تجاوز إلى المحتوى

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)

باب الهجاء

يروي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: خير الهجاء ما تنشده العذراء في خدرها فلا يقبح بمثلها، نحو قول أوس:

إذا ناقة شدت برجل ونمرقإلى حيكم بعدي فضل ضلالها

واختار أبو العباس قول جرير:

لو أن تغلب جمعت أحسابهايوم التفاخر لم تزن مثقالا

ومثل قوله:

فغض الطرف إنك من نميرفلا كعباً بلغت ولا كلابا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقلي اللوم عاذل والعتابا»

وبين الاختيارين تناسب في عفة المذهب، غير أن بيت جرير الثاني أشد هجاء لما فيه من التفضيل، فقد حكى محمد بن سلام الجمحي عن يونس بن حبيب أنه قال: أشد الهجاء الهجاء بالتفضيل، وهو الإقذاع عندهم.

قال النبي ﷺ: " من قال في الإسلام هجاء مقذعاً فلسانه هدر " ولما أطلق عمر بن الخطاب ﵁ من حبسه إياه بسبب هجائه الزبرقان بن بدر قال له: إياك والهجاء المقذع، قال:

وما المقذع يا أمير المؤمنين؟ قال: المقذع أن تقول هؤلاء أفضل من هؤلاء وأشرف، وتبني شعراً على مدح لقوم وذم لمن تعاديهم، فقال: أنت والله يا أمير المؤمنين أعلم مني بمذاهب الشعر، ولكن حباني هؤلاء فمدحتهم وحرمني هؤلاء فذكرت حرمانهم ولم أنل من أعراضهم شيئاً، وصرفت مدحي إلى من أراده ورغبت به عمن كرهه وزهد فيه، يريد بذلك قصيدته المهموزة التي يقول فيها:

وآنيت العشاء إلى سهيلأو الشعرى فطال بي الإناء
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ألا أبلغ بني عوف بن كعب»

وهي أخبث ما صنع. وفيها أو من أجلها قال خلف الأحمر: أشد الهجاء أعفه وأصدقه، وقال مرة أخرى: ما عف لفظه وصدق معناه، ومن كلام صاحب الوساطة: فأما الهجو فأبلغه ما خرج مخرج التهزل والتهافت، وما اعترض بين التصريح والتعريض، وما قربت معانيه، وسهل حفظه، وأسرع علوقه بالقلب ولصوقه بالنفس، فأما القذف والإفحاش فسباب محض، وليس للشاعر فيه إلا إقامة الوزن.

ومما يدل على صحة ما قاله صاحب الوساطة وحسن ما ذهب إليه إعجاب الحذاق من العلماء وفرسان الكلام بقول زهير في تشككه وتهزله وتجاهله فيما يعلم:

وما أدري وسوف إخال أدريأقوم آل حصن أم نساء
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»
فإن تكن النساء مخبئاتفحق لكل محصنة هداء

وإن هذا عندهم من أشد الهجاء وأمضه.

ولما قدم النابغة بعد وقعة حسي سأل بني ذبيان: ما قلتم لعامر بن الطفيل وما قال لكم؟ فأنشدوه، فقال: أفحشتم على الرجل وهو شريف لا يقال له مثل ذلك، ولكني سأقول، ثم قال:

فإن يك عامر قد قال جهلاًفإن مطية الجهل السباب
فكن كأبيك أو كأبي براءتصادفك الحكومة والصواب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «فإن يك عامر قد قال جهلاً»
فلا يذهب بلبك طائشاتمن الخيلاء ليس لهن باب
فإنك سوف تحلم أو تناهىإذا ما شبت أو شاب الغراب
للشاعر عامِر بن الطُفَيل، اقرأ القصيدة
فإن تكن الفوارس يوم حسيأصابوا من لقائك ما أصابوا
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «فإن يك عامر قد قال جهلاً»
فما إن كان من سبب بعيدولكن أدركوك وهم غضاب

فلما بلغ عامراً ما قال النابغة شق عليه، وقال: ما هجاني أحد حتى هجاني النابغة، جعلني القوم رئيساً، وجعلني النابغة سفيهاً جاهلاً وتهكم بي! وروى أن شاعراً مدح الحسين بن علي ﵄، فأحسن عطيته، فعوتب على ذلك، فقال: أترون أني خفت أن يقول إني لست ابن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ولا ابن علي بن أبي طالب؟ ولكن خفت أن يقول: لست كرسول الله ﷺ، ولست كعلي، فيصدق ويحمل عنه، ويبقى مخلداً في الكتب، ومحفوظاً على ألسنة الرواة، فقال الشاعر: أنت والله يا ابن رسول الله أعلم بالمدح والذم مني، وقد وقع الحسن بن زيد بن الحسين بن علي في بعض ما قال جده، قال فيه ابن عاصم المديني، واسمه محمد بن حمزة الأسلمي:

له حق، وليس عليه حقومهما قال فالحسن الجميل
للشاعر عبد الله بن مصعب، اقرأ القصيدة
وقد كان الرسول يرى حقوقاًعليه لأهلها وهو الرسول
للشاعر أبو عاصم الأسلمي، اقرأ القصيدة

وجميع الشعراء يرون قصر الهجاء أجود، وترك الفحش فيه أصوب، إلا جريراً فإنه قال لبنيه: إذا مدحتم فلا تطيلوا الممادحة، وإذا هجوتم فخالفوا، وقال أيضاً: إذا هجوت فأضحك. وسلك طريقته في الهجاء سواء علي بن العباس بن الرومي، فإنه كان يطيل ويفحش، وأنا أرى أن التعريض أهجى من التصريح؛

لاتساع الظن في التعريض، وشدة تعلق النفس به، والبحث عن معرفته، وطلب حقيقته، فإذا كان الهجاء تصريحاً أحاطت به النفس علماً، وقبلته يقيناً في أول وهلة، فكان كل يوم في نقصان لنسيان أو ملل يعرض، هذا هو المذهب الصحيح، على أن يكون المهجو ذا قدر في نفسه وحسبه؛ فأما إن كان لا يوقظه التلويح، ولا يؤلمه إلا التصريح؛ فذلك، ولهذه العلة اختلف هجاء أبي نواس، وكذلك هجاء أبي الطيب فيه اختلاف؛ لاختلاف مراتب المهجوين.

فمن التفضيل في الهجاء قول ربيعة بن عبد الرحمن الرقي:

لشتان ما بين اليزيدين في الندىيزيد سليم والأغر ابن حاتم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
فهم الفتى الأزدي إتلاف مالهوهم الفتى القيسي جمع الدراهم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
فلا يحسب التمتام أني هجوتهولكنني فضلت أهل المكارم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة

ومن الاستحقار والاستخفاف قول زياد الأعجم:

فقم صاغراً يا شيخ جرم فإنمايقال لشيخ الصدق: قم غير صاغر
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة
فمن أنتم؟ إنا نسينا من أنتموريحكم من أي ريح الأعاصر؟!!
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة
أأنتم أولى جئتم مع النمل والدبافطار، وهذا شيخكم غير طائر
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة
قضى الله خلق الناس ثم خلقتمبقية خلق الله آخر آخر
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة
فلم تسمعوا إلا بمن كان قبلكمولم تدركوا إلا مدق الحوافر
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

وأخذ الطرماح منه هذا المعنى فقال:

وما خلقت تيم وعبد مناتهاوضبة إلا بعد خلق القبائل

ومن الاحتقار أيضاً قول جرير في التيم:

ويقضى الأمر حين تغيب تيمولا يستأذنون وهم شهود
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا زارت وأهل منى هجود»
فإنك لو رأيت عبيد تيموتيماً قلت: أيهم العبيد؟

ومن مليح التهكم والاستخفاف قول أبي هفان:

سليمان ميمون النقيبة حازمولكنه وقف عليه الهزائم
للشاعر أبو هفان المهزمي، اقرأ القصيدة
ألا عوذوه من توالي فتوحهعساه ترد العين عنه التمائم
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «سليمان ميمون النقيبة حازم»

وفيه يقول ابن الرومي:

قرن سليمان قد أضر بهشوق إلى وجهه سيتلفه
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قرن سليمان قد أضر به»
كم يعد القرن باللقاء؟ وكميكذب في وعده ويخلفه؟
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قرن سليمان قد أضر به»
لا يعرف القرن وجهه، ويرىقفاه من فرسخ فيعرفه
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قرن سليمان قد أضر به»

أخذ معنى البيت الأخير من قول الخارجي وقد قال له المنصور: أي أصحابي كان أشد إقداماً في مبارزتكم؟ فقال: ما أعرف وجوههم، ولكن أعرف أقفاءهم، فقل لهم يدبروا لأعرف.

وأجود ما في الهجاء أن يسلب الإنسان الفضائل النفسية وما تركب من بعضها مع بعض، فأما ما كان في الخلقة الجسمية من المعايب فالهجاء به دون ما تقدم، وقدامة لا يراه هجواً البتة، وكذلك ما جاء من قبل الآباء والأمهات من النقص والفساد لا يراه عيباً، ولا يعد الهجو به صواباً، والناس إلا من لا يعد قلة على خلاف رأيه، وكذلك يوجد في الطباع وقد جاء ما أكد ذلك من أحكام الشريعة.

وقد جمع السيد أبو الحسن أنواع الفضائل وسلبها بعض من رأى ذلك فيه صواباً، فقال:

وخل لا سبيل لصرم حبلهتعرض لي بحتف فرط جهله
ردي الظن لا يأوي لخلقولا يؤوى إليه لسوء فعله
يصدق هاجساً يغري، ويغرىبتكذيب العيان لضعف عقله
ويشنأ كل ذي دين وعلمٍوأصل ثابت لفساد أصله

وكان السيد أبو الحسن في هذا الباب الذي سلكه من الهجاء كما قال ولي إحسانه:

إذا لم تجد بداً من القول فانتصفبحد لسان كالحسام المهند
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
فقد يدفع الإنسان عن نفسه الأذىبمقوله، إن لم يدافعه باليد
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة

ويقال: إن أهجى بيت قاله شاعر قول الأخطل في بني يربوع رهط جرير:

قوم إذا استنبح الأضياف كلبهمقالوا لأمهم: بولي على النار
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ما زال فينا رباط الخيل معلمة»

لأنه قد جمع فيه ضروباً من الهجاء: فنسبهم إلى البخل بوقود النار لئلا يهتدي بها الضيفان، ثم البخل بإيقادها إلى السائرين والسابلة، ورماهم بالبخل بالحطب، وأخبر عن قلتها وأن بولة تطفئها، وجعلها بولة عجوز، وهي أقل من بولة الشابة، ووصفهم بامتهان أمهم وابتذالها في مثل هذه الحال، يدل بذلك على العقوق والاستخفاف، وعلى أن لا خادم لهم، وأخبر في أضعاف ذلك ببخلهم بالماء، وقال محمد بن الحسين بن عبد الله الأنصاري: إنه رماهم في هذا البيت بالمجوسية؛ لأن المجوس لا ترى إطفاء النار بالماء، ولا أدري أنا كيف هذا والبول ماء غير أنه ماء نجس قذر؟ وقيل لبني كليب: ما أشد ما هجيتم به؟ قالوا: قول البعيث:

ألست كليبياً إذا سيم خطةأقر كإقرار الحليلة للبعل
للشاعر البعيث المجاشعي، اقرأ القصيدة
وكل كليبي صحيفة وجههأذل لأقدم الرجال من النعل
للشاعر البعيث المجاشعي، اقرأ القصيدة

وكان النابغة الجعدي يقول: إني وأوساً لنبتدر باباً من الهجاء، فمن سبق منا إليه غلب صاحبه، فلما قال أوس بن مغراء:

لعمرك ما تبلى سرابيل عامرمن اللؤم ما دامت عليها جلودها
للشاعر أوس بن مغراء ، اقرأ القصيدة

قال النابغة: هذا والله البيت الذي كنا نبتدره. والذي أراه أنا على كل

حال أن أشد الهجاء ما أصاب الغرض، ووقع على النكتة، وهو الذي قال خلف الأحمر بعينه.

النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.