تجاوز إلى المحتوى

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)

باب الاقتضاء والاستنجاز

حسب الشاعر أن يكون مدحه شريفاً، واقتضاؤه لطيفاً، وهجاؤه إن هجا عفيفاً؛ فإن الاقتضاء الخشن ربما كان سبب المنع والحرمان، وداعية القطيعة والهجران، وقوم يدرجون العتاب في الاقتضاء، والاقتضاء في العتاب، وأنا أرى غير هذا المذهب أصوب؛ فالاقتضاء طلب حاجة، وباب التلطيف فيه أجود؛ فإن بلغ الأمر العتاب فإنما هو طلب الإبقاء على المودة والمراعاة، وفيه توبيخ ومعارضة لا يجوز معها بعد الاقتضاء، إلا أن الناس خلطوا هذين البابين، وساووا بينهما.

فمن أحسن الاقتضاء على ما تخيرته، ونحوت إليه قول أمية بن أبي الصلت لعبد الله بن جدعان:

أأذكر حاجتي أم قد كفانيحياؤك؟ إن شيمتك الحياء
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «أأذكر حاجتي أم قد كفاني»
وعلمك بالحقوق وأنت فرعلك الحسب المهذب والسناء
خليل لا يغيره صباحعن الخلق الجميل ولا مساء
فأرضك كل مكرمة بنتهابنو تيم وأنت لها سماء
إذا أثنى عليك المرء يوماًكفاه من تعرضه الثناء
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «أأذكر حاجتي أم قد كفاني»
تباري الريح مكرمة وجوداًإذا ما الكلب أجحره الشتاء

فأنت ترى هذا الاقتضاء كيف يلين الصخر، ويستنزل القطر، ويحط العصم إلى السهل؟؟ ومثله قول الآخر:

لأشكرنك معروفاً هممت بهإن اهتمامك بالمعروف معروف
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
ولا ألومك إن لم يمضه قدرفالشيء بالقدر المحتوم مصروف

وأما ما ناسب قول محمد بن يزيد الأموي لعيسى بن فرخان شاه؛ إذ يقول له مستبطئاً:

أبا موسى، سقى أرضك دان مسبل القطر
وزاد الله في قدرك ما أخملت من قدري
لقد كنت أرجيكلما أخشى من الدهر
فقد أصبحت من أوكد أسبابي إلى الفقر
أترضى لي بأن أرضىبتقصيرك في أمري؟
وقد أفنيت ما أفنيت في شكرك من عمري
مواعيد كما أخبتسراب المهمه القفر
فمن يوم إلى يومومن شهر إلى شهر
فلم أحصل على قيمة ما قلمت من ظفري
لعل الله أن يصنع لي من حيث لا أدري
فألقاك بلا شكروتلقاني بلا عذر
ولا أرجوك في الحالين لا العسر ولا اليسر

فهذا هو العتاب الممض، والتوبيخ الذي دونه الجلد بالسوط، بل بالسيف!! ومما صنعته في العتاب على هذا الشكل بعد اليأس المستحكم على ما شرطته:

رجوتك للأمر المهم وفي يديبقايا أمني النفس فيها الأمانيا
للشاعر ابن رشيق القيرواني، من قصيدة «إذا أقبلت أقعت وإن أدبرت كبت»
فساوفت بي الأيام حتى إذا انقضتأواخر ما عندي قطعت رجائيا
للشاعر ابن رشيق القيرواني، من قصيدة «إذا أقبلت أقعت وإن أدبرت كبت»
وكنت كأني نازف البئر طالباًلإجمامها أو يرجع الماء طافيا
للشاعر ابن رشيق القيرواني، من قصيدة «إذا أقبلت أقعت وإن أدبرت كبت»
فلا هو أبقى ما أصاب لنفسهولا هي أعطته الذي كان راجيا

ومن أملح ما رأيته في الاقتضاء والاستبطاء قول أبي العتاهية لعمر بن العلاء وابن المعتز يسمي هذا النوع مزحاً يراد به الجد، وهو:

أصابت علينا جودك العين يا عمرفنحن لها نبغي التمائم والنشر
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «أصابت علينا جودك العين يا عمر»
سنرقيك بالأشعار حتى تملهافإن لم نفق منها رقيناك بالسور
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «أصابت علينا جودك العين يا عمر»

وكنت أنا صنعت في استبطاء:

أحسنت في تأخيرها منةلو لم تؤخر لم تكن كامله
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
وكيف لا يحسن تأخيرهابعد يقيني أنها حاصله؟؟
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
وجنة الفردوس يدعى بهاآجلة للمرء لا عاجله
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
لكنما أضعف من همتيأيام عمر دونها زائله
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة

والعتاب أوسع حداً من الاقتضاء؛ لأنه يكون مثله بسبب الحاجات، وقد يكون بسبب غيرها كثيراً، والاقتضاء لا يكون إلا في حاجة.

النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.