من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)
باب الاعتذار
وينبغي للشاعر أن لا يقول شيئاً يحتاج أن يعتذر منه، فإن اضطره المقدار إلى ذلك، وأوقعه فيه القضاء؛ فليذهب مذهباً لطيفاً، وليقصد مقصداً عجيباً، وليعرف كيف يأخذ بقلب المعتذر إليه، وكيف يمسح أعطافه، ويستجلب رضاه، فإن إتيان المعتذر من باب الاحتجاج وإقامة الدليل خطأ، لا سيما مع الملوك وذوي السلطان، وحقه أن يلطف برهانه مدمجاً في التضرع والدخول تحت عفو الملك، وإعادة النظر في الكشف عن كذب الناقل، ولا يعترف بما لم يجنه خوف تكذيب سلطانه أو رئيسه، ويحيل الكذب على الناقل والحاسد، فأما مع الإخوان فتلك طريقة أخرى.
وقد أحسن محمد بن علي الأصبهاني حيث يقول:
العذر يلحقه التحريف والكذبوليس في غير ما يرضيك لي أرب
وقد أسأت فبالنعمى التي سلفتإلا مننت بعفو ما له سبب
وقال إبراهيم بن المهدي للمأمون في أبيات يعتذر إليه:
الله يعلم ما أقول فإنهاجهد الألية من مقر خاضع
ما إن عصيتك والغواة تمدنيأسبابها إلا بنية طائع
وقد سلك أبو علي البصير مذهب الحجة وإقامة الدليل بعد إنكار الجناية، فقال:
لم أجن ذنباً فإن زعمت بأنجنيت ذنباً فغير معتمد
قد تطرف الكف عين صاحبهاولا يرى قطعها من الرشد
ونحوت أنا هذا النحو فقلت:
لا يبعد الله أبا جعفردعابة بت على نارها
وإن تأذيت فيا ربماتأذت العين بأشفارها
وأجل ما وقع في الاعتذار من مشهورات العرب قصائد النابغة الثلاث: إحداهن: يا دار مية بالعلياء فالسند يقول فيها:
فلا لعمر الذي مسحت كعبتهوما هريق على الأنصاب من جسد
والمؤمن العائذات الطير تمسحهاركبان مكة بين الغيل والسند
ما قلت من سيء مما أتيت بهإذاً فلا رفعت سوطي إلي يدي
إذاً فعاقبني ربي معاقبةقرت بها عين من يأتيك بالحسد
إلا مقالة أقوام شقيت بهاكانت مقالتهم قرعاً على الكبد
نبئت أن أبا قابوس أوعدنيولا قرار على زأر من الأسد
والثانية: أرسماً جديداً من سعاد تجنب
يقول فيها معتذراً من مدح آل جفنة ومحتجاً بإحسانهم إليه:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبةوليس وراء الله للمرء مذهب
لئن كنت قد بلغت عني خيانةلمبلغك الواشي أغش وأكذب
ولكنني كنت امرأ لي جانبمن الأرض فيه مستراد ومهرب
ملوك وإخوان إذا ما لقيتهمأحكم في أموالهم وأقرب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهمفلم ترهم في شكرهم لك أذنبوا
فلا تتركني بالوعيد كأننيإلى الناس مطلي به القار أجرب
وذلك أن الله أعطاك سورةترى كل ملك دونها يتذبذب
فإنك شمس والملوك كواكبإذا طلعت لم يبد منهن كوكب
والثالثة: عفا ذو حسي من فرتنا فالفوارع يقول فيها بعد قسم قدمه على عاداته:
لكلفتني ذنب امرئ وتركتهكذي العر يكوي غيره وهو راتع
فإن كنت لا ذو الضغنين عني مكذبولا حلفي على البراءة نافع
ولا أنا مأمون بقول أقولهوأنت بأمر لا محالة واقع
فإنك كالليل الذي هو مدركيوإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقد تعلق بهذا المعنى جماعة من الشعراء: قال سلم الخاسر يعتذر إلى المهدي:
إني أعوذ بخير الناس كلهموأنت ذاك بما نأتي ونجتنب
وأنت كالدهر مبثوثاً حبائلهوالدهر لا ملجأ منه ولا هرب
ولو ملكت عنان الريح أصرفهفي كل ناحية ما فاتك الطلب
فليس إلا انتظاري منك عارفةفيها من الخوف منجاة ومنقلب
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
وإني وإن حدثت نفسي بأننيأفوتك إن الرأي مني لعازب
لأنك لي مثل المكان المحيط بيمن الأرض أني استنهضتني المذاهب
وإلى هذه الناحية أشار أبو الطيب بقوله:
ولكنك الدنيا إلي حبيبةفما عنك لي إلا إليك ذهاب
إلا أنه حرف الكلم عن مواضعه.
واختار العلماء لهذا الشأن قول علي بن جبلة:
وما لامرئ حاولته عنك مهربولو رفعته في السماء المطالع
بلى هارب لا يهتدي لمكانهظلام ولا ضوء من الصبح ساطع
لأنه قد أجاد مع معارضته النابغة، وزاد عليه ذكر الصبح، وأظنه اقتدى بقول الأصمعي في بيت النابغة: ليس الليل أولى بهذا المثل من النهار وفي هذه الاعتراض كلام يأتي في موضعه من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.
وأفضل من هذا كله قول الله تعالى: " يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ".
ووجد الفضل بن يحيى على أبي الهول الحميري فدخل إليه فأنشده:
كساني وعبد الفضل ثوباً من البلىوإيعاده الموت الذي ما له رد
وما لي إلى الفضل بن يحيى بن خالدمن الجرم ما يخشى على مثله الحقد
فجد بالرضا لا أبتغي منك غيرهورأيك فيما كنت عودتني بعد
فقال له الفضل على مذهب الكتاب في تحرير الخطاب: لا أحتمل والله قولك: " ورأيك فيما كنت دعوتني " فقال أبو الهول: لا تنظر أعزك الله إلى قصر باعي، وقلة تمييزي، وافعل بي ما أنت أهله، فأمر له بمال جسيم، ورضي عنه، وقربه.
وفي اشتقاق الأعذار ثلاثة أقوال: أحدهما أن يكون من المحو، كأنك محوت آثار الموجدة، ومن قولهم: اعتذرت المنازل، إذا درست، وأنشدوا قول ابن أحمر:
أم كنت تعرف آيات فقد جعلتأطلال إلفك بالودكاء تعتذر
والثاني: أن يكون من الانقطاع، كأنك قطعت الرجل عما أمسك في قلبه من الموجدة، ويقولون: " اعتذرت المياه " إذا انقطعت. وأنشدوا للبيد:
شهور الصيف واعتذرت إليهنطاق الشيطين من السماء
والقول الثالث: أن يكون من الحجر والمنع ... قال أبو جعفر: يقال " عذرت الدابة " أي جعلت لها عذراً يحجزها من الشراد، فمعنى اعتذر الرجل احتجز، وعذرته: جعلت له بقبول ذلك حاجزاً بينه وبين العقوبة والعتب عليه، ومنه تعذر الأمر احتجز أن يقضى، ومنه جارية عذراء.
النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع