من «الممتع في صنعة الشعر» لعبد الكريم النهشلي (ت ٤٠٥هـ)
باب في دفاع الشر بالشر
قال:
وإني لآتي الشر حتى إذا دناوحل بداري قلت للشر مرحبا
وأركب ظهر الشر حتى يلين ليإذا لم أجد إلا على الشر مركبا
وقال آخر:
ولا أتمنى الشر والشر باركيولكن متى أحمل على الشر أركب
ولست بمفراح إذا الدهر سرنيولا جازع من صرفه المتقلب
قال الله تعالى: (لكي لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم).
والعرب تتمادح بذلك. ويقال عن أبي مسلم أنه هزم نفيا وستين هزيمة فمارئي عليه كآبة الانهزام، وفتح له مثلها، فما رئي عليه أثر الفرح.
قال:
لا أحسب الشر جاراً لا يفارقنيولا أجر على ما فاتني الودجا
وما نزلت من المكروه منزلةإلا وثقت بأن ألقى لها فرجا
وقال:
إني إذا ما امرؤ خفت نعامتهفي الجهل واستحصدت منه قوى الوذم
عقدت في ملتقى أوداج لبتهطوق الحمامة لا يبلي على القدم
وكان الحارث بن عباد اعتزل حرب بكر وتغلب، وقال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل. فذهبت مثلا. فلما قتل مهلهل بجير بن الحارث. قال الحارث: نعم القتيل قتل. أصلح الله به بين ابني وائل، فقيل له: إنه قال وهو يقتله: بوء بشسع كليب، فغضب وقال:
قربا مربط النعامة منيلقحت حرب وائل عن خبال
لم أكن من جناتها علم اللهولكني بحرها اليوم صالي
قربا مربط النعامة منيإن قتل الكريم بالشسع غالي
لا تحيرا عني قتيلاً ولا رهطكليب تزاجروا عن ضلال
وقال المتنبي:
لي كل طاو تحت طاو كأنهمن الدم يسقى أو من اللحم يطعم
لها في الوغى زي الفوارسفوقها فكل حصان دارع متلثم
وما ذاك بخلاً بالنفوس على القناولكن صدم الشر بالشر أحزم
وقال الفند الزماني:
صفحنا عن بني ذهلوقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجعن قوماً كالذي كانوا
فلما صرح الشروأضحى وهو عريان
شددنا شدة الليثغدا والليث غضبان
ولم يبق سوى العدوان دناهم كما دانوا
بضرب فيه تضجيعوتوهين وإدنان
وطعن كفم الزقغدا والزق ملآن
وفي الشر نجاة حينلا ينجيك إحسان
وبعض الحلم عند الجهل للذلة إذعان
ومما قيل في المكافأة بالشكر أسر حنظلة بن عامر العجلي جويرية بن زيد من بني درام، فقعد العجليون شرباً وهو في الوثاق، فرفع عقيرته يتغنى:
وقائلة ما غاله أن يزورناوقد كنت عن تلك الزيارة في شغل
وقد أدركتني والحوادث جمةمثالب قوم لا ضعاف ولا عزل
لعلهم أن ينطروني بنعمةكما صاب ماء المزن في البلد المحل
وقد ينعش الله الفتى بعد عشرةوقد يهدي إلى الحسنى سراة بني عجل
فأطلقوه بغير فداء.
وقال آخر:
سأشكر عمراً إن تراخت منيتيأيادي لم تمنن وإن هي جلت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقهولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
رأى خلتي من حيث يخفي مكانهاوكانت قذى عينيه حتى تجلت
وقال أبو طالب:
جزى الله رهطاً من لؤي تتابعواعلى ملأ يهدي لحزم ويرشد
قعود لدى جنت الحطيم كأنهممقاولة بل هم أعز وأمجد
هم رجعوا سهل بن بيضاء راضياًفسر أبو بكر بها ومحمد
ألم يأتكم أن الصحيفة مزقتوأن كلاماً لم يرضه الله يفسد
أعان عليها كل صقر كأنهإذا ما مشى في رفرف الدرع أجرد
ويعني سهل بن بيضاء الفهري، وهو الذي سعى في شأن الصحيفة حتى مزقت.
وقال عمارة بن عقيل:
بني دارم إن يفن عمري فقد مضىحياتي لكم مني بناء مخلد
بدأتم وأحسنتم وأحسنت جاهداًوإن عدتم أحسنت والعود أحمد
وقال أبو نجيلة:
شكرت إن الشكر حبل من التقىوما كل من أقرضته نعمة يقضي
فأحييت من ذكرى وما كان ميتاًولكن بعض الذكر أنبه من بعض
وكان أسيد بن عنقاء الفزاري من أكبر أهل زمانه، وأشدهم عارضة ولسانا، وطال عمره ونكبه دهره، فخرج عشية يبتهل لأهله، فمر به عملية
الفزاري، فقال: يا عمرو ما أصارك إلى ما أرى؟. قال: بخل مثلك بماله وصرف وجهي عن مسألة الناس، فقال: والله لئن بقيت إلى غد لأغيرن ما أرى من حالك. فرجع ابن عنقاء إلى أهله، فأخبرهم بقوله، فقالت أمه: غرك كلام جنح ليل، فكأنما ألقمت فاه حجرا، فبات متململا بين رجاء ويأس. فلما كان السحر سمع رغاء الإبل وثغاء الشاء وصهيل الخيل ولجب الأموال. فقال: ما هذا. قالوا: عملية ساق إليك ماله. قال فاستخرج ابن عنقاء وقسم ماله شطرين، فساهمه عليه، فقال ابن عنقاء:
رآني على ما بي عميلة فاشتكىإلى ما له حالي أسر كما جهر
دعاني فآساني ولو ضن لم ألمعلى حين لا بدو يرجى ولا حضر
فقلت له خيراً وأثنيت فعلهوأوفاك ما أبليت من ذم أو شكر
ولما رأى المجد استعيرت ثيابهتردى رداء سابغ الذيل واتزر
غلام وماه الله بالحسن مقبلاًله سيمياء لا تشق على البصر
كأن الثريا علقت فوق نحرهوفي أنفه الشعرى وفي وجهه القمر
إذا قيلت العوراء أغضى كأنهذليل بلا ذل ولو شاء لانتصر
ومما قيل في العتاب. قال يزيد بن الحكم الثقفي:
تكاشرني كرهاً كأنك ناصحوعينك تبدى أن صدك لي دوي
لسانك ماذي وعينك علقموشرك مبسوط وخيرك منطوي
فليت كفافاً كان خيرك كلهوشرك عني ما ارتوى الماء مرتوي
عدوك يخشى صولتي إن لقيتهوأنت عدوي ليس ذاو بمستوي
تصفح من لاقيت لي ذا عداوةصفاحاً وعني بين عينيك منزوي
أراك إذا لم أهو أمراً هويتهولست لما أهوى من الأمر بالهوي
أراك احتويت الخير مني واحتوىأذاك فكل مشتو قرب مجتوي
وكم مواطن لولاي طحت كما هوىبأجرامه من قلة النيق منهوي
إذا ما ابتنى المجد ابن عمك لم تعنوقلت ألا يا ليت بنيايه خوي
وإنك إن قيل ابن عمك غانمشج أو عميد أو أخو مغلة لوي
تملأت من غيظ علي ولم يزل بكالغيظ حتى كدت بالغيظ تنشوي
وما برحت نفس حسود حسبتهاتريبك حتى قيل هل أنت مكتوى
وقال النطاسيون إنك مشعرسلالاً، ألا بل أنت من حسد روي
جمعت وفحشا غيبة ونميةخصالاً ثلاثاً لست عنها بمرعوي
أفحشاً وجنباً واجتناباً عن الندىكأنك أفعى كدية في محجوي
فيدحو بك الداحي إلى كل سوءةفيا سوء من يدحو بأطلس مدحوي
بدا منك غش طال ما قد كتمتهكما كتمت داءً بها أم مدوى
ودخل أبو تمام الطائي على أحمد بن أبي دؤاد، فجلس متقصياً، فقال له أحمد: أحسبك يا أبا تمام عاتباً. فقال: أعزك الله إنما نعيت على واحد، فأما جميع الناس فلا طاقة لي بعتابهم. فاستحسن ظرفه. وقال: من أنزلك هذا؟. فقال: من الحسن حيث يقول:
وليس على الله بمستنكرأن يجمع العالم في واحد
وقال معن بن أوس المزني:
لعمرك ما أدري وإني لأوجلعلى أينا تأتي المنية أول
وإني أخوك الدائم العهد لم أحلأرابك خصم أو نبا بك منزل
أحارب من حاربت من ذي عداوةوأحبس مالي إن غرمت فأعقل
كأنك تشفي منك داء مساءتيوسخطي وما في ريبتي ما تعجل
وإن سؤتني يوماً صبرت إلى غدٍليعقب يوماً منك آخر مقبل
ستقطع بي الدنيا إذا ما قطعتنييمينك فانظر أي كف تبدل
وفي الناس إن رثت حبالك واصلوفي الأرض عن دار الفلا متحول
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدتهعلى طرف الهجران إن كان يعقل
وتركب حد السيف من أن تمضيهإذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل
وكنت إذا ما صاحب أم ظنتيوبدل سوءاً بالذي كنت أفعل
قبلت له ظهر المجن فلم أدمعلى ذاك إلا ريث ما أتحول
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكدإليه بوجه آخر الدهر تقبل
دخل عبد الله بن الزبير على معاوية فقال عبد الله: أتسمع أبياتاً قلتها، وكان واجداً عليه. فقال معاوية: هات فانشده هذه القصيدة المقدمة، فقال له أقلت بعدنا شيئاً؟. قال: نعم. وأنشده القصيدة. فقال معاوية: يا أبا بكر أما ذكرت آنفا ان الشعر لك؟. قال: أنا أصلحت المعاني وهذا ألف الشعر وهو بعد طبري، فلما من شيء فهو لي. وكان عبد الله مسترضعاً في مزينة.
وقال ذو الإصبع العدواني:
لي ابن عم على ما كان من خلقمخالف لي أقليه ويقليني
أزرى بنا أننا شالت نعامتنافخالني دونه بل خلته دوني
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسبعني ولا أنت دياني فتحزوني
ولا تقوت عيالي يوم مسغبةولا بنفسك في الغراء تكفيني
إن الذي يقبض الدنيا ويبسطهاإن كان أغناك عني فهو يغنيني
الله يعلمني والله يعلمكموالله يجزيكم والله يجزيني
ماذا علي وإن كنتم ذوي رحميألا أحبكم إذ لم تحبوني
كل امرئٍ صائر يوماً لشيمتهوإن تخلق أخلاقاً إلى حين
إني لعمرك ما بابي بذي غلقعلى الصديق، ولا خيري بمنون
ولا لساني على الأدنى بمنطلقبالمنكرات، ولا فتكي بمأمون
وفي مثله لقعنب بن أم صاحب:
مهلاً أعاذل قد جربت من خلقيأني أجود لأقوم وإن ضننوا
إذا غلا الحمد في مالي رخصت لهوالحمد لا يشتري إلا له ثمن
ما بال قوم صديق ثم ليس لهمعهد وليس لهم دين إذا ائتمنوا
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاًمني وما سمعوا من صالح دفنوا
مثل العصافير أحلاماً ومقدرةلو يوزنون بزف الريش ما وزنوا
صم إذا سمعوا خيراً ذكرت بهوإن ذكرت بسوءٍ عندهم أذنوا
كل يداجي على البغضاء صاحبهولا يعالنهم إلا كما علنوا
ولن يراجع قلبي ودهم أبداًزكنت منهم على مثل الذي زكنوا
جهلاً علينا وجبناً عن عدوهملبئست الخلتان الجهل والجبن
إذا بطنت أرجي خيرهم ظهرواوإن ظهرت لبقيا فيهم بطنوا
فطانة فطنوها لو تكون لهممروءة أو تقى لله ما فطنوا
ما لي أسكن عن ضب ويشتمنيولو شتمت بني ضب لقد سكنوا
كمدخل رأسه لم يدعه أحدبين القرينين حتى لزه القرن
وما أبالي إذا أنضجت كيهمويدعى الناس ما قالوا هن وهنوا
وقال ابن المعتز:
ألا هل ترون ما أرى من معاشرلهم في حكم يهجر الحق مشتط
يريعون مما راعهم في شبيبتيعلى حين أن ذكيت واشتعل الوخط
ألا إنها أم العجائب فاصطبروإن كنت ما لقيت أمثالها قط
إذا ما رأوا خيراً أبوا وتحملواإلى بنتهم أو إن رأوا شرة حطوا
ألا إن حلمي واسع إن صلحتمبحلمي، وعندي بعده الجدع والحبط
فلا تكثروا شوك الأذى في غضونكمفيكثر مني فيكم الكسر والخرط
وليس لقرباكم وأنتم عققتمعلى السيف يوم الروع عهد ولا شرط
ولا رحم إلا وقد شجبت بكمومزقتموها مثل ما مزق المرط
ستدرس آثار المودة بينناوأرحامها الدنيا كما يدرس الخط
قريبون مني لا تلاؤم بينناونحن بنو عم كما انفرج المشط
كفرتم يدي فيكم فحل عقالهاإلى غيركم لما يشد لها ربط
وما كنت إلا من يد الله معطياألا إنه في كفه القبض والبسط
فهل عندكم عقبى فيرجع محسنهني الرضا، والعفو نائله سبط
وألا ملكت جانبي وعزلتهوكنت كأني ليس لي منكم رهط
وهل عندكم من هذه غير زفرةتصعد منكم في الصدور وتنحط
وإلا وعيد لا يسير جنودهوحيات ضغن في مكامنها رقط
وقال غيره:
ألا أبلغ أبا قيس رسولاًبأني لم أخنك فلا تخني
ولكني طويت الكشح لمارأيتك قد طويت الكشح عني
فلست بمدرك ما فات منيبلهف أو بليت أو لو أني
ولست بآمن أبداً خليلاًعلى شيءٍ إذا لم يأتمني
وصلتك ثم عاد الوصل إنيقرعت ندامة من ذاك سني
فإن أعطف عليك بفضل حلمفما قلبي إليك بمطمئن
غيره:
إلى كم يكون الصد في كل ليلةوكم لا تمليني القطيعة والهجرا
رويدك إن الدهر فيه بلاغةلتفريق ذات البين فانتظر الدهرا
آخر:
أإن سمتني ذلاً فعفت حياضهسخطت ومن يأت المذلة يعذر
فهد أنا مسترضيك لا عن خيانةجنيت ولكن من تجنيك فاغفر
وقال ابن الرومي:
أتاني مقال من أخ فاغتفرتهوإن كان فيما دونه وجه معتب
وذكرت نفسي منه عند امتعاضهامحاسن تعفو الذنب عن كل مذنب
ومثلي رأى الحسنى بعين جليةوأغضى عن العوراء غير مؤنب
فيما هارباً من سخطه متنصلاًهربت إلى أنجى مفر ومهرب
فعذرك مبسوط لدنيا مقدموودك مقبول بأهل وموجب
ولو بلغتني عندك أذني أقمتهالدي مقام الكاشح المتكذب
ولست بتقليب اللسان مصارماًخليلي إذا ما القلب لم يتقلب
وقال نصر بن أحمد الخبرأرزي يعاتب معشوقاً له:
فعالك بي أصحت فؤادي من السكرفلم تبق لي إلا خماراً من الذكر
ولما بدت رايات غدرك خاذلاتوأنجزت لي خيل السلو إلى نصري
ومن لم يطق صبراً على الغيظ يستعنبهجر وبعض الشر يدفع بالشر
كما لا ترى أوفى من الحر في الهوىكذا لا ترى في الغدر أوفى من الحر
أرى الصبر أخطأ من بخيانةوإن كان لا شيء أمر من الصبر
أموت بعز لا أعيش بذلةوعند الملوك القتل أعفى من الأسر
لعمري ما أعرضت عنك تنقصاًلقدرك لكن صنت نفسي على قدري
تراني إلى خير أفر من المنىإلى الناس أو أرضى من الوصل بالهجر
أرى كل حر بحسن العذر بعدهويعفى وما بعد الخيانة من عذر
ظننت بك الحسنى فأفسدك العدىفكيد الأعادي كان أصدق من حذري
وقالوا رأى السكين في الماء فانثنىولست أرى السكين إلا على نحري
سأرعى وإن لم ترع لي حق واجبواحفظ ما واليت في سالف الدهر
ولولا حفاظي لم أكن متداركاًقليل الأيادي بالقليل من الشكر
وكان الرشيد كثيراً ما يستشهد بقول الزبير بن بكار لعبد الله بن مصعب:
وإني وإن قصرت عن غير بغضةلراع لأسباب المودة حافظ
وما زال يدعوني إلى الصرم ما أرىفآبى وتثنيني عليك الحفائظ
وانتظر العتبى وأغضى عن القذىألاين طوراً أمره وأغالظ
وانتظر الإقبال بالود منكموأصبر حتى أوجعتني المغايظ
وجربت ما يسلى المحب عن الصبافأقصرت والتجريب للمرءِ واعظ
وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر يعاتب حسين بن عبد الله، وكان له صديقاً له ثم تنكر ما بينهما:
إن ابن عمك وابن أمكمعلم شاكي السلاح
لا تحسبن إذا ابن عمك شرب ألبان اللقاح
بك كاشحاً تحت اللهاة إذا تسوغ بالقراح
بغض العدو وليس يرضىحين يبطش بالجراح
فانظر لنفسك من يجيبك تحت أطراف الرماح
من لا يزال يسوءهبالغيب أن يلحاك لاح
وقال غيره:
وإذا غنيت علي بت كأننيبالليل مختلس الرقاد سليم
ولقد أردت الصبر عنك فعاقنيعلق بقلبي في هواك قديم
يبقى على حدث الزمن وريبهوعلى جفائك إنه لكريم
وقال الفرزدق:
أسجناً وقيداً واشتياقاً وغربةوفقد حبيب إن ذا لعظيم
وإن امرأ دامت مواثيق عهدهعلى دون ما لاقيته لكريم
وقال الآخر:
أردت لكيما لا ترى لي عثرةومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل
وقال عصام الزماني:
أبلغ أبا مسمع عني مغلغلةوفي العتاب حياة بين أقوام
أدخلت قلبي قوماً لم يكن لهمفي الحق أن يدخلوا الأبواب قدامي
لوعد قبر وقبر كنت أكرمهمقبرا وأبعثهم من منزل الرامي
فقد جعلت إذا ما حاجتينزلت بباب دارك أدلوها بأقوام
وقال بشر بن المغيرة بن المهلب:
جفاني الأمير والمغيرة قد جفاوأمسى يزيد لي قد ازور جانبه
وكلهم قد نال شبعاً لبطنهوشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه
فيا عم مهلاً واتخذني لنبوةتلم فإن الدهر حتم نوائبه
أنا السيف إلا أن للسيف نبوةومثلي لا تنبو عليك مضاربه
وقال الحسن:
إذا ما افترقنا فادر أن لست من ذكرىولا تك في شك كأنك لا تدري
وصني على عمد بعلمك وانسنيولا ترع لي الإحسان يوماً من الدهر
كشفت خبيات الأمور وأدركتيدي فلتات الرأي في أول الأمر
عليك سلام لا يرد رعيتهفإني لا أغضى لخل على غدر
وقال عبد الله بن أبي عيينة يعاتب ذا اليمينين:
أيا ذا اليمينين إن العتاب ليغرىصدوراً ويشفي صدوراً
وكنت أرى أن ترك العتاب خير بأني لنفسي أرضى الحقيرا
وأضمرت النفس في وهمهامن الهم هما يكد الضميرا
ولا بد للماء في مرجلعلى النار موقدة أن تفورا
ومن أشرب اليأس كان الغنيومن أشرب الحرص كان الفقيرا
علام وفيم أرى طاعتيلديك ويضحى لك الدهر بورا
ألم أك بالمصر أدعو البعيد إليك وأدعو القريب العشيرا
ألم أك أول آت أتاكبطاعة من كان خلفي يسيرا
وألزم عذرك في ما قسط الحروب عليها مقيما صبورا
ففيم تقدم حقا لهإليك أمامي ادعاءاً أخيرا
كأنك لم تدر أن الفتىالحمي إذا زار يوماً أميرا
فقدم من دونه قلبهألست تراه بسخط جديرا
أليس ترى أن سف التراب به كان أكرم من أن يزورا
ولست ضعيف المدى والهوىأكون الصبا أو أكون الدبورا
ولكن شهاب فإن ترم بيمهما تجد كوكبي مستنيرا
فهل لك في الإذن لي راضياًفإني أرى الإذن غنماً كبيرا
وكان لك الله فيما ابتغيتله من جهاد وليا نصيرا
ولا جعل الله في دولةسبقت إليها وربح فتورا
فإن ورائي لي مذهبابعيداً من الأرض قاعا وقورا
به الضب تحسبه بالفلاة إذا خفق الآل فيها بعيرا
ومالاً ومصراً على أهلهيد الله من حائز أن يحورا
وإني لمن خير سكانهوأكثرهم بنفيري نفيرا
وقالوا شدة الحجاب سبب العقاب. وكان يقال حاجب الرجل حارس عرضه. وقال الأمويين لقد رأيت قوماً يضربوننا بالسيوف، وما لنا إليهم ذنب إلا شدة الحجاب. وقال عتبة بن أبى سفيان: يا بني آمنة ليكن حجابكم أعقل الناس، فانه طالما شرعت في وجوهنا يوم صفين رماح قوم ليس لنا إليهم ذنب إلا ذل الحجاب.
وقال ابن المهلب لأخيه حين وجهه إلى خراسان: استغفل الحاجب واستطرف الكاتب.
وقال الأوزاعي: يهلك السلطان بالإعجاب والاحتجاب. قال الشاعر:
اعلم إن كنت تجهلهأن وجه المرء حاجبه
فيه تبدو محاسنهوبه تبدو معايبه
وقال آخر:
إنا لقينا حجاباً منك أرمضنافلا يكن ذلنا فيه لك الغرضا
في هذه الدار في الحجاب علىهذا السرير العز فانقرضا
ابن الرومي:
وكم حاجب عضبان كاسر حاجبرمى الله منه ذلك الكسر بالكسر
فلو حجبوني من شريعة جدولصبرت ولكني حجبت عن البحر
وقال علي بن بسام:
إني أتيتك زائراً ومسلماًولكني أقوم ببعض حق الواجب
فإذا نبا بك حاجب متجهمفعمود بابك في حرام الحاجب
ومتى رأيتك راضياً بفعالهفتمام بابك في حرام الصاحب
آخر:
أبا جعفر إن الولاية إن تكنمنبلة قوماً فأنت لها نبل
فلا ترتفع عنا بشيءٍ وليتهكما لم يصغر عندنا شأنك العزل
وقال آخر:
أبا جعفر عرج على خلطائكاوأقصر قليلاً عن مدى غلوائكا
فإن تك في ذا اليوم قد نلت رفعةفإن رجائي في غد كرجائكا
وكتب ابن أبي عيينة إلى صديق:
أتيتك زائراً لقضاء حقفحال الستر دونك والحجاب
ولست بساقط في قدر قومٍوإن كرهوا كما يقع الذباب
وقال آخر:
على باب ابن منصورعلامات من النبل
جماعات وحسب المال نبلاً كثرة الأهل
وقال:
أبيض وضاح يلوح نورهلندى يديه رفعت ستوره
وقال عمارة بن عقيل في خالد بن يزيد:
تأبى خلائق خالدٍ وفعالهألا يخيب كل أمر عاتب
وإذا حضرنا الباب عند غدائهأمر الغداء لنا برغم الحاجب
فأمر له بألف دينار.
وقال ابن هرمة:
سمح إذا نزل الوفود ببابهسهل الحجاب مؤدب الخدام
وإذا رأيت صديقه وشقيقهلم تدر أيهما أخو الأرحام
وقال الحمداني في الحسين بن أيوب والي البصرة:
قل لابن أيوب قد أصبحت مأمولالا زال بابك مغشياً ومأهولا
إن كنت في عطلة. فالعذر متصلفصل إذا كنت بالسلطان موصولا
شر الأخلاء من ولى قفاه إذاكان المولى وأبدى البشر معزولا
من لم يسمن جواداً كان يركبهفي الخصب قام به في الجدب مهزولا
افرغ لحاجتنا مادمت منشغلاًلو قد فرغت لقد ألفيت مبذولا
آخر:
فلا تعتذر بالشغل عنا فإنماتناط بك الآمال ما اتصل الشغل
وتشاغل بعض الولاة عن صديق فاعتذر بشغله فقال له: لولا الشغل ما أتيتك.
وقال ذو الرياستين لثمامة بن اشرس ما أدري كيف أصنع في كثرة طلاب الحوائج، وغاشية الباب؟. قال: أنزل عن موضعك، على ألا يلقاك أحد. قال: صدقت. وقعد لهم.
وقال آخر:
إنما تحمد إذ تفرغفي حين اشتغالك
لو تفرغت من الشغلاستوينا في المسالك
جاء إبراهيم بن المهدي إلى يحيى بن خالد فحجب عنه، فكتب إليه:
إني أتيتك للسلام ولمأنقل إليك لغيرة رجلي
فحجبت دونك مرتين وقدتشتد واحدة على مثلي
وقيل ليحيى بن خالد: غير حاجبك. قال: فمن يعرف إخواني القدماء؟.
وقال محمود الوراق:
وبني الملوك حصونهم فتحصنوامن كل طالب حاجة أو راغب
عالوا بأبواب الحديد لعزهاوتتوقوا في فتح وجه الحاجب
فإذا تلطف للدخول عليهمعاف تلقوه بوعد كاذب
واطلب إلى ملك الملوك ولا تكنبادي الضراعة طالبا من طالب
وجد في ميل بطريق مكة:
ألا يا طالب الدنيادع الدنيا لشانيكا
إلى كم تطلب الدنياوظل الميل يكفيكا
وقال أبو العنبس الصيمري في ابن المدبر:
وسل الذي عطف الأعنة بالمواكب نحو بابك
وأراك تقبل مالكاًما لم يكن لك في حسابك
وأذل من فعل الفرير على وقوفي في رحابك
ألا تطيل تجرعيغصص المنية من حجابك
وقال آخر:
صحبتك إذ أنت لا تصحبوإذ أنت لا غيرك الموكب
وإذ أنت تفرح بالزائرينومشيك أضعاف ما تركب
وإذ أنت تكثر ذم الزمان ونفسك نفسك تستحجب
وقال:
ليس عتاب الناس للمرءِ نافعاًإذا لم يكن للمرء لب يعاتبه
آخر:
فدع العتاب فرب شرهاج أوله العتاب
ويروى عن أوس بن حارثة أنه كان فيما قال لابنه: يا مالك العتاب قبل العقاب والمنية ولا الدنية.
وقال بعض الوزراء لعامل قبيح الأثر عزله ثم أعاده إلى عمله إنا امتحناك فما طاب خبرك، ولا حسن أثرك، ولا ساعدك رجاء، ولا تبعك ثناء. ما نقصناك ثغرك ثم لا يتبع فيه نظر لا استقصاء معه، ثم أطافت الرعاية بك، وعطفت التقيا عليك، فاستأنفنا اصطناعك، ورددنا إليك عملك، فقابل الإنعام بأحسن شكرك، والنعمة بأوفر نصحك إن شاء الله.
وقال أبو الطبيب المتنبي يعاتب علي بن حمدان:
يا أعدل الناس إلا في معاملتيفيك الخصام وأنت الخصم والحكم
أعيذها نظرات منك صادقةأن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وما انتفاع أخي الدنيا بناظرهإذا استوت عنده الأنوار والظلم
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبيوأسمعت كلماتي من به صمم
يا من يعز علينا أن نفارقهوجداننا كل شيءٍ بعدكم عدم
ما كان أخلقنا منكم بتكرمةلو أن أمركم من أمرنا أمم
إن كان سركم ما قال حاسدنافما لجرح إذا أرضاكم ألم
وبيننا لو رعيتم ذاك معرفةإن المعارف في أهل النهى ذمم
كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكمويكره الله ما تأتون والكرم
ما أبعد العيب والنقصان من شرفيأنا الثريا وذان الشيب والهرم
ليت الغمام الذي عندي صواعقهيزيلهن إلى من عنده الديم
إذا ترحلت عن قوم وقد قدرواألا نفارقهم فالراحلون هم
شر البلاد بلاد لا صديق بهاوشر ما يكسب الإنسان ما يصم
وشر ما قنصته راحتي قنصشهب البزاة سواء فيه والرخم
بأي لفظ تقول الشعر زعنفةتجوز عندك لا عرب ولا عجم
هذا عتابك إلا أنه مقةقد ضمن الدر إلا أنه كلم
وقال آخر في ترك العتاب:
فأقسم ما تركي عتابك عنقلبي ولكن لعلمي أنه غير نافعي
وإني إذا لم ألزم الصبر طائعاًفلا بد منه مكرهاً غير طائع
ولو أن ما يرضيك عندي ممثللكنت لما يرضيك أول بائع
إذا أنت لم ينفعك إلا شفاعةولا خير في ود يكون بشافع
وقال الفضل بن عتبة بن أبي لهب لبني العباس:
مهلاً بني عمنا عن نحت أثلتنامهلاً بني عمنا مهلاً موالينا
الله يعلم أنا لا نحبكمولا نحبكم إذ لا تحبونا
كل له نية في بغض صاحبهبنعمة الله نعنيكم وتعنونا
لا تحسبوا أن تهينونا ونكرمكموأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا
وقال آخر في الشناءة:
أطل حمل الشناءة لي وبغضيوعش ما عشت فانظر من تضير
فما بيديك خير أرتجيهوغيرك صدودك الخطب الكبير
ألم تر أن شعري سار عنيوشعرك حول بيتك ما يسير
إذا أبصرتني أعرضت عنيكأن الشمس من قبلي تدور
وقال:
وفينا وإن قيل اصطلحنا تضاغنكما طر أوتار الحراب على الشر
إذا ما رآني ظل كاسر عينهولاحق بالبغضاء والنظر الشزر
آخر:
لقد زادني حبا لنفسي أنني بغيضإلى كل امرئٍ وغير طائل
وأني شقي باللئام ولن ترىشقياً بهم إلا كريم الشمائل
وقال جميل:
إذا ما رأوني طالعاً من ثنيةيقولون من هذا وقد عرفوني
آخر:
ولقد بدا لي أن قلبك ذاهلعني وقلبي لو بدا لك أذهل
كل تحامل وهو يخفى بغضهإن الكريم على القلى يتحمل
وقال بعض المولدين:
سأترك ما بيني وبينك واقعاًفإن عدت عدنا والإخاء سليم
ولو قد خبرت الناس حق اختبارهمرجعت إلى وصلي وأنت ذميم
النص من طبعة منشأة المعارف بالإسكندرية، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع