من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)
باب في المديح
وسبيل الشاعر إذا مدح ملكاً أن يسلك طريقة الإيضاح والإشادة بذكره للممدوح، وأن يجعل معانيه جزلة، وألفاظه نقية، غير مبتذلة سوقية، ويجتنب مع ذلك التقصير والتجاوز والتطويل؛ فإن للملك سآمة وضجراً، ربما عاب من أجلها ما لا يعاب، وحرم من لا يريد حرمانه، ورأيت عمل البحتري إذا مدح الخليفة كيف يقل الأبيات، ويبرز وجوه المعاني، فإذا مدح الكتاب عمل طاقته، وبلغ مراده.
وقد حكى عن عمارة أن جده جريراً قال: يا بني، إذا مدحتهم فلا تطيلوا الممادحة؛ فإنه ينسى أولها، ولا يحفظ آخرها، وإذا هجوتم فخالفوا.
قال عبد الكريم: وهذا ضد قول عقيل بن علفة المرادي، وحكى غيره قال: دخل الفرزدق على عبد الرحمن بن أم الحكم، فقال له عبد الرحمن: أبا فراس، دعني من شعرك الذي ليس يأتي آخره حتى ينسى أوله، وقال: قل في بيتين يعلقان بالرواة، وأنا أعطيك عطية لم يعطكها أحد قط قبلي، فغدا عليه وهو يقول:
وأنت ابن بطحاوي قريشٍ، وإن تشأتكن من ثقيف سيل ذي خدر غمر
وأنت ابن سوار اليدين إلى العلىتكفت بك الشمس المضيئة للبدر
فقال: أحسنت، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
وإذا كان الممدوح ملكاً لم يبال الشاعر كيف قال فيه، ولا كيف أطنب، وذلك محمود، وسواه المذموم، وإن كان سوقة فإياك والتجاوز به خطته؛ فإنه متى تجاوز به خطته؛ كان كمن نقصه منها، وكذلك لا يجب أن يقصر عما يستحق، ولا أن يعطيه صفة غيره؛ فيصف الكاتب بالشجاعة والقاضي بالحمية والمهابة، وكثيراً ما يقع هذا لشعراء وقتنا، وهو خطأ، إلا أن تصحبه قرينة تدل على الصواب الرأي فيه، وكذلك لا يجب أن يمدح الملك ببعض ما يتجه في غيره من الرؤساء، وإن كان فضيلة.
وذلك مثل قول البحتري يمدح المعتز بالله:
لا العذل يردعه ولا التعنيف عن كرم يصده
فإنه مما أنكره عليه أبو العباس أحمد بن عبد الله، وقال: من ذا يعنف الخليفة على الكرم أو يصده؟ هذا بالهجاء أولى منه بالمدح.
وعيب على الأخطل قوله في عبد الملك بن مروان:
وقد جعل الله الخلافة منهملأبيض لا عاري الخوان ولا جدب
وقالوا: لو مدح بها حرسياًً لعبد الملك لكان قد قصر به.
قلت أنا: وإن كان فلا بد من ذكر الضيافة والقرى، كقول ابن قيس الرقيات لمصعب بن الزبير:
يلبس الجيش بالجيوش ويسقيلبن البخت في عساس الخلنج
لأن هذا وإن لم يعد به ممادحة العرب في سقي اللبن فقد زاده رتبة عرف بها أنه ملك. وأجود منه في معناه قول حسان في آل جفنة:
يسقون من ورد البريص عليهمبردى يصفق بالرحيق السلسل
ويروي " مسكا ".
وعابوا على الأحوص قوله للملك:
وأراك تفعل ما تقول، وبعضهممذق الحديث يقول ما لا يفعل
فقالوا: إن الملوك لا تمدح بما يلزمها فعله كما تمدح العامة، وإنما تمدح بالإغراق والتفضيل بما لا يتسع غيرهم لبذله.
ومن هذا النوع قول كثير:
رأيت ابن ليلى يعتري صلب مالهمسائل شتى من غني ومصرم
مسائل إن توجد لديك تجد بهايداك، وإن تظلم بها تتظلم
لأن هذا إنما يقع لمن دون الخليفة والملك، وإنما أخذه من قول زهير في هرم ابن سنان، وليس بملك، ولذلك حسن قوله:
هو الجواد الذي يعطيك نائلهعفواً، ويظلم أحياناً فيظلم
يريد أنه يسأل ما ليس قبله فيحتمله، هذا، وقد قال الصولي في شرح قول حبيب:
لو يفاجى ركن المديح كثيراًبمعانيه خالهن نسيباً
طاب فيه المديح والتذ، حتىفاق وصف الديار والتشييبا
سألت عون بن محمد الكندي: لم خص كثيراً؟ فقال: سمعته يقول: أمدح الناس زهير والأعشى، ثم الأخطل وكثير.
وحكى غير الصولي أن مروان بن أبي حفصة كان يقدم كثيراً في المدح على جرير والفرزدق.
ومما قدم به زهير قوله:
لو كان يقعد النجم من كرمٍقوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
قوم سنان أبوهم حين تنسبهمطابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
إنس إذا أمنوا، جن إذا فزعوا،مرزأون بها ليل إذا جهدوا
محسدون على ما كان من نعمٍلا ينزع الله عنهم ماله حسدوا
ويروي غر بها ليل في أعناقهم صيد وقدمه قدامة بن جعفر الكاتب فقال في كتابه نقد الشعر: لما كانت فضائل الناس من حيث هم ناس، لا من طريق ما هم مشتركون فيه مع سائر الحيوانات، على ما عليه أهل الألباب من الاتفاق في ذلك؛ إنما هي العقل والعفة والعدل والشجاعة؛ كان القاصد للمدح بهذه الأربعة مصيباً، وبما سواها مخطئاً.
فقال زهير:
أخي ثقة لا يهلك الخمر مالهولكنه قد يهلك المال نائله
لأنه قد وصفه بالعفة لقلة في اللذات وأنه لا ينفد فيها ماله، وبالسخاء لإهلاكه ماله في النوال وانحرافه إلى ذلك عن اللذات، وذلك هو العقل، ثم قال:
تراه إذا ما جئته متهللاًكأنك تعطيه الذي أنت سائله
أراد أن فرحة بما يعطي أكثر من فرحه بما يأخذ، فزاد في وصف السخاء منه: بأن يهش، ولا يلحقه مضض، ولا تكره لفعله..
ثم قال:
فمن مثل حصن في الحروب ومثلهلإنكار ضيم أو لخصم يجادله
فأتى في هذا البيت بالوصف من جهة الشجاعة والعقل، فاستوفى ضروب المدح الأربعة التي هي فضائل الإنسان على الحقيقة، وزادها ما هو وإن كان داخلاً في الأربعة فكثير من الناس من لا يعرف وجه دخوله فيها حيث قال أخي ثقة فوصفه بالوفاء، والوفاء داخل في هذه الفضائل التي قدمنا، وقد تفنن الشعراء فيعدون أنواع الفضائل الأربع وأقامها وكل داخل في جملتها مثل أن يذكروا ثقابة المعرفة، والحياء، والبيان، والسياسة، والصدع بالحجة، والعلم، والحلم عن سفاهة الجهلة، وغير ذلك مما يجري هذا المجرى، وهي من أقسام العقل؛ وكذكرهم القناعة، وقلة الشهوة، وطهارة الإزار، وغير ذلك وهي من أقسام العفة؛ وكذكرهم الحماية، والأخذ بالثأر، والدفع عن الجار، والنكاية في العدو، وقتل الأقران، والمهابة، والسير في المهامه والقفار الموحشة، وما شاكل هذا وهو من أقسام الشجاعة؛ وكذكرهم السماحة، والتغابن، والانظلام، والتبرع بالنائل، والإجابة للسائل، وقرى الأضياف، وما جانس هذه الأشياء، وهي من أقسام العدل.
وأما تركيب بعضها من بعض فيحدث منها سته أقسام: يحدث من تركيب العقل مع الشجاعة الصبر على الملمات ونوازل الخطوب، والوفاء بالإيعاد؛ وعن تركيب العقل مع السخاء البر، وإنجاز الوعد وما أشبه ذلك؛ وعن تركيب العقل مع العفة التنزه، والرغبة عن المسألة، والاقتصار على أدنى معيشة، وما أشبه ذلك؛ وعن تركيب الشجاعة مع السخاء الإتلاف، والإخلاف وما جانس ذلك؛ وعن تركيب الشجاعة مع العفة إنكار الفواحش، والغيرة على الحرم؛ وعن تركيب السخاء مع العفة الإسعاف بالوقت، والإيثار على النفس، وما شاكل ذلك.
قال: وكل واحدة من هذه الفضائل الأربع المتقدم ذكرها وسط بين طرفين مذمومين.
مدح أبو العتاهية عمر بن العلاء فأعطاه سبعين ألفاً وخلع عليه حتى لم يستطع أن يقوم، فغار الشعراء لذلك، فجمعهم ثم قال: عجباً لكم معشر الشعراء ما أشد حسد بعضكم لبعض، إن أحدكم يأتينا ليمدحنا فينسب في قصيدته بصديقته بخمسين بيتنا فما يبلغنا حتى تذهب لذاذة مدحه ورونق شعره، وقد أتى أبو العتاهية فنسب في أبيات يسيرة. ثم قال:
إني أمنت الزمان وريبهلما علقت من الأمير حبالاَ
لو يستطيع الناس من إجلالهلحذوا له حر الخدود نعالاً
إن المطايا تشتكيك؛ لأنهاقطعت إليك سباسباً ورمالا
فإذا وردن بنا وردن خفائفاًوإذ صدرن بنا صدرن ثقالاً
ومن مليح ما لأبي العتاهية في المدح قوله:
فتى ما استفاد الما إلا أفادهسواه كأن الملك في كفه حلم
إذا ابتسم المهدي نادت يمينهألا من أتانا زائرا فله الحكم
وله أيضاً في معنى بيتي الفرزدق اللذين صنعهما لعبد الرحمن بن أم الحكم:
فما مثل بيتيه في العالمينأعز بناء ولا أرفع
فبيت بناه له هاشموبيت بناه له تبع
ولو حاول الدهر ما في يديهلعاد وعرنينه أجدع
ومن المديح المنصوص عليه قول زهير:
وفيهم مقامات حسان وجوههاوأندية ينتابها القول والفعل
وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهممجالس قد يشفى بأحلامها الجهل
على مكثريهم حق من يعتريهموعند المقلين السماحة والبذل
سعى بعدهم قوم لكي يدركوهمفلم يفعلوا ولم يليموا ولم يألوا
فما كان من خير أتوه فإنماتوارثه أباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطي إلا وشيجهوتغرس إلا في منابتها النخل
وكذلك أيضاً قوله:
من يلق يوماً على علاته هرماًيلق السماحة منه والندى خلقاً
ليث بعثر يصطاد الرجال إذاما كذب الليث عن أقرانه صدقا
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنواضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
فضل الجواد على الخيل البطاء فلايعطي بذلك ممنوناً ولا نزقا
هذا وليس كمن يعيا بخطبتهوسط الندى إذا ما ناطق نطقا
لو نال حي من الدنيا بمكرمةأفق السماء لنالت كفه الأفقا
وينبغي أن يكون قصد الشاعر في مدح الكاتب والوزير ما اختاره قدامة وغيره، وكذلك ما ناسب حسن الروية، وسرعة الخاطر بالصواب، وشدة الحزم، وقلة الغفلة، وجود النظر للخليفة، والنيابة عنه في المعضلات بالرأي أو الذات، كما قال أبو نواس:
إذا نابه أمر فإما كفيتهوإما عليه بالكفى تشير
وبأنه محمود السير، حسن السياسة، لطيف الحس، فإن أضاف ذلك إلى البلاغة، والخط، والتفنن في العلم؛ كان غاية.
وأفضل ما مدح به القائد: الجود، والشجاعة، وما تفرغ منهما، نحو التخرق في الهيئات، والإفراط في النجدة، وسرعة البطش، وما شاكل ذلك.
ويمدح القاضي بما ناسب العدل والإنصاف، وتقريب البعيد في الحق، وتبعيد القريب، والأخذ للضعيف من القوي، والمساواة بين الفقير والغني، وانبساط الوجه، ولين الجانب، وقلة المبالاة في إقامة الحدود واستخراج الحقوق، فإن زاد إلى ذلك ذكر الورع، والتحرج، وما شاكلهما، فقد بلغ النهاية.
وصفات القاضي كلها لائقة بصاحب المظالم، ومن دون هذه الثلاث الطبقات سوى طبقة الملك فلا أرى لمدحه وجهاً، فإن دعت إلى ذلك ضرورة مدح كل إنسان بالفضل في صناعته، والمعرفة بطريقته التي هو فيها، وأكثر ما يعول عن الفضائل النفسية التي ذكرها قدامة، فإن أضيف إليها فضائل عرضية أو جسمية: كالجمال، والأبهة، وبسطة الخلق، وسعة الدنيا، وكثرة العشيرة؛ كان ذلك جيداً، إلا أن قدامة قد أبى منه، وأنكره جملة، وليس ذلك صواباً، وإنما الواجب عليه أن يقول: إن المدح بالفضائل النفيسة أشرف وأصح، فأما إنكار ما سواها كرة واحدة فما أظن أحداً يساعده فيه، ولا يوافقه عليه.
وقد كره الحذاق أن تمدح الملوك بما ناسب قول موسى شهوات وروى لغيره:
ليس فيما بدا لنا منك عيبعابه الناس غير أنك فاني
أنت نعم المتاع لو كنت تبقىغير أن لا بقاء للإنسان
وذكر عن سليمان بن عبد الملك أنه خرج من الحمام، وهو الخليفة، يريد الصلاة، ونظر في المرآة فأعجبه جماله، وكان حسن الوجه، فقال: أنا الملك الشاب، ويروى " الفتى " فتلقته إحدى حظاياه، فقال لها: كيف ترينني؟ فتمثلت في البيتين المتقدم ذكرهما، فتطير بهما ورجع، فحم فما بات إلا ميتاً تلك الليلة وروى عن بعض الملوك أنه قال: ما لهؤلاء الشعراء قاتلهم الله، ربما ذكرونا شيئاً نحن أكثر ذكراً له منهم فينغصون به علينا أوقات لذتنا!!؟ يعني بذلك الموت.
ومن أشنع ما في ذلك قول أبي تمام:
فليطل عمره فلو مات في طوس مقيماً لمات فيها غريبا
فما الذي دعاه إلى ذكر الموت ههنا إلا النكد والنغاصة؟.
أجمع الناس على تقديم قول كعب بن زهير يمدح رسول الله ﷺ:
تحمله الناقة الأدماء معتجراًبالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم
وفي عطافيه أو أثناء ريطتهما يعلم الله من دين ومن كرم
والجهال يروون البيت الأول لأبي دهبل الجمحي، ويناسبه قول العجاج:
يحملن كل سؤدد وفخريحملن ما ندري وما لا ندري
قال الأصمعي: وأصله قول الحارث بن حلزة:
وفعلنا بهم كما علم اللهـ وما إن للحائنين دماء
قال: ولم يقل قط شاعر " كما يعلم " أحسن من هذه الثلاثة المعاني قال أبو العباس المبرد: من الشعراء من يحمل المدح، فيكون ذلك وجهاً حسناً؛ لبلوغه الإرادة مع خلوة من الإطالة، وبعده من الإكثار، ودخوله في الاختصار.
وذلك نحو قول الحطيئة:
تزور فتى يعطي على الحمد مالهومن يعط أثمان المكارم يحمد
تزور فتى يعطي على الحمد مالهويعلم أن المرأ غير مخلد
يرى البخل لا يبقي على المرء مالهويعلم أن المرء غير مخلد
ورواه غيره أن المال غير مخلد.
كسوب متلاف إذا ما سألتهتهلل واهتز اهتزاز المهند
متى تأته تعشو إلى ضوء نارهنجد خير نار عندها خير موقد
تصرف في أبياته هذه في أصناف المديح، واتى بجماع الوصف وجملة المدح على سبيل الاقتصار في البيت الأخير.
ومثله قول الشماخ:
رأيت عرابة الأوسي يسموإلى العلياء منقطع القرين
إذا ما راية رفعت لمجدتلقاها عرابة باليمين
انتهى كلامه.
ومن أفضل ما مدح به ملوك وأكثره إصابة للغرض ما ناسب قول أبن هرمة المنصور:
له لحظات عن حفافي سريرهإذا كرها فيها عقاب ونائل
فأم الذي أمنت آمنة الردىوأم الذي أوعدت بالثكل ثاكل
وقول أبي العتاهية في مدح الهادي:
يضطرب الخوف والرجاء إذاحرك موسى القضيب أو فكرا
وكذلك قول الحزين الكناني في عبد الله بن عبد الملك بن مروان، وقد وفد عليه بمصر، ويروي للفرزدق في علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، وقيل: بل قالها فيه اللعين المنقري، وقيل: بل الأبيات لداود بن سلم في قثم بن العباس بن عبد الله بن العباس:
في كفه خيزران ريحه عبقمن كف أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابتهفما يكلم إلا حين يبتسم
اجتمع الشعراء بباب المعتصم فبعث إليهم: من كان منكم يحسن أن يقول مثل منصور النميري في أمير المؤمنين الرشيد:
إن المكارم والمعروف أوديةأحلك الله منها حيث تجتمع
إذا رفعت أمراً فالله رافعهومن وضعت من الأقوام متضع
من لم يكن بأمين الله معتصماًفليس بالصلوات الخمس بنتفع
إن أخلف الغيث لم تخلف أناملهأو ضاق أمر ذكرناه فيتسع
فليدخل، فقال محمد بن وهب: فينا من يقول خيراً منه، وأنشد:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهمشمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
يحكى أفاعيله في كل نائلةالغيث والليث والصمصامة الذكر
فأمر بإدخاله وأحسن صلته.
قالوا: لما حضرت الحطيئة الوفاة قال: أبلغوا الأنصار أن أخاهم أمدح الناس حيث يقول:
يغشون حتى ما تهر كلابهملا يسألون عن السواد المقبل
قال ثعلب: بل قول الأعشى:
فتى لو يباري الشمس ألقت قناعهاأو القمر الساري لألقى المفالدا
أمدح منه.
وقال أبو عمرو بن العلاء: بل بيت جرير:
ألستم خير من ركب المطاياوأندى العالمين بطون راح
أسير ما قيل في المدح وأسهله.
وقال غيره: بل قول الأخطل:
شمس العداوة حتى يستقاد لهموأعظم الناس أحلاماً إذا قدروا
وقال دعبل: بل قول أبي الطمحان القيني:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههمدجى الليل حتى نظم العقد ثاقبه
قال: وقد تنازع في هذا البيت يعني بيت أبي الطمحان قوم، وفي بيت حسان في آل جفنة، وبيت النابغة:
فإنك شمس والملوك كواكبإذا طلعت لم يبد منهن كوكب
وبيت أبي الطمحان أشعرها.
قال الحاتمي: بل بيت زهير:
تراه إذا ما جئته متهللاًكأنك تعطيه الذي أنت سائله
وحكى علي بن هارون عن أبيه أنه قال: أجمع أهل العلم على أن بيتي أبي نواس أجود ما للمولدين في المدح، وهما قوله:
أنت الذي تأخذ الأيدي بحجزتهإذا الزمان على أبنائه كلحا
وكلت بالدهر عيناً غير غافلةمن جود كفك تأسو كل ما جرحا
روى الحاتمي عن محمد بن عبد الواحد عن أحمد بن يحيى قال: سمعت ابن الأعرابي يقول: أمدح بيت قاله مولد قول أبي نواس:
تغطيت من دهري بظل جناحهفعيني ترى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأحداث عني ما درتوأين مكاني ما عرفن مكاني
قال صاحب الكتاب: نحن إلى الإنصاف أحوج منا إلى المكابرة والخلاف، أبو نواس ذهب مذهباً لطيفاً يخرج له فيه العذر والتأويل، وإلا فما في صفة الخمول أشد مما وصف، لا سيما على رواية من روى: فلو تسأل الأيام عني ومن جيد ما سمعته لمحدث وأظنه لابن الرومي في عبيد الله بن سليمان بن وهب، ورأيت من يرويه لأبي الحسين أحمد بن محمد الكاتب:
إذا أبو قاسم جادت لنا يدهلم يحمد الأجودان: البحر والمطر
ولو أضاءت لنا أنوار غرتهتضاءل النيران: الشمس والقمر
وإن مضى رأيه أو حد عزمتهتأخر الماضيان: السيف والقدر
من لم يبت حذراً من خوف سطوتهلم يدر ما المزعجان: الخوف والحذر
ينال بالظن ما يعيا العيان بهوالشاهدان عليه العين والأثر
كأنه وزمام الدهر في يدهيرى عواقب ما يأتي وما يذر
وقال خلف الأحمر: أغلب المدح أكثره ملقاً كقول زهير:
تراه إذا ما جئته متهللاًكأنك تعطيه الذي أنت سائله
أخو ثقة لا يهلك الخمر مالهولكنه قد يهلك المال نائله
غدوت عليه غدوة فوجدتهقعوداً لديه بالصريم عواذله
يفدينه طوراً، وطوراً يلمنهوأعيى فما يدرين أين مخاتله
فأعرضن منه عن كريم مرزإعزوم على الأمر الذي هو فاعله
وقال طفيل الغنوي:
جزى الله عنا جعفراً حين أزلفتبنا نعلنا في الواطئين فزلت
أبوا أن يملونا ولو أن أمناتلاقي الذي لا قوة منا لملت
وقال الأصمعي: أخلب الشعر قول حمزة بن بيض:
تقول لي والعيون هاجعة:أقم علينا يوماً، فلم أقم
أي الوجوه انتجعت؟ قلت لها:لا أي وجه إلا إلى الحكم
متى يقل حاجباً سرداقههذا ابن بيضٍ بالباب يبتسم
قد كنت أسلمت فيك مقتبلاًفهات إذ حل أعطني سلمي
وسأل الرشيد المفضل الضبي: أي بيت قالته العرب أمدح؟ فقال:
أغر أبلج تأتم الهداة بهكأنه علم في رأسه نار
هكذا روايته فيه.
قال شرحبيل بن معن بن زائدة: كنت أسير تحت قبة يحيى بن خالد، وقد حج مع الرشيد، وعديله أبو يوسف القاضي، إذ
أتاه أعرابي من بني أسد كان يلقاه إذا حج فيمدحه، فأنشده شعراً أنكر يحيى منه بيتاً فقال: يا أخا بني أسد، ألم أنهك عن مثل هذا الشعر؟ ألا قلت كما قال الشاعر:
بنو مطر يوم اللقاء كأنهمأسود لها في غيل خفان أشبل
هم يمنعون الجار حتى كأنمالجارهم بين السماكين منزل
بها ليل في الإسلام سادوا ولم يكنكأولهم في الجاهلية أول
هم القوم إن قالوا أصابوا، وأن دعواأجابوا، وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
ولا يستطيع الفاعلون فعالهموإن أحسنوا في النائبات وأجملوا
فقال أبو يوسف: لمن هذا الشعر أصلحك الله فما سمعت أحسن منه؟ فقال يحيى: يقوله ابن أبي حفصة في أبي هذا الفتى، وأوما إلي، فكان قوله أسر إلى من جليل الفوائد، ثم التقت إلي وقال: يا شرحبيل، أنشدني أجود ما قاله ابن أبي حفصة في أبيك، فأنشدته:
نعم المناخ لراغب ولراهبممن تصيب جوائح الأزمان
معن بن زائدة الذي زيدت بهشرفاً على شرف بنو شيبان
إن عد أيام اللقاء فإنمايوماه يوم ندى ويوم طعان
يكسو الأسرة والمنابر بهجةويزينها بجهارة وبيان
تمضي أسنته ويسفر وجههفي الحرب عند تغير الألوان
نفسي فداك أبا الوليد إذا بدارهج السنابك والرماح دواني
فقال يحيى: أنت لا تدري جيد ما مدح به أبوك، أجود من هذا قوله:
تشابه يوماه علينا فأشكلاًفلا نحن ندري أي يوميه أفضل
أيوم نداه الغمر، أم يوم بأسه؟وما منهما إلا أغر محجل
ومما اخذ الكميت قوله يمدح النبي ﷺ:
فاعتتب القول من فؤادي والشعر إلى من إليه معتتب
إلى السراج المنير أحمد لايعدلني رغبة ولا رهب
عنه إلى غيره ولو رفع الناس إلى العيون وارتقبوا
وقيل: أفرطت، بل تقصدت، ولوعنفني القائلون أو ثلبوا
إليك يا خير من تضمنت الأرض ولو عاب قولي العيب
لج بتفضيلك اللسان ولوأكثر فيك الضجاج والصخب
قالوا: من هذا الذي يقول في مدح النبي ﷺ أفرطت، أو يعنفه، أو يثلبه، أو يعيبه، حتى يكثر الضجاج والصخب؟!! وهذا كله خطأ منه، وجهل بمواقع المدح، وقال من احتج له: لم يرد النبي ﷺ، وإنما أراد علياً ﵁، فورى عنه بذكر النبي ﷺ خوفاً من بني أمية.
ومن الشعراء من ينقل المديح عن رجل إلى رجل، وكان ذلك دأب البحتري، وفعله أبو تمام في قصائد معدودة؛ منها: قدك أتئب أربيت في الغلواء نقلها عن يحيى بن ثابت إلى محمد بن حسان، فأما الذي قال: " هن بنياتي أنكحهن من شئت " فهو معذور إن لم يثب، فأما إن أثيب فذلك منه قلة وفاء، وفرط خيانة.
النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع