من «الممتع في صنعة الشعر» لعبد الكريم النهشلي (ت ٤٠٥هـ)
باب في الشعر التياط بالقلوب
ومدخل لطيف إلى النفوس، وسلم محتضر إلى الأوهام، ومعز شاف، وواعظ ناه، ومعقل يأوى إليه المحروب، ويسكن إليه المحزون، ويتسلى به المهموم. قال لبيد بن ربيعة وكان جواداً، وكان ابنه قريط أبو حنيف يلومه على ذلك، فقال له:
أنبئت أن أبا حنيفلا مني في اللائمينا
ابني هل أحسست أعماميبني أم البنينا
وأني الذي كان الأراملفي الشتاء له قطينا
الفتية البيض المخالصأخلصوا حرما ولينا
ما إن رأيت ولا سمعتبمثلهم في العالمينا
فلئن بعثت لهم بغاةما البغاة بواجدينا
فبقيت بعدهم وكنتبطول صحبتهم ضنينا
وإذا دفنت أباك فاجعلفوقه خشباً وطينا
ليقين وجه أبيك سفسافالتراب ولن يقينا
وقال الحارث بن حلزة:
من حاكم بيني وبينالدهر جار علي عمدا
أود لسادتنا وقدتركوا لنا خلفاً وجردا
فلو أن ما يأوي يصيبمن بني ثهلان فندا
أو رأس رهوة أو رؤوسشمارخ لهددن هدا
فضعي قناعك إن رأيتالدهر قد أفنى معدا
الفند القطعة من الجبل.
وقال علي بن أبي طالب لما مات الأشتر: (تالله مالك لو كان من جبل كان فنداً، أو كان من حجر كان صلدا على مثل مالك، فلبيك البواكي).
وقال لبيد:
فإن أنت لم تصدقك نفسك فانتسبلعلك تهديك القرون الأوائل
فإن لم تجد من دون عدنان والداًودون معد فلتزعك العوازل
وقتل نصر بن بشر بن أبي أرطأة العامري عمرو بن أراكة، وكان خليفة عبيد الله بن عباس على النمر أيام علي ﵁، فجزع عليه أخوه جزعاً شديداً، فقال أبوه:
لعمري لئن اتبعت عينك ما مضىبه الدهر أو ساق الحمام إلى القبر
لتستدر فإن كان البكارد هالكاًعلى أهله فاشدد يديك على عمرو
ولا تبك ميتا بعد ميت أحبهعلي وعباس وآل أبي بكر
﵃، فتغرب عنه لما سمع الأبيات.
وكان سبب قتل عمرو بن أراكة الثقفي أن معاوية أرسل بشر بن أرطأة إلى اليمن ليقتل شيعة علي ﵁، وقال له: لا إمرة لك على قيس، فسار حتى أتى المدينة. فقتل بها ابني عبيد الله بن عباس، وكانا عند جدتهما من بني كنانة، ويقال من بلحارث بن كعب. أخذتهما من تحت ذيلها، فقتلهما فقالت:
يا من أحس بابني اللذين هماسمعي وطرفي اليوم مختطف
يا من أحس بابني اللذين هماكالدرتين تسطى عنهما الصدف
يبيت برا وما صدقت ما زعموامن قولهم، ومن الإفك الذي اقترفوا
أنحى علي ووجى طفلي مرهفةمشحوذة وعظيم الإفك يقترف
من ذل والهة حرى مفجعةعلى صبيين بانا إذ مضى السلف
وفر أهل المدينة منه فدخلوا حرة بني سليم، ومضى إلى اليمن، فقتل وسبى. قال العتبي: مات لي بنون، فمنعني شدة الوجد بهم من البكاء عليهم فذكرت قول ذي الرمة:
خليلي عوجا من صدور الرواحلبجمهور حزوى فابكيا في المنازل
لعل انهمال الدمع يعقب راحةمن الوجد أو يشفى نجي البلابل
فحنيت فبكيت وشكوت.
ومن شعر العتبي في بيته:
ينام المسعدون ومن يلوموتوقظني وأوقظها الهموم
صحيح بالنهار لمن رآنيوليلى لا ينام ولا ينيم
كأن الليل محبوس دجاهفأوله وآخره مقيم
لمهلك فتية تركوا أباهموأصغر ما به منهم عظيم
يذكرنيهم ما كنت فيهفسيان المساءة والنعيم
فبالخدين من دمعي ندوبوبالأحشاء من وجدي كلوم
فإن تهلك بني فليس شيءٌعلى شيءٍ من الدنيا يدوم
وقال الفرزدق:
ألم تر أني يوم جو سويقةبكيت فنادتني هنيدة مابيا
فقلت لها إن البكاء لراحةبه يشتفي من ظن أن لا تلاقيا
النص من طبعة منشأة المعارف بالإسكندرية، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع