من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)
باب من الزجر والعيافة
وعنهما يكون الفأل والطيرة، وبين الطيرة والفأل فرقان عند أهل النظر والمعرفة والحقائق؛ وذلك أن الفأل تقوية للعزيمة، وتحضيض على البغية، وإطماع في النية؛ والطيرة تكسر النية، وتصد عن الوجهة، وتثنى العزيمة، وفي ذلك ما يعطل الإحالة على المقادير.
وقد تفاءل النبي ﷺ ونهى عن الطيرة في قوله: " لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر " وقد تقدم ذكرها، وقيل في الهامة: إنها هده المعرفة.
والطيرة من أحد شيئين: مشتقة إما من الطيران، كأن الذي يرى ما يكره أو يسمع يطير، كما قال بعضهم:
عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوىوصوت إنسان فكدت أطير
وإما من الطير، وهو الأصل والمختار من الوجهين، هكذا ذكر الزجاجي.
وكانت العرب تزجر الطير والوحش؛ فمن قال بالقول الأول احتج بأن الوحش يطير بها، وزجرت مع الطير، ومن قال بالقول الثاني قال: إنما الأصل في الطير، ثم صار في الوحش، وقد يجوز أن يغلب أحد الشيئين على الآخر فيذكر دونه ويرادان جميعاً.
أنشد الجاحظ:
ما يعيف اليوم في الطير دوحمن غراب البين أو تيسٍ برح
قال: فجعل التيس من الطير؛ إذ قدم ذكر الطير وجعله من الطير في معنى التطير، والعرب تتطير بأشياء كثيرة: منها العطاس، وسبب تطيرهم منه دابة يقال له العاطوس يكرهونها، والغراب أعظم ما يتطيرون به، والقول فيه أكثر من أن يطلب عليه شاهد، ويسمونه حاتماً؛ لأنه يحتم عندهم بالفراق، ويسمونه الأعور على جهة التطير بذلك؛ إذ كان أصح الطير بصراً، ويقال: سمي أعور لقولهم: " عورات الرجل عن حاجته " إذا
رددته عنها، وقد اعتذر أبو الشيص للغراب وتطير بالإبل وإن كان غيره سبقه إلى المعنى فقال:
الناس يلحون غراب البين لما جهلوا
وما على ظهر غراب البين تطوى الرحل
ولا إذا صاح غراب في الديار احتملوا
ما فرق الأحباب بعد الله إلا الإبل
وما غراب البين إلا ناقة أو جمل
هكذا رويته، وبعضهم يجعل الشعر ما قرب الأحباب وبعده والناس يلحون.. بواو مكان الهمزة يعطف بها.
وقال آخر فملح وظرف:
زعموا بأن مطيهم عون النوىوالمؤذنات بفرقة الأحباب
لو أنها حتفي لما أبغضتهاولهابهم سبب من الأسباب
ويتطيرون بالصرد، ومن أسمائه الأخيل، والأخطب، ويقال: الأخيل الشقراق، ويقال: بل طائر يشبهه، والولق أيضاً الصرد، قال زبان بن منظور الفزاري في حديث له كان مع نابغة بني ذبيان وقد تطير من جرادة سقطت عليه فرجع من الغزو ومضى زبان فظفر وغنم:
تعلم أنه لا طير إلاعلى متطير، وهي الثبور
بل شيء يوافق بعض شيءأحايينا، وباطله كثير
يقولها في أبيات لا أقف على جملتها.
وقال شاعر قديم لزبان أيضاً:
لا يمنعنك من بغاء الخير تعقاد التمائم
لا، والتشاؤم بالعطاس ولا التيامن بالمقاسم
ولقد عدوت وكنت لاأعدو على واق وحاتم
وإذا الأشائم كالأيامن، والأيامن كالأشائم
قد خط ذلك في الزبور الأوليات القدائم
ويتشاءمون بالثور الأعضب، وهو المكسور القرن.
وقال الكميت ينفي الطير ويدفعها عن نفسه:
ولا أنا ممن يزجر الطير همهأصاح غراب أم تعرض ثعلب
ولا السانحات البارحات عشيةأمر صحيح القرن أم مر أعضب
والبيت الأول من هذين يشبه بيت الأعشى الذي أنشده الجاحظ.
ومن أمثال العرب " فلان كبارح الأروى " وفيه قولان: أحدهما أن الأروى يتشاءم بها، فإذا كانت بارحاً فقد عظم الأمر، والآخر أنها إنما تكون في قرون الجبال، ولا تكاد تكون سانحة ولا بارحة.
وفي السانح والبارح اختلاف: قال عمرو بن العلاء: سأل يونس رؤبة عن السانح والبارح، فقال: السانح ما ولاك ميامنه، والبارح ما ولاك مياسره،
قال ابن دريد: السانح يتيمن به أهل نجد ويتشاءمون بالبارح، ويخالفهم أهل العالية فيتشاءمون بالسانح ويتيمنون بالبارح.
قال الشاعر الهذلي يذكر امرأته:
زجرت لها طير السنيح فإن يكنهواك الذي تهوى يصبك اجتنابها
قال: والسانح: الذي يلقاك وميامنه عن ميامنك، والبارح الذي يلقاك وشمائله عن شمائلك، والجابه والناطح: اللذان يستقبلانك، والقعيد: الذي يأتيك من ورائك.
قال صاحب الكتاب: الكارس الذي ينزل عليك من الجبل، حكاه الثعالبي، قال أبو جعفر النحاس: السنيح عند أهل الحجاز: ما أتى عن اليمين إلى اليسار، والبارح عندهم: ما أتى من اليسار إلى اليمين، وهم يتشاءمون بالسانح، ويتيمنون بالبارح، وأهل نجد بالضد من ذلك، والسانح عندهم هو البارح عند أهل الحجاز.
وقال المبرد: السانح: ما أراك مياسره فأمكن الصائد، والبارح: ما أراك ميامنه فلم يمكن الصائد إلا أن ينحرف له.
وقد يتطيرون من البازي والغراب وأشياء كثيرة من جهة التسمية، ويتيمن بها آخرون.
ومن مليح ما رأيت في الزجر والعيافة، قال الصولي: كان لأبي نواس إخوان لا يفارقهم، فاجتمعوا يوماً في موضع أخفوه عنه، ووجهوا إليه برسول معه ظهر قرطاس لم يكتبوا فيه شيئاً، وحزموه بزير وختموه بقار، وتقدموا إلى رسولهم أن يرمى بالكتاب من وراء الباب، فرمى به، فلما رآه استعلم خبرهم فعلم أنه من فعلهم وتعرف موضعهم وأتاهم فأنشدهم:
زجرت كتابكم لما أتانيكزجر سولنح الطير الجواري
نظرت إليه مخزوماً بزيرعلى ظهر، ومختوماً بقار
فقلت: الزير ملهية وملهوقلت: القار من دن العقار
وقلت: الظهر أهيف ذو جمالتركب صدغه فوق العذار
فجئت إليكم طرباً وشوقاًفما أخطأت دراكم بداري
فكيف ترونني وترون زجريألست من الفلاسفة الكبار؟!
النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع