من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)
باب التغاير
وهو أن يتضاد المذهبان في المعنى حتى يتقاوما، ثم يصحا جميعاً، وذلك من افتنان الشعراء وتصرفهم وغوص أفكارهم.
من ذلك قول بعض العرب المتقدمين يذكر قوماً بأنهم لا يأخذون إلا القود دون الدية:
لا يشربون دمائهم بأكفهمإن الدماء الشافيات تكال
وقال آخر وقد أخذ بثأره إلا إنه فيما زعم قتل دون من قتل له، ويروى لامرأة حارثية:
فيقتل خير بامرئ لم يكن لهبواء ولكن لا تكايل بالدم
ويروى " في فتى لم يكن له وفاء " فالأول يقول: لا آخذ بالدم لبناً، لكن آخذ دماً بقدره، فكان ذلك مكايلة، والثاني يزعم أن قتيله قليل المثل والنظير، فمتى لم يقتل به إلا نظيره بعد انتقامه، وعسر إدراكه الثأر فقال: إن الدماء ليست مما يكايل به في الحقيقة، وقيل: إنما يعني بذلك أن الإسلام لما جاء أزال المكايلة بالدم؛ فكانوا لا يقتلون بالرئيس إلا رئيساً مثله.
ومن هذا الباب قول أبي تمام في التكرم يفضله على الكرم المطبوع:
قد بلونا أبا سعيد حديثاًوبلونا أبا سعيد قديماً
ووردناه سائحاً وقليباًورعيناه بأرضاًً وجميماً
فعلمنا أن ليس إلا بشق النفس صار الكريم يدعى كريماً
وقال أبو الطيب في خلافه:
لو كفر العالمون نعمتهلما عدت نفسه سجاياها
كالشمس لا تبتغي بما صنعتتكرمة عندهم ولا جاها
وإلى هذا المذهب نحا السيد أبو الحسن في قوله:
جبر الكسير إذا يهاض جناحهلجأ المطرد مستغاث المملق
جمع الفضائل والمحامد والعلاخلق لعمر أبيك غير تخلق
وأصل معنى قول أبي الطيب من قول بشار:
ليس يعطيك للرجاء وللخوف ولكن يلذ طعم العطاء
وقال البحتري في نحو ذلك:
لا يتعب النائل المبذول همتهوكيف يتعب عين الناظر النظر؟!
وكان أبو الطيب لقدرته واتساعه في المعاني كثيراً ما يخالف الشعراء ويغاير مذاهبهم، ألا ترى إلى قول علي بن العباس النوبختي وهو في رواية الجرجاني لابن الرومي يصف القلم ويفضله على السيف، وكتب بذلك إلى علي بن مقلة في قصيدة:
إن يخدم القلم السيف الذي خضعتله الرقاب ودانت خوفه الأمم
كذا قضى الله للأقلام مذ بريتأن السيوف لها مذ أرهفت خدم
فالموت والموت لا شيء يعادلهما زال يتبع ما يجري به القلم
وهذا كلام متقن البنية، صحيح المعنى، لا مطعن فيه، فجاء أبو الطيب فخالفه وذهب مذهباً آخر يشهد بصحته العيان، ويصححه البرهان، فقال:
حتى رجعت وأقلامي قوائل لي:المجد للسيف ليس المجد للقلم
اكتب بذا أبداً قبل الكتاب بهافإنما نحن للأسياف كالخدم
ومن التغاير قول الفرزدق يصف إبله ويفخر:
ألم تسمعا يا بني حكيم حنينهاإلى السيف تستبكي إذا لم تعقر
فجعلها إذا لم تعقر حنت إلى السيف واستبكت؛ لكثرة عادتها، وهذا غلو مفرط، وكان في مكان آخر يصفها بالجزع إذا رأت الضيف لعلمها أنها تنحر له:
ترى النيب من ضيفي إذا ما رأينهضموراً على جراتها ما تجيزها
فزعم أنها تخفي حسها حتى إنها لا تجتر خوفاً من النحر، وهذا المعنى مأخوذ من بيتين مدح بهما النبي ﷺ، وهما:
وأبيك حقاً إن إبل محمدعزل نوائح أن تهب شمال
وإذا رأين لدى الفناء غريبةفدموعهن على الخدود سجال
يقول: إذا هبت الشمال وهي من رياح الشتاء، وعلامات المحل أيقن أن رسول الله عليه وسلم ينحرهن للضيفان والجيران؛ فهي نوائح لذلك، وقوله وإذا رأين لدى الفناء غريبة أي: يعرفن بذلك أنها ناقة ضيف فتذري كل واحدة دمعها، لا تدري هل هي النحورة، وهذا من مليح الشعر ولطيف المدح، وقل كل مديح لرسول الله ﷺ.
ومن مليح التغاير قول أبي الشيص:
أجد الملامة في هوام لذيذةحباً لذكرك؛ فليلمني اللوم
وقول أبي الطيب في عكس هذا:
أأحبه وأحب فيه ملامة؟إن الملامة فيه من أعدائه
وهذا عند الجرجاني هو النظر والملاحظة، وهو يعده في باب السرقات، قال: وأصله من قول أبي نواس:
إذا غاديتني بصبوح عذلفممزوجاً بتسمية الحبيب
ولأبي العلاء المعري مثله من غير التزام:
لم يبق غير العذل من أسبابهمفأحب من يدنو إلي عذول
يغدو فر مستخبر عن حالهمغيري، ولا مستخبر مسئول
النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع