من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)
باب الوعيد والإنذار
كان العقلاء من الشعراء وذوو الحزم يتوعدون بالهجاء، ويحذرون من سوء الأحدوثة، ولا يمضون القول إلا لضرورة ولا يحسن السكوت معها.
قال ابن مقبل:
بني عامر، ما تأمرون بشاعرتخير آيات الكتاب هجانيا؟
أأعفو كما يعفو الكريم فإننيأرى الشغب فيما بيننا متدانيا
أم اغمض بين الجلد واللحم غمضةبمبرد رومي يقط النواصيا
فأما سراقات الهجاء فإنهاكلام تهاداه اللئام تهاديا
أم اخبط خبط الفيل هامة رأسهبحرد فلا يبقى من العظم باقيا
وعندي الدهيم لو أحل عقالهافتصبح لم تعدم من الجن حاديا
شبه لسانه بمبرد رومي لمضاته، وشبه القصيدة التي لو شاء هجاهم بها بالدهيم وهي الداهية، وأصل ذلك أن الدهيم ناقة عمرو بن زبان الذهلي التي حملت رءوس بنيه معلقة في عنقها، فجاءت بها الحي، فضرب بها المثل للداهية.
وقال جرير لبني حنيفة، وكان ميلهم مع الفرزدق عليه:
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكمإني أخاف عليكم أن أغضبا
أبني حنيفة إنني إن أهجكمأدع اليمامة لا تواري أرنبا
" أحكموا " كفوا، ومن حكمة اللجام.
وقال أيضاً لتيم الرباب رهط عمر بن لجأ:
يا تيم تيم عدي لا أبا لكملا يلقينكم في سوأة عمر
وكان علي بن سليمان الأخفش في صباه يعبث بابن الرومي لما يعلم من طيرته، فيجعل من يقرع الباب عليه بكرة ويتسمى له بأقبح الأسماء، فيمنعه ذلك من التصرف، فقال يتوعده:
قولوا لنحوينا أبي حسنإن حسامي متى ضربت مضى
وإن نبلي متى هممت بأنأرمي نصلتها بجمر غضى
لا تحسبن الهجاء يحفل بالرفع ولا خفض خافض خفضا
ولا تخل عودتي كبادئتيسأسعط السم من عصى الحضضا
أعرف في الأشقياء لي رجلاًلا ينتهي أو يصير لي غرضا
يليح لي صفحة السلامة والسلم، ويخفي في قلبه الرضا
يضحي مغيظاً علي أن غضب الله عليه ونلت منه رضا
وليس تجدي عليه موعظتيإن قدر الله حينه فقضى
كأنني بالشقي معتذراًإذا القوافي أذقنه مضضا
ينشدني العهد يوم ذلك والعهد خفار إذا له قبضا
لا يأمنن السفيه بادرتيفإنني عارض لمن عرضا
عندي له السوط إن تلوم في السير وعندي اللجام إن ركضا
أسمعت أنباء صيتي أبا حسنٍوالنصح لا شك نصح من محضا
وهو معافى من السهاد فلايجهل فيشرى فراشه قضضا
أقسمت بالله لا غفرت لهإن واحد من عروقه نبضا
وكذلك قد فعل، وقد مزقه بالهجاء كل ممزق، وجعله مثلة بين أصحابه، على أن الأخفش كان يتجلد عليه، ويظهر قلة المبالاة به، وهيهات! وقد وسمه سمة الدهر، وسامه سوم الخسف والقهر. ومما قلته في هذا الباب:
يا موجعي شتماً على أنهلو فرك البرغوث ما أوجعا
كل له من نفسه آفةوآفة النحلة أن تلسعا
وقلت من قصيدة خاطبت بها بعض بني مناد:
من يصحب الناس مطوياً على دخللا يصحبوه؛ فخلوا كل تدخيل
لا تستطيلوا على ضعفي بقوتكمإن البعوضة قد تعدو على الفيل
وجانبوا المزح إن الجد يتبعهورب موجعة في إثر تقبيل
ومنها بعد أبيات لا تليق بالموضع خوف الحشو:
يا قوم لا يلقيني منكم أحدفي المهلكات؛ فإني غير مغلول
لا تدخلوا بالرضا منكم على غررفتخربوا لليث غضباناً من الغيل
إلا تكن حملت خيراً ضمائركمأكن تأبط شراً ناكح الغول
النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع