من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)
باب في أغراض الشعر وصنوفه
وهو بسط لما بعده من الأبواب، وقد فرط البسط له، وفرغ من مقدمته في باب حد الشعر وتبيينه، وأنا ذاكر هنا ما لا بد منه.
تكلم قوم في الشعر عند أبي الصقر إسماعيل بن بلبل من حيث لا يعلمون فكتب إليه أبو العباس الناشئ:
لعن الله صنعة الشعر، ماذامن صنوف الجهال فيها لقينا؟
يؤثرون الغريب منه على ماكان سهلاً للسامعين مبينا
ويرون المحال شيئاً صحيحاوخسيس المقال شيئاً ثميناً
يجهلون الصواب منه، ولا يدرون للجهل أنهم يجهلونا
فهم عند من سوانا يلامون، وفي الحق عندنا يعذرونا
إنما الشعر ما تناسب في النظم، وإن كان في الصفات فنونا
فأتى بعضه يشاكل بعضاًقد أقامت له الصدور المتونا
كل معنى أتاك منه على ماتتمنى لو لم يكن أن يكونا
فتناهى عن البيان إلى أنكاد حسناً يبين للناظرينا
فكان الألفاظ فيه وجوهوالمعاني ركبن فيه عيونا
فائتاً في المرام حسب الأمانيفيجلي بحسنه المنشدينا
فإذا ما مدحت بالشعر حرارمت فيه مذاهب المسهبينا
فجعلت النسيب سهلاً قريباًوجعلت المديح صدقا مبينا
وتنكبت ما تهجن في السمع، وإن كان لفظه موزونا
وإذا ما قرضته بهجاءعفت فيه مذاهب المرفثينا
فجعلت التصريح منه دواءوجعلت التعريض داء دفينا
وإذا ما بكت فيه على الغادين يوماً للبين والظاعنينا
حلت دون الأسى وذللت ما كان من الدمع في العيون مصونا
ثم إن كنت عاتبا شبت في الوعد وعيدا وبالصعوبة لينا
فتركت الذي عتبت عليهحذراً آمنا، عزيزاً مهينا
وأصح القريض ما فات في النظم، وإن كان واضحا مستبينا
وإذا قيل أطمع الناس طراوإذا ريم أعجز المعجزينا
قال أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري: كنت في حداثتي أروم الشعر، وكنت أرجع فيه إلى طبع، ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه، ووجوه اقتضائه، حتى قصدت أبا تمام؛ فانقطعت فيه إليه، واتكلت في تعريفه عليه، فكان أول ما قال لي: يا أبا عبادة، تخير الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم، واعلم أن العادة في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شيء أو حفظه في وقت السحر، وذلك أن النفس قد أخذت حظها من الراحة وقسطها من النوم، فإن أردت النسيب فاجعل اللفظ رقيقا، والمعنى رشيقا، وأكثر فيه من بيان الصبابة، وتوجع الكآبة، وقلق الأشواق، ولوعة الفراق، وإذا أخذت في مدح سيد ذي أياد فأشهر مناقبه، وأظهر مناسبه، وأبن معالمه، وشرف مقامه، وتقاض المعاني، واحذر المجهول منها، وإياك أن تشين شعرك بالألفاظ الزرية، وكن
كأنك خياط يقطع الثياب على مقادير الأجسام، وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك، ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب، واجعل شهوتك لقول الشعر الذريعة إلى حسن نظمه؛ فإن الشهوة نعم المعين، وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من شعر الماضين: فما استحسنته العلماء فاقصده، وما تركوه فاجتنبه، ترشد إن شاء الله تعالى.
قال صاحب الكتاب: قد كنت أردت ذكر هذا الفصل فيما تقدم من باب عمل الشعر وشحذ القريحة له، فلم أثق بحفظي فيه، حتى صححته فأثبته بمكانه من هذا الباب.
ومن قول الناشئ في معنى شعره الأول:
الشعر ما قومت زيغ صدورهوشددت بالتهذيب أسر متونه
ورأيت بالإطناب شعب صدوعهوفتحت بالإيجاز عور عيونه
وجمعت بين قريبه وبعيدهووصلت بين مجمه ومعينه
فإذا بكيت به الديار وأهلهاأجريت للمحزون ماء شؤونه
وإذا مدحت به جواداً ماجداًوفيته بالشكر حق ديونه
أصفيته بنفيسه ورصينهوخصصته بخطيره وثمينه
فيكون جزلاً في اتساق صنوفهويكون سهلاً في اتفاق فنونه
فإذا أردت كناية عن رتبةباينت بين ظهوره وبطونه
فجعلت سامعه يشوب شكوكهببيانه وظنونه بيقينه
وإذا عتبت على أخٍ في زلةٍأدمجت شدته له في لينه
فتركته مستأنساً بدماثةمستيئساً لوعوثه وحزونه
وإذا نبذت إلى التي علقتهاإن صارمتك بفاتنات شؤونه
تيمتها، بلطيفه ودقيقهوشغفتها بخبيه وكمينه
وإذا اعتذرت إلى أخ من زلةواشكت بين محيله ومبينه
وهذا حين أبدأ بالكلام على هذه الأغراض والصنوف واحداً فواحداً، إن شاء الله ﷾.
النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع