تجاوز إلى المحتوى

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)

باب الاشتراك

وهو أنواع: منها ما يكون في اللفظ، ومنها ما يكون في المعنى؛ فالذي يكون في اللفظ ثلاثة أشياء: فأحدها: أن يكون اللفظان راجعين إلى حد واحد ومأخوذين من حد واحد، فذلك اشتراك محمود، وهو التجنيس، وقد تقدم القول فيه، والنوع الثاني: أن يكون اللفظ يحتمل تأويلين أحدهما يلائم المعنى الذي أنت فيه والآخر لا يلائمه ولا دليل فيه على المراد، كقول الفرزدق:

وما مثله في الناس إلا مملكاًأبو أمه حي أبوه يقاربه

فقوله " حي " يحتمل القبيلة، ويحتمل الواحد الحي، وهذا الاشتراك مذموم قبيح، والمليح الذي يحفظ لكثير في قوله يشبب:

لعمري لقد حببت كل قصيرةإلي، وما تدري بذاك القصائر
عنيت قصيرات الحجال ولم أردقصار الخطا؛ شر النساء البحاتر
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «عفا رابغ من أهله فالظواهر»

فأنت ترى فطنته لما أحس باشتراك كيف نفاه، وأعرب عن معناه الذي نحا إليه.

ومن نوع قول الفرزدق قول كشاجم يذكر الميدان:

عمرته بفتية صباحسمح، بأعراضهم شحاح

فنحن نعلم أنه أراد سمح شحاج بأعراضهم، ولكن فيه من اللبس ما هو أولى من التأويل.

والنوع الثالث ليس من هذا في شيء، وهو سائر الألفاظ المبتذلة للتكلم بها، لا يسمى تناولها سرقة، ولا تداولها اتباعاً؛ لأنها مشتركة لا أحد من الناس أولى بها من الآخر، فهي مباحة غير محظورة، إلا أن تدخلها استعارة، أو تصحبها قرينة تحدث فيها معنى، أو تفيد فائدة، فهناك يتميز الناس، ويسقط اسم الاشتراك الذي يقوم به العذر، ولو غيرت اللفظة وأتى بما يقوم مقامها كقول ابن أحمر:

بمقلص درك الطريدة، متنهكصفا الخليقة بالفضاء الملبد
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «أفد الرحيل وليته لم يأفد»

فقوله " درك الطريدة " وقول الأسود بن يعفر:

بمقلص عتد جهير شدهقيد الأوابد والرهان جواد

جميعاً كقول امرئ القيس: بمنجرد قيد الأوابد هيكل وكذلك قول أبي الطيب: أجل الظليم وربقة السرحان فأما ما ناسب قول الأبيرد اليربوعي يرثي أخاه:

وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكىمن الأجر لي فيه، وإن عظم الأجر

وقول أبي نواس في صفة الخمر:

ترى العين تستعفيك من لمعانهاوتحسر حتى ما تقل جفونها
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ألا دارها بالماء حتى تلينها»

فهو من المشترك الذي لا يعد سرقة.

وقد نص عليه القاضي الجرجاني أنه من المنقول المتداول المبتذل.

وأما الاشتراك في المعاني فنوعان: أحدهما: أن يشترك المعنيان وتختلف العبارة عنهما، فيتباعد اللفظان، وذلك هو الجيد المستحسن، نحو قول امرئ القيس:

كبكر المقاناة البياض بصفرةغذاها نمير الماء غير محلل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

وقول غيلان ذي الرمة:

نجلاء في برج صفراء في نعجٍكأنها فضة قد مسها ذهب

فوصفا جميعاً لوناً بعينه: فشبهه الأول بلون بيضة النعام، وشبهه الثاني بلون

الفضة قد خالطها الذهب يسيراً ولذلك قال " قد مسها ذهب " ونحو قول عبدة بن الطبيب يصف ثوراً وحشياً:

مجتاب نصع جديد فوق نقبتهوفي القوائم من خال سراويل
للشاعر عَبدَةِ بنِ الطَبيب، اقرأ القصيدة

وقال الطرماح يصف ظليماً:

مجتاب شملة برجد لسراتهقدراً فأسلم ما سواه البرجد
للشاعر الطرماح، من قصيدة «بان الخليط بسحرة فتبددوا»

فوصف الأول بياض الثور وسواد قوائمه وتخطيطها فشبه ظهره كأن عليه نصعاً جديداً، وهو الثوب الأبيض، وشبه ما في قوائمه من السواد والتخطيط بسراويل من الخال، وهو ضرب من الوشي.

وقال الثاني: إنه مجتاب شملة برجد، يريد ما على الظليم من قرونه، والبرجد: كساء أسود مخمل، وجعل الشملة قدراً لسراته دون رجليه وعنقه؛ فدل على بياضهن.

وقال عنترة:

صعل يعود بذي العشيرة بيضهكالعبد ذي الفرو الطويل الأصلم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

فشبهه بعبد طويل عليه فرو أصلم، أي: قصير الذيول، وإنما خص الفرو لأنهم كانوا يلبسونه مقلوباً، وجعله عبداً لبياض ساقيه وعنقه وإشرابهما الحمرة يعني صفات الروم، ولم تكن العبيد في ذلك الوقت إلا بيضاً؛ فهذا اشتراك في وصف الظهر والقوائم واختلاف في اللفظ والعبارة.

والنوع الثاني على ضربين: أحدهما: ما يوجد في الطباع من تشبيه الجاهل بالثور والحمار، والحسن بالشمس والقمر، والشجاع بالأسد وما شابهه، والسخي بالغيث والبحر، والعزيمة بالسيف والسيل، ونحو ذلك؛ لأن الناس كلهم الفصيح والأعجم والناطق والأبكم فيه سواء؛ لأنا نجده مركبا في الخليقة أولاً.

ولآخر ضرب كان مخترعاً، ثم كثر حتى استوى فيه الناس، وتواطأ عليه الشعراء آخراً عن أول، نحو قولهم في صفة الخد " كالورد " وفي القد " كالغصن " وفي العين " كعين المهاة من الوحش " وفي العنق كعنق الظبي، وكإبريق الفضة أو الذهب فهذا النوع وما ناسبه قد كان مخترعاً، ثم تساوى الناس فيه، إلا أن يولد أحد منهم فيه زيادة، أو يخصه بقرينة؛ فيستوجب بها الانفراد من بينهم، ومثل ذلك تشبيه العزم بهبوب الريح، والذكاء بشواظ النار، وسيرد عليك من قوافي باب السرقات وما ناسبها كثير، إن شاء الله تعالى.

النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.