تجاوز إلى المحتوى

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)

باب النسيب

حق النسيب أن يكون حلو الألفاظ رسلها، قريب المعاني سهلها، غير كز ولا غامض، وأن يختار له من الكلام ما كان ظاهر المعنى، لين الإيثار، رطب المكسر، شفاف الجوهر، يطرب الحزين، ويستخف الرصين.

وروى أبو علي إسماعيل بن القاسم، عن ابن دريد، عن أبي حاتم، عن الأصمعي، عن أبي عمرو بن العلاء، عن رواية كثير قال: كنت مع جرير وهو يريد الشام فطرب، وقال: أنشدني لأخي بني مليح يعني كثيراً فأنشدته حتى انتهيت إلى قوله:

وأدنيتني حتى إذا ما سنيتنيبقول يحل العصم سهل الأباطح
تجافيت عني حين لا لي حيلةوخلفت ما خلفت بين الجوانح

فقال: لولا أنه لا يحسن بشيخ مثلي النخير لنخرت حتى يسمع هشام على سريره..

وقيل لأبي السائب المخزومي: أترى أحداً لا يشتهي النسيب؟ فقال: أما من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا.

والنسيب والتغزل والتشبيب كلها بمعنى واحد.. وأما الغزل فهو إلف النساء، والتخلق بما يوافقهن، وليس مما ذكرته في شيء؛ فمن جعله بمعنى التغزل فقد أخطأ، وقد نبه على ذلك قدامة وأوضحه في كتابه نقد الشعر.

وقال الحاتمي: من حكم النسيب الذي يفتتح به الشاعر كلامه أن يكون ممزوجاً بما بعده من مدح أو ذم، متصلاً به، غير منفصل منه، فإن القصيدة مثلها مثل خلق الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الآخر وباينه في صحة التركيب غادر بالجسم عاهة تتخون محاسنه، وتعفي معالم جماله، ووجدت حذاق الشعراء وأرباب الصناعة من المحدثين يحترسون من مثل هذه الحال احتراساً يحميهم من شوائب النقصان، ويقف بهم على محجة الإحسان.

ومن مختار ما قيل في النسيب قول المرار العدوي.

وهي هيفاء هضيم كشحهافخمة حيث يشد المؤتزر
صلتة الخد طويل جيدهاضخمة الثدي ولما ينكسر
يضرب السبعون في خلخالهافإذا ما أكرهته ينكسر
للشاعر المرار بن منقذ، من قصيدة «راقه منها بياض ناصع»
لا تمس الأرض إلا دونهاعن بلاط الأرض ثوب منعفر
للشاعر المرار بن منقذ، من قصيدة «فهي خذواء بعيش ناعم»
تطأ الخز ولا تكرمهوتطيل الذيل منه وتجر
للشاعر المرار بن منقذ، من قصيدة «فهي خذواء بعيش ناعم»
ثم تنهد على أنماطهامثل ما مال كثيب منقعر
للشاعر المرار بن منقذ، من قصيدة «فهي خذواء بعيش ناعم»
عبق العنبر والمسك بهافهي صفراء كعرجون العمر
للشاعر المرار بن منقذ، من قصيدة «فهي خذواء بعيش ناعم»
أملح الناس إذا جردتهاغير سمطين عليها وسور

قال عبد الكريم: هذه أملح وأشرف ما وقع في الوصف، وهي أشبه بنساء الملوك.

وأنشد لغيره:

قليلة لحم الناظرين يزينهاشباب ومخفوض من العيش بارد
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «قليلة لحم الناظرين يزينها»
أرادت لتنتاش الرواق فلم أقمإليه، ولكن طأطأته الولائد
تناهى إلى لهو الحديث كأنهاأخو سقطة قد أسلمته العوائد
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «قليلة لحم الناظرين يزينها»

وأنواع النسيب كثيرة، وهذا الذي أنشدته أفضلها في مذاهب المتقدمين، وللمحدثين طريق غير هذه كثيرة الأنواع أيضاً: فما أختار من ذلك ما ناسب قول أبي نواس:

حلت سعاد وأهلها سرفاًقوماً عدى ومحلة قذفا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «حلت سعاد وأهلها سرفا»
وكأن سعدي إذ تودعناوقد اشرأب الدمع أن يكفا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «حلت سعاد وأهلها سرفا»
رشا تواصين القيان بهحتى عقدن بأذنه شنفا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «حلت سعاد وأهلها سرفا»

فإن هذا في غاية الجودة ونهاية الإحسان، وما ناسب قول مسلم بن الوليد:

أحب التي صدت وقالت لتربها:دعيه، الثريا منه أقرب من وصلي
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أديرا علي الراح لا تشربا قبلي»
أماتت وأحيت مهجتي فهي عندهامعلقة بين المواعيد والمطل
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أديرا علي الراح لا تشربا قبلي»
وما نلت منها نائلاً غير أننيبشجو المحبين الألى سلفوا قبلي
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أديرا علي الراح لا تشربا قبلي»
بلى، وربما وكلت عيسى بنظرةإليها تزيد القلب خبلاً على خبل

ومن الجيد قول الوليد بن عبيد البحتري:

رددن ما خففت منه الخصور إلىما في المآزر فاستثقلن أردافاً
للشاعر البحتري، من قصيدة «يُهدي الخيَالُ لَنَا ذِكْرَى، إذا طَافَا»
إذا نضين شفوف الريط آونةقشرن عن لؤلؤ البحرين أصدافاً

والبحتري أرق الناس نسيباً، وأملحهم طريقة، ألا تسمع قوله:

إني وإن جانبت بعض بطالتيوتوهم الواشون أني مقصر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
ليشوقني سحر العيون المجتليويروقني ورد الخدود الأحمر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»

وشعره من هذا النمط، لا سيما إن ذكر الطيف؛ فإنه الباب الذي شهر به، ولم يكن لأبي تمام حلاوة توجب له حسن التغزل، وإنما يقع له من ذلك التافه اليسير في خلال القصائد، مثل قوله:

بت أرعى الخدود حتى إذا مافارقوني بقيت أرعى النجوما

وقوله أول قصيدة:

أرامة، كنت ما لف كل ريملو استمتعت بالأنس المقيم
أدار البؤس، حسنك التصابيإلي فصرت جنات النعيم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرامة كنت مألف كل ريم»
ومما ضرم البرجاء أنيشكوت فما شكوت إلى رحيم

وأما أبو الطيب فمن مليح ما سمعت له قوله:

كئيباً توقاني العواذل في الهوىكما يتوقى ريض الخيل حازمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»
قفي تغرم الأولى من اللحظ مهجتيبثانية، والمتلف الشيء غارمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»
سقاك وحيانا بك الله، إنماعلى العيس نور والخدور كمائمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

فقد جاء بأملح شيء وأوفاه من الظرافة والغرابة.

وقوله يذكر ربع أحبابه:

نزلنا عن الأكوار نمشي كرامةلمن بان عنه أن نلم به ركبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»
نذم السحاب الغر في فعلها بهونعرض عنها كلما طلعت عتبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

وقال في ذكر الديار أيضاً:

ودسنا بأخفاف المطي ترابهافلا زلت أستشفي بلثم المناسم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم»
ديار اللواتي دارهن عزيزةبسمر القنا يحفظن لا بالتمائم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم»
حسان التثني ينقش الوشي مثلهإذا مسن في أجسامهن النواعم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم»
ويبسمن عن در تقلدن مثلهكأن التراقي وشحت بالمباسم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم»

ورد جماعة من الكتاب على العتابي، وهو بحلب، وفي يده رقعة، وقد أطال فيها النظر والتأمل، فقال: أرأيتم الرقعة التي كانت في يدي؟ قالوا: نعم، قال: لقد سلك صاحبها وادياً ما سلكه غيره، فلله دره، وكان في الرقعة قول أبي نواس:

رسم الكرى بين الجفون محيلعفى عليه بكى عليك طويل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «رسم الكرى بين الجفون محيل»
يا ناظراً ما أقلعت لحظاتهحتى تشحط بينهن قتيل

روى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: أغزل بيت قالته العرب قول عمر بن أبي ربيعة:

فتضاحكن وقد قلن لها:حسن في كل عين من تود
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ليت هندا أنجزتنا ما تعد»

وكان الأصمعي يقول: أغزل بيت قالته العرب قول امرئ القيس:

وما ذرفت عيناك إلا لتضربيبسهميك في أعشار قلب مقتل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

وحكى عن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أنه قال: لم تقل العرب بيتاً أغزل من قول جميل بن معمر:

لكل حديث بينهن بشاشةوكل قتيل عندهن شهيد
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة

وفضلته بهذا البيت سكينة بنت الحسين بن علي رضوان الله عليهم، وأثابته به دون جماعة من حضر من الشعراء.

وقال بعضهم: الأحوص من أغزل الناس بقوله:

إذا قلت أني مشتف بلقائهاوحم التلاقي بيننا زادني سقما
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ألا قف برسم الدار واستنطق الرسما»

وقال غيره: بل جميل بقوله:

يموت الهوى مني إذا ما لقيتهاويحيا إذا فارقتها فيعود
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة

وقال آخر: بل جرير بقوله:

فلما التقى الحيان ألقيت العصيومات الهوى لما أصيبت مقاتله

والأحوص عندهم أغزلهم في هذه الأبيات الثلاثة؛ لزيادته سقماً إذا التقى المحبوب.

وقال الحاتمي: أغزل ما قالته العرب قول أبي صخر:

فيا حبذا زدني جوى كل ليلةٍويا سلوة الأيام موعدك الحشر

وقال أبو عبيدة: ما حفظت شعراً لمحدث، إلا قول أبي نواس:

كأن ثيابه أطلعن من أزراره قمرا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع الرسم الذي دثرا»
يزيدك وجهه حسناًإذا ما زدته نظرا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع الرسم الذي دثرا»
بعين خالط التفتير من أجفانها الحورا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع الرسم الذي دثرا»
وخد سابري لوتصوب ماؤه قطرا

وللشعراء أسماء تخف على ألسنتهم وتحلو أفواههم، فهم كثيراً ما يأتون

بها زوراً نحو: ليلى، وهند، وسلمى، ودعد، ولبنى، وعفراء، وأروى، وريا، وفاطمة، ومية، وعلوة، وعائشة، والرباب، وجمل، وزينب، ونعم، وأشباههن.

ولذلك قال مالك بن زغبة الباهلي، أنشده الأصمعي:

ما كان طبي حبها غير أنهيقام بسلمى للقوافي صدورها

وأما عزة وبثينة فقد حماهما كثير وجميل، حتى كأنهما حرما على الشعراء..

وربما أتى الشعراء بالأسماء الكثيرة في القصيدة؛ إقامة للوزن، وتحلية للنسيب، كما قال جرير:

أجد رواح القوم؟ بل لات روحوانعم كل من يعنى بجمل مبرح

ثم قال بعد بيت واحد:

إذا سايرت أسماء يوماً ظعائناًفأسماء من تلك الظعائن أملح
للشاعر جرير، من قصيدة «أجد رواح القوم أم لا تروح»
ظللن حوالي خدر أسماء فانتحىبأسماء موار الملاطين أروح
صحا القلب عن أسما وقد برحت بهوما كان يلقى من تماضر أبرح

وأما قول السيد الحميري:

ولقد تكون بها أوانس كالدمىهند وعبدة والرباب وبوزع

فإنه ثقيل من أجل بوزع.

وأنكر هذه اللفظة عبد الملك بن مروان على جرير، فما ظنك بالسيد الحميري؟ وكلما كانت اللظة أحلى كان ذكرها في الشعر اشهى، اللهم إلا أن يكون الشاعر لم يزور الاسم، وإنما قصد الحقيقة لا إقامة الوزن؛ فحينئذ لا ملامة عليه، ما لم يجد في الكنية مندوحة..

وقال يزيد بن أم الحكم:

أمسى بأسماء هذا القلب معموداًإذا أقول صحا يعتاده عيدا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أمسى بأسماء هذا القلب معمودا»
كان أحور من غزلان ذي بقرأهدى لعائشة العينين والجيدا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أمسى بأسماء هذا القلب معمودا»

على أن بعضهم رواه " أهدى لها شبه العينين " وهو أجود لا محالة، ومثل هذا كثير في أشعار القدماء، ولست أرى مثله من عمل المحدثين صواباً، ولا علمته وقع لأحد منهم، إلا ما ناسب قول السيد المتقدم آنفاً، وقول أبي تمام الطائي:

وإن رحلت في ظعنهم وحدوجهمزيانب من أحبابنا وعواتك

ومن عيوب هذا الباب أن يكثر التغزل ويقل المديح، كما يحكى عن شاعر أتى نصر بن سيار بأرجوزة فيها مائة بيت نسيباً وعشرة أبيات مديحاً، فقال له نصر: والله ما أبقيت كلمة عذبة ولا معنى لطيفاً إلا وقد شغلته عن مديحي بنسيبك، فإن أردت مديحي فاقتصد في النسيب، فغدا عليه فأنشده:

هل تعرف الدار لأم عمرو؟دع ذا وحبر مدحة في نصر

فقال نصر: لا هذا ولا ذاك، ولكن بين الأمرين.

فأما مذهبه الأول في طول النسيب وقصر المديح فإن نصيباً اتبعه فيه، ولكن ذاك منه إنما كان على اقتراح في القصيدة التي مدح بها بني جبريل، وأما المذهب الثاني فانتحله أبو الطيب في قوله:

واحر قلباه ممن قلبه شبمومن بجسمي وحالي عنده سقم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

ثم خرج إلى المدح في البيت الثاني.

ويعاب على الشاعر أن يفتخر أو يتعاطى فوق قدره، كما أخذ على عباس قوله:

فإن تقتلوني لا تفوتوا بمهجتيمصاليت قومي من حنيفة أو عجل

وعيب على الفرزدق وهو صميم بني تميم قوله:

يا أخت ناجية بن سامة إننيأخشى عليك بني إن طلبوا دمي
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «يا أخت ناجية بن سامة إنني»

اللهم إلا أن يكون النسيب الذي يصنع مجازاً كالذي في بسط القصائد، فإن ذلك لا بأس به، ولا مكروه فيه.

وسمع ابن أبي عتيق قول ابن أبي ربيعة المخزومي:

بينما ينعتنني أبصرننيدون قيد الميل يعدو بي الأغر
قالت الكبرى: أتعرفن الفتى؟قالت الوسطى: نعم، هذا عمر
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «هيج القلب مغان وصير»
قالت الصغرى وقد تيمتها:قد عرفناه، وهل يخفى القمر!؟
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «هيج القلب مغان وصير»

فقال له: أنت لم تنسب بهن، وإنما نسبت بنفسك، وإنما كان ينبغي لك أن تقول: قالت لي فقلت لها، فوضعت خدي فوطئت عليه.

وكذلك قال له كثير لما سمع قوله:

قالت لها أختها تعاتبهالا تفسدن الطواف في عمر
قومي تصدي له لأبصرهثم اغمزيه يا أخت في خفر
قالت لها: قد غمزته فأبىثم اسبطرت تشتد في أثري

أهكذا يقال للمرأة؟؟ إنما توصف بأنها مطلوبة ممتنعة.

قال بعضهم أظنه عبد الكريم: العادة عند العرب أن الشاعر هو المتغزل المتماوت، وعادة العجم أن يجعلوا المرأة هي الطالبة والراغبة المخاطبة، وهنا دليل كرم النجيزة في العرب وغيرتها على الحرم.

وعاب كثير على نصيب قوله:

أهيم بدعد ما حييت، فإن أمتفيا ليت شعري من يهيم بها بعدي

حتى إنه قال له: كأنك اغتممت لمن يفعل بها بعدك، وهو لا يكنى..

ومثل هذه الحكاية ما قاله بعض الكتاب وقد دخل على علي بن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وهو

محبوس فقال: أين هذا الجعفري الذي يتديث في شعره؟ قال علي: فعلمت أنه يريدني لقولي:

ولما بدا لي أنها لا تحبنيوأن هواها ليس عني بمنجلي
للشاعر أبو الحسن الجعفري، اقرأ القصيدة
تمنيت أن تهوى سواي، لعلهاتذوق صبابات الهوى فترق لي
للشاعر أبو الحسن الجعفري، اقرأ القصيدة
فما كان إلا عن قليل وأشغفتبحب غزال أدعج الطرف أكحل
للشاعر أبو الحسن الجعفري، اقرأ القصيدة
وعذبها حتى أذاب فؤادهاوذوقها طعم الهوى والتذلل
للشاعر أبو الحسن الجعفري، اقرأ القصيدة
فقلت لها: هذا بهذا، فأطرقتحياء، وقالت: كل من عايب ابتلي
للشاعر أبو الحسن الجعفري، اقرأ القصيدة

فقلت: أنا هو جعلت فداك، وأنا الذي أقول في الغيرة:

ربما سرني صدودك عنيوطلابيك وامتناعك مني
حذراً أن أكون مفتاح غيريفإذا ما خلوت كنت التمني

ويعاب ما ناسب قول الآخر، وهو جميل:

فلو تركت عقلي معي ما طلبتهاولكن طلابيها لما فات من عقلي
للشاعر جميل بن معمر، من قصيدة «يقولون مهلا يا جميل و إنني»

لأن الصواب قول عباس، أو مسلم:

أبكي وقد ذهب الفؤاد، وإنماأبكي لفقدك لا لفقد الذاهب
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «عجبا لطيف خيالك المتجانب»

فأما طرد الخيال والمجاورة في المحبة فهو مذهب مشهور، وقد ركبه جلة الشعراء، ورواه رواة: منهم طرفة، ولبيد، ثم جرير، ثم جميل، فقال طرفة، وهو أول من طرقه:

فقل لخيال الحنظلية ينقلبإليها، فإني واصل حبل من وصل
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة بالأجزاع من إضم طلل»

وقال لبيد في مثل ذلك:

فاقطع لبانة من تعرض وصلهولشر واصل خلة صرامها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

يقول: اقطع المزار ممن تعرض وصله للقطيعة ويقال: تعرض الشيء، إذا فسد، حكاه الخليل فإن شر من وصلك من قطعك بلا ذنب، يريد

الذي تعرض وصله، ومن الناس من رواه ولخير واصل خلة صرامها يقول: إن خير من وصل الخلة من قطعها باستحقاق، يعني نفسه..

وقال جرير:

طرقتك صائدة القلوب، وليس ذاوقت الزيارة، فارجعي بسلام
للشاعر جرير، من قصيدة «سرت الهموم فبتن غير نيام»

على أن قوماً زعموا أنه كان محرماً، فلذلك طرد الخيال، كأنه تحرج وليس طرد عتب.

وقال جميل:

ولست وإن عزت علي بقائللها بعد صرم: يا بثين صليني
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة

وجرى على سنن هؤلاء جماعة من المولدين، واعتقدوا هذا المبدأ قولا وفعلاً، حتى تعداه بعضهم إلى القتل، مثل عبد السلام بن رغبان، ونصر الخابز أرز ومن شاكلهما من الشطار، إلا أن أصل هذا المذهب عند قدامة فاسد، وعاب عن نابغة بني تغلب واسمه الحارث بن عدوان، أحد بني زيد بن عمرو بن غنم بن تغلب قوله:

بخلنا لبخلك لو تعلمينوكيف يعيب بخيل بخيلاً؟

لأن الواجب عنده في التغزل أن يكون على خلاف هذا، وكل ما لا يليق بالمحبوب فهو مكروه في باب النسيب.

قالت عزة لكثير يوماً ويقال بثينة ما أردت بنا حين قلت:

وددت وبيت الله أنك بكرةوأني هجان مصعب ثم نهرب
كلانا به عر فمن يرنا يقلعلى حسنها جرباء تعدى وأجرب
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «عفا السفح من أم الوليد فكبكب»
نكون لذى مال كثير مغفلفلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
إذا ما وردنا منهلاً صاح أهلهعلينا، فلا ننفك نرمى ونضرب
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «عفا السفح من أم الوليد فكبكب»

لقد أردت بنا الشقاء، أما وجدت أمنية أوطأ من هذه؟! فخرج من عندها خجلاً وإنما اقتدى بالفرزدق حيث يقول، وهذا من سوء الأتباع:

ألا ليتنا كنا بعيرين لا نردعلى حاضر إلا نشل ونقذف
كلانا به عر يخاف قرافهعلى الناس مطلي الأشاعر أخشف
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لبسن الفرند الخسرواني دونه»
بأرض خلاء وحدنا وثيابنامن الريط والديباج درع وملحف
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لبسن الفرند الخسرواني دونه»
ولا زاد إلا فضلتان: سلافةوأبيض من ماء الغمامة قرقف
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لبسن الفرند الخسرواني دونه»
وأشلاء لحم من حباري يصيدهاإذا نحن شئنا صاحب متألف
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لبسن الفرند الخسرواني دونه»
لنا ما تمنينا من العيش مادعاهديلا بنعمان حمائم هتف

وإذا كان بعيراً فما هذه الأمنية التي كلها للحيوان الناطق؟ لولا أنه ردها إلى نفسه حقيقة، وإلا فما أملح الجمل نشوان يصيد الحباري بالبازي.

ومعايب هذا الباب كثيرة، وفما قدمت منها دليل على باقيها.

واشتقاق التشبيب يجوز أن يكون من ذكر الشبيبة، وأصله الإرتفاع، كأن الشباب ارتفع عن حال الطفولية، أو رفع صاحبه، ويقال: شب الفرس، إذا رفع يديه وقام على رجليه.

قال الجاحظ: يقال شبت شبوبا، وشب الفرس بيديه فهو يشب شبيباً، ويقال: مالك عضاض ولا شباب، انقضى كلامه.

ويجوز أن يكون من الجلاء، يقال: شب الحمار وجه الجارية، إذا جلاه ووصف ما تحته من محاسنه؛ فكأن هذا الشاعر قد أبرز هذه الجارية في صفته إياها وجلاها للعيون، ومنه الشب الذي يجتلي به وجوه الدنانير، ويستخرج غشها، ومنها: شببت النار، إذا رفعت سناها وزدتها ضياء.

وأنشد الأصمعي لعكاشة بن أبي مسعدة: يدفع عنها كل مشبوب أغر قال: المشبوب الذي إذا رأيته فزعت لحسنه.. قال ابن دريد: شببت في الشعر شبيباً، مثل نسبت نسيباً، والنسيب أكثر ما يستعمل في الشعر.

النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.