أألخير الذي أنا أبتغيهأم الشر الذي هو يبتغيني
فقال أيهما قبل أن يذكر الشر؛ لأن كلامه يقتضي ذلك.
وأن يحذف جواب القسم وغيره، نحو قوله ﷿: " ق والقرآن المجيد، بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم " وقوله: " والنازعات غرقاً " إلى قوله: " يوم ترجف الراجفة " فلم يأت بجواب؛ لدلالة الكلام عليه، وقال ﷿:
" ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم " أراد لعذبكم أو نحوه ومن هذا قول امرئ القيس:
ولو أنها نفس تموت جميعةولكنها نفس تساقط أنفسا
وقد تقدم ذكره.
ومن ذلك إضمار ما لم يذكر كقوله جل اسمه: " حتى توارت بالحجاب " يعني الشمس، وقوله: " فأثرن نفعاً " ولم يجر للوادي ذكر
وقال حاتم طيئ:
أماوي، ما يغني الثراء عن الفتىإذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر؟
يعني النفس، وأنشد ابن قتيبة عن الفراء:
إذا نهى السفيه جرى إليهوخالف، والسفيه إلى خلاف
يعني جرى إلى السفه وحذف لا من الكلام وأنت تريدها، كقوله تعالى: " كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم " وزيادة لا في الكلام كقوله سبحانه " وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون " فزاد لا لأنهم لا يؤمنون، هذا قول ابن قتيبة، وقال جل اسمه: " ما منعك أن لا تسجد " أي: ما منعك أن تسجد، قال: وإنما تزاد لا في الكلام لإباء أو جحد، وقال: " لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله " أي: ليعلم.
وقال أبو النجم: فما ألوم النجم أن لا تسهرا يريد أن تسهرا.
وحذف المنادى كقوله تعالى: " ألا يا اسجدوا لله " كأنه قال: " ألا يا هؤلاء اسجدوا لله " وقال ذو الرمة في مثل ذلك:
ألا يا سلمى يا دار مي على البلىولا أزال منهلاً بجرعائك القطر
وأن يخاطب الواحد بخطاب الاثنين والجماعة، أو يخبر عنه، كقوله تعالى: " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات " وإنما كان رجلاً واحداً، وقوله " ألقيا في جهنم " وإنما يخاطب مالكاً خازن النار، وقيل: بل أراد ألق ألق، فثنى الفعل، وقوله: " فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى " فخاطب الاثنين بخطاب الواحد، وقوله: " فقد صغت قلوبكما وقوله: " وألقى الألواح " وهما لوحان فيما زعم المفسرون، حكاه ابن قتيبة؛ وأن يصف الجماعة بصفة الواحد كقوله: " إن كنتم جنباً ".
ومن غرائب هذا الباب أن يأتي المفعول بلفظ الفاعل، كقوله تعالى: " لا عاصم اليوم من أمر الله " أي: لا معصوم، وكذلك قوله: " من ماء دافق " أي: مدفوق، وقوله: " في عيشة راضية " أي: مرضي بها، وقوله: " وجعلنا آية النهار مبصرة " أي: مبصر فيها، وأن يأتي الفاعل بلفظ المفعول به كقوله تعالى: " إنه كان وعده مأتيا " أي آتياً.
وقد جاء الخصوص في معنى العموم في قوله تعالى: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء " وجاء العموم بمعنى الخصوص في قوله: " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً " ومن الحمل على المعنى قوله تعالى: " وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم " كأنه قيل: من زينه؟ فقيل: شركاؤهم.
والحمل على المعنى في الشعر كثير، ومن أنواعه التذكير والتأنيث، ولا يجوز أن تؤنث مذكراً على الحقيقة من الحيوان، ولا أن تذكر مؤنثاً.
قال ابن أبو ربيعة المخزومي:
فكان مجني دون من كنت أتقيثلاث شخوص كاعبان ومعصر
فأنث الشخوص على المعنى. وكل جمع مكسر جائز تأنيثه وإن كان واحده مذكراً حقيقياً.
ومما أنث من المذكر حملا على اللفظ قول الشاعر، أنشده الكسائي:
أبوك خليفة ولدته أخرىوأنت خليفة، ذاك الكمال
ومثل هذا في الشعر كثير وموجود.
النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع