من «الممتع في صنعة الشعر» لعبد الكريم النهشلي (ت ٤٠٥هـ)
باب احتمائهم بالشعر وذبهم به عن الأعراض
كانت العرب لا تعدل بالشعر كلاماً، لما يفخم من شأنهم، ويبهى من ذكرهم. قال بعضهم:
فإني لذو مرة مرةإذا ركبت حاله حالها
أقدم بالزجر قبل الوعيدلينهى القبائل جهالها
وقال جرير:
ابني حنفية أحكموا سفهاءكمأني أخاف عليكم أن أغضبا
ابني حنيفة إنني إن أهجكمأدع اليمامة لا تواري أرنبا
قوله: أحكموا أي امنعوا، ومنه حكمه اللجام.
وقال جرير:
وعاو عوى من غير شيءٍ رميتهبقافيةٍ أنفاذها تقطر الدما
خروج بأفواه الرجال كأنهاقرى هندواني إذا هز صمما
الأنفاذ: الجراح الواسعة
هم الفرزدق بهجاء عبد القيس فبلغ ذلك زيادة الأعجم، وهو من عبد القيس فبعث إليه لا تعجل، وأنا أهدى إليك هدية، فانتظر الفرزدق الهدية فجاء من عنده:
وما ترك الهاجون لي أن هجوتهمصحاً أراه في أديم الفرزدق
ولا تركوا عظماً يرى تحت لحمهأكاسر ما أبقوه للمتعرق
سأكسر ما أبقوا له من عظامهوأنكت مخ الساق منه وانتقى
فإنا وما تهدي لنا أن هجوتنالكالبحر مهما تلق في البحر يغرق
هذا كقول الفرزدق:
ما ضر تغلب وائل أهجوتهاأم بلت حيث تناطح البحران
وقال:
وهل يضر البحر أمسى زاخراإن رمى فيه غلام بحجر
فلما بلغه الشعر قال: ليس لي إلى هجاء هؤلاء سبيل ما تبقى هذا العبد. وكان زياد هجاء
شديد العارضة.
المتعرق: الذي يأخذ اللحم عن العظم.
وهجا رجل من بني حرام الفرزدق فجاء به قومه إليه يقودونه. فقال الفرزدق:
ومن يك خائفاً لأذاة شعريفقد أمن الهجاء بنو حرام
هم قادوا سفيههم وخافواقلائد مثل أطواق الحمام
وقال سحيم بن وثيل الرياحي:
إن علالتي وجراء حوليلذو شق على الضرع الظنون
أنا ابن جلا وطلاع الثنايامتى أضع العمامة تعرفوني
فإن مكاننا من حميريمكان الليث من وسط العرين
وإني لا يعود إلي قرنيغداة الغب إلا في قرين
بذي لبد يصد الألف عنهولا تؤتى فريسته لحين
عذلت البزل إذ هي خاطرتنيفما بالي وبال ابني لبون
وماذا يدري الشعراء منيوقد جاوزت حد الأربعين
أخو خمسين مجتمعاً أشديونجذني مداورة الشؤون
كريم الخال من سلفي رياحكنصل السيف وضاح الجبين
فإن قناتنا مشظ شظاهاشديد مدها عنق القرين
سأحيى ما حييت وإن ظهريلمستند إلى نضدٍ أمين
العلالة: الجري بعد الجري، والجراء: المجاراة، والشق: المشقة والضرع: الضعيف الغمر، والظنون: الذي لا يوثق بما عنده. وابن جلا على الحكاية كقولك: جلا الأمر أي انكشف، ورياح: أبوهم والعرين: أكمة الأسد. ويقال للشيخ إذا جرب واحتنك منجذ، ومداودة: مزاولة، والمشظ: الخشن الشديد، والشظا ما تشظى منها أي تكسر.
هجا الأحوص بن محمد الأنصاري رجلا من الأنصار يقال له ابن بشر، وكان كثير المال، فخرج حتى قدم على الفرزدق، فأهدى إليه وألطفه، فقال له: ما أقدمك؟ قال: مستجيراً بالله ثم بك من رجل هجاني. قال: قد أجارك الله عنه ألست من الأنصار؟. قال: بلى. قال: فأين الأحوص منك؟. قال: هو الذي هجاني. فأطرق الفرزدق ساعة ثم قال: أليس هو الذي
يقول:
ألا قف برسم الدار واستنطق الرسمافقد هاج أحزاني وذكرني نعمى
قال: بلى. قال: ما كنت لأهجو رجلا هذا شعره. فخرج الأنصاري، فأتى جريراً بهدايا أخر. فقال: ما أقدمك؟. قال: جئت مستجيرا بالله ثم بك من رجل هجاني قال: قد أجارك الله وكفاك. أين أنت من ابن عمك الأحوص بن محمد؟. قال: هو الذي هجاني فأطرق ساعة وقال: أليس الذي يقول:
تمشي بشتمي في أكاريس ملكهيسي به كالكلب إذ ينبح النجما
قال: بلى. قال: والله لا أهجو شاعراً هذا شعره. قال: فاشترى من تلك الهدايا وأتى الأحوص، فأهداها إليه وصالحه.
قال أبو عبيدة: قيل لبني كليب رهط جرير: ما أشد ما هجيتم به؟ قالوا: قول البعيث:
ألست كليباً كلما سيم خطةأقر كإقرار الحليلة للبعل
وكل كليبي صحيفة وجههذل لأقدام الرجال من النعل
وقال آخر:
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيهومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه
وقال العباس بن الوليد بن عبد الملك لمسلمة عمه:
ألا يغني الحياء أبا سعيدويقصر عن ملاحاتي وعذلي
فلولا أن أصلك حين ينميوفرعك منتهى فرعي وأصلي
وأني إن رميتك هيض عظميونالتني إذا نالتك نبلي
لقد أنكرتني إنكار خوفٍيضم حشاك عن شمي وأكلي
كقول المرء عمرو في القوافيوقيس حين حالفه كل عدل
عذيرك من خليك من مرادأريد حياته ويريد قتلي
أخذ قوله:
وإني إن رميتك
من قول الحارث بن وعلة:
قومي هم قتلوا أميم أخيفإذا رميت أصابني سهمي
فلئن عفوت لأعفون جللاًولئن سطوت لأوهنن عظمي
ومثله لقيس بن زهير العبسي:
شفيت النفس من حمل بن بدروسيفي من حذيفة قد شفاني
فإن أك قد شفيت بهم غليليفلم أقطع بهم إلا بناني
وعمرو الذي ذكر هو عمرو بن معدى كرب الزبيدي، وقيس بن مصوح المرادي، وكانا متباغضين في الإسلام يناقض بعضهما بعضا. وكان علي بن أبي طالب يتمثل ببيت عمرو الذي ضمنه العباس وهو:
أريد حياته ويريد قتليعذيرك من خليلك من مراد
كلما أبصر ابن ملجم.
النص من طبعة منشأة المعارف بالإسكندرية، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع