تجاوز إلى المحتوى

من «الممتع في صنعة الشعر» لعبد الكريم النهشلي (ت ٤٠٥هـ)

باب البيان

والمنة لله ﷿ في هذا البيان الذي جعل اللسان به دليلا عليه، وهاديا إليه، ومعربا عن المعرفة به خادما للقلوب، ومترجما عن نتائج العقول، ومطهراً للحكم. قالت الفلاسفة: اللسان خادم للقلب. وقالت العرب: لسان المرء كاتب قلبه إذا أملى عليه شيئاً أبانه. وقال حبيب:

ومما كانت العلماء قالتلسان المر من خدم الفؤاد

وقال حمزة بن حمزة للنعمان بن المنذر: المرء بأصغريه، فؤاده ولسانه إن نطق نطق ببيان وإن صال صال بجنان.

وقال أبو يعقوب أسحق الخريمي:

وخلجة ظن يسبق الصرف حزمهاتشيف على غنم وتمكن من ذخل
صدعت بها والقوم فوضى كأنهمبكارة مرباع تبصبص للفحل
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة

وقال العتابي: (إن اللسان رسول العقل إلى السامعين، وأداته التي يجمع بها بين متفرق الحكمة، ويفرق بين قرائن الشبهات، وأفضل بيان العرب وأفصحه ما أداه عنها الشعر الجاري على ألسنتها بالبلاغة المحكمة، والحكمة المتقنة الباقية، مضمناً حكمتها وسائر أمثالها شاهدا على أحسابها وكريم

أفعالها، مخبرا عن مروءاتهم في سالف أيامهم، وعن محمود خلائقهم، وجميل وفائهم، ليتأدب غابرهم بفعل فارطهم، وليقتدي متعلمهم من الأبناء بسالف من تقدمهم من الآباء). ولذلك قال الأعشى لشريح بن عمران بن السموأل بن عادياء يذكره وفاء أبيه ليتأول ذلك فيه وقد أسره بعض الملوك من قضاعة، ونزل به تيماء على شريح بن السموأل)

كن كالسموال إذ طاف الهمام به في جحفل) (الأبيات). وقد تقدمت قبل هذا في ذكر من وفى لجاره.

وقال أحيحة بن الجلادح، وكان سيداً يصلح المال ويعم بمروءته، ويستعين بذلك على ما ينويه من الحق:

إني مقيم على الزوراء أعمرهاإن الكريم على الإخوان ذو مال
لها ثلاث بيار في جوانبهاوكلها عقب تسقى بإقبال
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «استغن أو مت ولا يغررك ذو نشبٍ»
استغن أو مت ولا يغرك ذو حسبمن ابن عم ولا عم ولا خال

وكان يقال: التمرة إلى التمرة تمر، كما يقال: الذود إلى الذود إبل. وهو الذي يقول:

أطعن العرس في الشهوات حتىأصارتني أسيفاً عبد عبد
إذا ما جئتها قد بعت عذقاًتعانق أو تقبل أو تفدى
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «إذا ما جئتها قد بعت عذقاً»
فمن وجد الغنى فليصطنعهذخيرته ويجهد كل جهد

وقال بعض الحكماء: لأن يجمع الرجال مالا فيخلفه بعد موته لأعدائه خير من الحاجة في حياته إلى أصدقائه. وكتب علي ﵁ إلى سلمان الفارسي ﵁ أما بعد فإنما مثل الدنيا مثل الحية لين ملمسها، شديد سمها، فاعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها، وكن أس ما تكون بها أحذر ما تكون لها، فان صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته منها إلى محذور. والسلام).

وقال بعضهم:

مروة معسر عف قنوعيقدر في معيشته ويمسك
تزيد على مروة كل مثريروح ويعتدي جم التملك
وأكثر من سخائك بالعطاياسخاء النفس عما ليس تملك
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «مروءة معسر عف قنوع»

قال الزبير بن بكار الزبيري: دخل الوليد بن عبد الملك إلى المسجد، فركب معه الاحوص بن محمد الشاعر، فأتى مسجد العصبية فلما صلى قال الاحوص: أين الزوراء التي يقول فيها صاحبكم: أني مقيم على الزوراء... البيت

فأشار إليها: هي تلك لو طولت لاستعربت سالماً عليها. قال الوليد: إن أبا عمرو كان يراه غنيا بها فعجب الناس يومئذ لأدب الوليد أن عنى بالعلم علم كنية أحيحة بن الجلاح

وفي أحيحة يقول بعضهم:

رأيت أبا عمرو أحيحة جارهيبيت قرير العين غير مروع
فمن يأته من خائف يس خوفهومن يأته من جائع البطن يشبع
خلائق في الجلاح كانت كريمةفأكرم به من ذي خصائل أربع

قال وكيع بن الحجاج: مات سفيان الثوري رحمة الله عليه وله مائة وخمسون ديزا بضاعة.

قال القارياني لولا هذه لتمندل القوم بنا تمندلا.

وقال سعيد بن المسيب: لا خير فيمن لا يجمع المال فيقضي دينه، ويصل رحمه ويكف وجهه، ويترك دنانير. فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجمعها إلا لأصون بها حسبي وديني.

وقال سعد بن عبادة: اللهم هب لي حمداً ومجداً، فلا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال، اللهم لا يصلحني القليل ولا يصلح عليه.

وقال الأحنف:

فلو مد سروي بمال قليللجدت وكنت له باذلا
فإن المروءة لا تستطاع إذا لم يكن مالها فاضلا

وكان الأحنف يبخل. وقال: يبخلونني وأنا أشير عليكم بالرأي يسوى عشرين ألف درهم. قالوا له: تقويمك الرأي غاية البخل.

حكى العتبى قال: كان أخوان من الشام أحدهما أيسر من الآخر، فقال أحدهما للآخر: يا أخي لو تزوجت، لعل الله أن يجعل منك خلفا؟ ففعل، فكان الذي لم يتزوج يسافر، ويترك أخاه المتزوج، وأن المرآة عشقت ذلك الأخ، فقالت لزوجها: أتدري ما يقول الجيران؟. قال: لا قالت: يقولون لا جزى الله فلانا عن بيته خيراً، يقعد مع أهله ويتركه يقلب في المهالك؟. قال: صدق الجيران. فلما عاد قال له أخوه: إني أريد الخروج في تجارتك. قال: لم؟ أفكرت شيئاً؟. قال: لا ولكني أردت أعقبك.

فلما خرج تهيأت ثم أتته فعرضت عليه نفسها، فلم يزل يعظها ويذكر محاسن أخيه ومساوئ نفسه حتى انصرفت، ثم عادت إليه بعد. فلما أكثرت قال لها: لتنتهين أو لأكتبن إلى أخي. فتركته وقدم أخوه، فقال: يا أخي كيف رأيت أهلي؟ فقال في نفسه: قد عصم الله ولا أفسد على أخي أهله. فقال: خير أهل. فأتاها وقد ظنت أنه قد أخبره، فقال: كيف رأيت أخي. قالت: ما زال أخوك يراودني عن نفسي فعصيت، فغضب وحلف بالمحرمات لا يكلمه أبداً ما عاش، وخرجا حاجين، فهلك الأخ الأعزب بوادي الدوم، فكأنما هلك به جمل. فلما رجعوا مروا بذلك الوادي فسمعوا صارخا يقول:

أجدك تمضي الدوم ليلاً ولا ترىعليك لأهل الدوم أن تتكلما
وبالدوم ثاوٍ لو ثويت مكانهلمر بوادي الدوم حياً وسلما

فظنت المرآة أن المنادى من السماء فقالت: يا فلان هذا مقام العائذ، إنه كان من قصتنا كيت وكيت. فقال: والله لو حل قتلك لقتلتك. ففارقها وضرب على قبره خيمة، وانشأ يقول:

هجرتك في طول الحياة وأبتغيكلامك لما صرت رمساً وأعظما
ذكرت ذنوباً منك كنت اجترمتهاأنا منك فيها كنت أسوا وأظلما

فلم يزل مقيما على قبره حتى مات، فدفن إلى جنبه. قال العتبى: فسألت الشاميين فعرفوه.

والعرب تضرب المثل بجار هلال بن كعب بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم فبينما الصبيان يلعبون في مستنقع ماء لهم ويتغاطون إذ غطوا ابن أبى دؤاد، فمات في ذلك الغطاط فقال أبو دؤاد:

ألم تر أنني جاورت كعباًوكان جوار بعض القوم غيا
فأبلوني بليتكم لعليأصالحكم وأستدرج نويا

يريد نواى، فلما سمع بذلك هلال أمر بنيه فأخرجوه إلى نادى قومه فقال: ولا والذي يحلف به لا يبقى غلام شهد ابن أبى دؤاد حتى يرضى، فمشوا إلى ابن أبى دؤاد فأعطوه حتى رضي. وكان هلال قال له: احتكم حكم الصبي على أهله - وحكم الصبي أن يطلب ما لا يوجد. قال الشاعر:

ولا تحكما حكم الصبي فإنهكثير على ظهر الطريق مجاهله

وكان أبو سفيان بن حرب إذا نزل به جار قال: يا هذا إنك قد اخترتني جاراً واخترت دارى دارا، فجناية يدك على دونك، وأن جنت عليك يد فاحتكم علي حكم الصبي على أهله.

والعرب تضرب المثل في الجود فتقول: أجود من كعب. وهو كعب بن مامة الإيادي، وكان من جوده أنه خرج في ركب منهم رجل من النمر بن قاسط: فضلوا، فتصافنوا مالهم أي اقتسموه بالحصاة، فجعل النمري يشرب نصيبه فإذا أصاب كعبا نصيبه قال: أعط أخاك النمري يصطبح فيؤثره حتى أضر به العطش، فلما رأى ذلك استحث راحلته وبادر حين رفعت له أعلام الماء فقيل: رد كعب إنك وراد

فغلبه العطش، ولم يقدر على النهوض، فلما رأوا ذلك خيلوا عليه بثوث يمنعه من السبع أن يأكله، فمات هناك. فقال مامة يبكيه:

ما كان من سؤدد أسقي على ظلماخمراً بماءٍ إذا ناجودها بردا
من ابن مامة كعب ثم عي بهزو المنية إلا حرة وقدا
أوفى على الماء كعب ثم قيل لهرد كعب إنك وراد فما وردا
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

وقال امرؤ القيس يذكر الجوار:

يا ثعلا وأين مني بنو ثعلألا حبذا قوم يحلون بالحبل
نزلت على عمرو بن ذرماء بيتهفأكرم ما جار وأحسن ما محل
يظل لبونى بين جود مسطحبراعي الفراخ الدارجات من الخجل
فما زال منها معشر بقسيمهميذودونها حتى أقول لهم عسل
وأبلغ معدا والعباد وطيساًوكندة أنى شاكر لبنى ثعل

وقال قيس بن زهير - وضرب المثل بجار أبي دؤاد:

ألم يأتيك والأنباء تنميبما لاقت لبون بني زياد
ومحبسها لدى القرشي تشرىبأدراع وأسياف حداد
كما لاقيت من حمل بن بدرواخوته على ذات الاصاد
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «ألم يبلغك والأنماء تنمي»
هم فخروا علي بغير فخروردوا دون غايته جوادي
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «ألم يبلغك والأنماء تنمي»
وكنت إذ منيت بخصم سوءدلفت له بداهية ناد
بداهية تدق الصلب منهفتفصم أو تجود على الفؤاد
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «ألم يبلغك والأنماء تنمي»
وكنت إذا أتاني الدهر رنقبداهية شددت لها نجادي
ألم تعلم بنو الميقات أنىكريم غير معتلث الزناد
أطوف ما أطوف ثم آوىإلى جار كجار أبي دؤاد
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «ألم يبلغك والأنماء تنمي»
إليك ربيعة الخير بن قرطوهوباً للطريف وللتلاد
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «ألم يبلغك والأنماء تنمي»
كفاني ما أخاف أبو هلالربيعة فانتهت عني الاعادي
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «ألم يبلغك والأنماء تنمي»
كأني إذا أنخت على ابن قرطعقلت إلى يلملم أو تصاد

القرشي الذي ذكر هو عبد الله بن جدعان من تيم بن مرة، وذلك أن الربيع ابن زياد ساوم قيس بن زهير با درع كانت عنده، فلما نظر إليها وهو راكب وضعها بين يديه ثم ركض بها، فلم يردها على قيس، فعرض قيس لفاطمة بنت الخرشب الأنمارية، وهي احدى

منجبات قيس. هي أم ربيع الحفاظ، وعمارة الوهاب، وأنس الفوارس وكانوا يسمون الكملة.

ويقال لعمارة دالق الدلو لوقعة في الغارات، فاقتاد جملها، وكانت في ظعائن عبس، يريد أن يرتهنها بالدرع حتى ترد علية، فقالت: ما رأيت كاليوم قط فعل رجل. أين ضل حلمك؟. أترجوا أن تصطلح أنت وبنوا زياد أبدا. وقد أخذت أمهم فذهبت لها يمينا وشمالا، فقال الناس في ذل ما شاءوا، وحسبك من شر سماعة، فعرف قيس ما قالت، فخلى سبيلها، واطرد إبلا لبني زياد، فقدم بها معه فباعها من عبد الله بن جدعان.

والميقات التي تلد الحمقى.

وقال امرؤ القيس في منع الجار:

كأني إذ نزلت على المعلىنزلت على البواذخ من شام
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «كأني إذ نزلت على المعلى»
فما ملك العراق على المعلىبمقتدر ولا الملك الشامي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «كأني إذ نزلت على المعلى»
أقر حشا امرئ القيس بن حجربنو تيم مصابيح الظلام
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «كأني إذ نزلت على المعلى»

وحقر امرؤ القيس مجاورة بني شمحي بن جرم، فقال:

أبعد الحارث الملك بن عمروله ملك العراق إلى عمان
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أبعد الحارث الملك بن عمرو»
مجاورة بن شمحي بن جرمهو أنا ما أتيح من الهوان

وقال غيره:

بنو مطر يوم اللقاء كأنهمأسود لها في غيل خفان اشبال
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «كأن التي يوم الرحيل تعرضت»
هم يمنعون الجار حتى كأنهالجارهم بين السماكين منزل
لهاميم في الإسلام سادوا ولم يكنكأولهم في الجاهلية أول
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعواأجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «كأن التي يوم الرحيل تعرضت»
فما يستطيع الفاعلون فعالهموإن أحسنوا النائبات وأجملوا

قوله: وأجملوا مردود على الفاعلين.

وقال قيس بن عاصم المنقري:

أيا بنت عبد الله وابنة ملكويا بنت ذي البردين والفرس الورد
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي لهأكيلا فأني لست آكله وحدي
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أيا ابنة عبد الله وابنة مالك»
كريما قضيا أو أبيا فإنيأخاف مذمات الأحاديث من بعدي
وإني لعبد الضيف ما دام ثاوياوما في إلا تلك من شية العبد
للشاعر حاتم الطائي، اقرأ القصيدة

الورد بين الكميت والأحمر والأشقر، وهو إلى الصفرة، والحوة: خضرة إلى السواد قال الأصمعي: قالت بنو عبس: ما صبر معنا في حربنا من النساء إلا بنات العم، ومن الخيل إلا الكميت، ومن الإبل إلا الحمر.

وقيس بن عاصم أول من حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، وذلك أنه دعي إلى الرأي يوم الكلاب فألفوه نائما، فلما أفاق عرف، فحرم الخمر على نفسه وقيل أنه نزل عليه تاجر بخمر فقال له: أصبحني قدحاً، ففعل فقال: زدني ففعل حتى سقاه ثلاثة أقداح، فقال: زدني. فقال: أنا تاجر صاحب ربح، فوثب عليه فأوثقه إلى دوحة في داره، وانتهب ماله وخمره، وكلمته أخته، فلطمها، وقال للتاجر، افد نفسك، وقال:

من فاخر تاجر جاء الإله بهكأن عثنويه أذناب احجال
جاء الخبيث ببيسانية تركتصحبي وأهلي بلا عقل ولا مال
للشاعر قيس بن عاصم المنقري، اقرأ القصيدة

وسب الخمر، وضرب اخته، فلما صحا قال: من فعل هذا؟. قالت أخته: الذي فعل هذا بوجهي، فحرم الخمر على نفسه، وقال:

رأيت الخمر صالحة وفيهاخلائق تفضح الرجل الكريم
فلا والله أشربها صحيحاولا أسقي بها أبدا سقيما
ولا أعطي بها ثمنا حياتيولا أدعو لها أبدا نديما
فإن الخمر تفضح شاربيهاوتجشمهم بها الأمر العظيما
للشاعر قيس بن عاصم المنقري، اقرأ القصيدة
إذا دارت حمياها تعلتطوالع تفسد الرجل الحكيما

وقد رد من لا يحسن القول على قوله: يا بنت ذي البردين، وقالوا: ما قدر بردين وفرس ورد حتى يفتخر بها، وعارض هذا الشعوبي بملوك فارس وأسرتها وتيجانها، وبأن ابرويز ارتبط تسعمائة وخمسين فيلا. وبلغت آنيته التي يشرب فيها الداخل عليه ألف إناء من الذهب، وخدمته ألف جاريه وفعلة بعد هذا ابنة.

وقال بعض العلماء: أخطأ في المعارضة لم يكن صاحب البردين ملك العرب فيعارض عنه بملك العجم. ولم يدع أحد كان للعرب في الدولة العجم مثل ملكها وأموالها، وعددها

وحريرها وأنساجها فيحتاج إلى أن يذكر ابرويز وفيلته وجواريه وفرسه.

قال أبي قتيبة: وأما ذكره الفرس الورد فان العرب تتخذ الخيل حصونها وهي سبب العز، وسلم المجد، وبمثال العيال. قال الاسعر الجعفي:

ولقد علمت على تومي الرداإن الحصون الخيل لا مدر القرى
إني وجدت الخيل عزاً ظاهراًينجي من الغما ويكشفن الدجى
للشاعر الأسعر الجعفي، من قصيدة «هل بان قلبك من سليمى فاشتفى»

وإذا كان للرجال جواد مبر كريم مبرز شهر به وعرف، فقيل: العسجدي ولاحق، وداحس، والورد. وقد فخرت العجم بفرس كسرى، فصوره في الصخور الصم، وفي الجبل، وإذا رأيت العرب تنسب إلى شيء خسيس في نفسه فليس ذاك

إلا لمعنى شريف فيه، كقولهم لهنيد بنت صعصعة عمة الفرودق: ذات الخمار، فمن لم يعرف سبباً لخمارها هي يظن أنها كانت تختمر دون نساء قومها فنسبت إلى الخمار لذلك. وإنما كانت هنيدة تقول: من جاء من نساء العرب بأربعة يحل لها أن تضع خمارها عندهم كأربعتي فصرمني! أبي صعصعة، وأخي غالب، وخالي الأقرع، وزوجي الزبرقان. فسميت ذات الخمار لذلك.

وكانت صفية بنت عبد المطلب لا تغطي رأسها من رسول الله ﷺ، ولا من عشرة من المهاجرين الأولين: حمزة بن عبد المطلب أخيها وجعفر وعلي ابني أبي طالب ابن أخيها، والزبير بن العوام أبنها، وعثمان بن عفان ابن بنت أختها أم أروى بنت كريز، وأمها البيضاء أم حكيم بنت عبد المطلب وأبو سلمة ابن عبد الأشد، وأبو سره بن أبى رهم ابنا أختها برة بنت عبد المطلب، ومن عبد الله وأبي أحمد الأعمى الشاعر ابني جحش أمها أميمة.

وأما ذكر البردين فان المنذر بن محرق أجتمعت عنده وفود العرب فدعا ببرى محرق، وقال: ليقم أعز العرب قبيلة وأكثرهم عدداً فليأخذ هذين البردين. فقام عامر بن احيمر بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد فأخذهما فاتزر بواحد، وارتدى بالآخر، فقال له المنذر: بم أنت أعز العرب قبيلة؟ قال: العز من العرب معد، ثم في نزار، ثم في مضر، ثم في خندف، ثم في بنى تميم، ثم في بنى سعد، ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا من العرب فلينافرني. فسكت الناس. فقال المنذر: هذه عشيرتكم كما تزعم، فكيف أنت في أهل بيتك؟ وفي بدنك؟ فقال: أنا أبو عشرة وعم عشرة وأخو عشرة، نمتني الأكابر

عن الأصاغر،

والأصاغر على الأكابر. وأما قولك كيف أنت في بدنك؟ فشاهد العز شاهدي. ثم وضع قدمه على الأرض فقال: من أزالها فله مائة من الإبل. فلم يقم إليه أحد من الناس فذهب بالبردين، فسمي ذا البردين. قال الفرزدق:

فما تم في الحيين سعد ومالكغلام إذا قيل لم يتبهدل
لهم وهب الجبار بردي محرقلعز مد والعديد المحصل

وممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية عثمان بن مطعون، وقال: لا أشرب شراباً يذهب عقلي، ويضحك بي من هو أدنى مني، وأزوج كريمتي من لا أريد، فبينا هو بالعوالي إذ أتاه آت فقال: أشعرت أن الخمر قد حرمت ثم تلى عليه الآية التي في المائدة، فقال: تبا لها، لقد كان بصري فيها نافذاً.

وقال بعضهم يذم الخمر:

من تقرع الخمر الذميمة سنةفلا بد يوماً أن يريب ويجهلا
فلم أر مشروباً أخس غنيمةوأوضع للأشراف منها وأخملا
وأحذر أن تلقى حليماً بعيبهافيشربها حتى يخر مجدلا

وقال أخر:

تركت الخمور لشرابهاوحلو الطلاء وحر الشكر
وقالوا شفاؤك في شربةمن الخمر سجت بماء خصر
فقد كذبوا ما شفاء الكريمبشر يعل به بعد شر

وقال حسان:

ولولا ثلاث هن في الخمر لم يكنلها ثمن من شارب حين يشرب
لها نزف مثل الجنون ومصرعدني وإن العقل ينأى فيعزب

وقال آخر:

ألم تر أني صحوت عن الخمروأجمع صرماً ما حييت لها صدري
وكيف تطيق النفس صحبة صاحبيدله عقلي أو يقاسمني وفرى

وممن حرمها في الجاهلية عفيف بن معدي فقال:

فقالت لي هلم إلى التصابيفقلت عففت عما تعلمينا
وودعت القداح وقد أرانيلها في الدهر مشغوفاً رهينا
وحرمت الخمور علي حتىأكون بقعر ملحود دفينا

فسمى بذلك عفيفاً، وكان اسمه شراحيل.

وقال عامر بن الظرب العدواني:

إن أشرب أشربها للذتهاوإن أدعها فإني ماقت قالي
لولا اللذاذة والفتيان لم أرهاولا رأتني إلا من مدى عالي
للشاعر عامر بن الظرب العدواني، اقرأ القصيدة
سالة للفتى ما ليس في يدهذهابة بعقول القوم والمال
أقسمت بالله أسقيها وأشربهاحتى بغيب ترب الأرض أوصالي

قال: وكم فعلة جليلة عادت حسباً لمن قل حسبه وصيرت نسباً لمن قل نسبه وأغنت ذا النسب المعروف عن الانتساب. ألا ترى إلى عاصم بن خليفة الضبي واستغنائه بما فعل عن ذكر نسبه كان إذا استأذن على عثمان بن عفان ﵁ قال: عاصم بن خليفة قاتل بسطام بن قيس. وكان عاصم مضعوفاً، وهو قتل بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد ذي الجدين سيد بني شيبان. وغزا بسطام اثنتين وعشرين غزوة ظفر فيها في عشرين، وأسر في واحدة، أسره عتيبة ابن الحارث بن شهاب اليربوعي، وقتل في الثانية قتلته بنو ضبة، وعصم ابن خليفة منهم. وفي موته يقول عبد الله بن عتمة الضبي وكان منقطعاً بموقعه إلى بني شيبان وهم أخواله. وكان مع بسطام:

لأم الأرض ويل ما اجنتبحيث أضر بالحسن السبيل
نقسم ماله فينا وندعوأبا الصهباء إذ جنح الأصيل
للشاعر ابن عَنَمة، اقرأ القصيدة
وجدك لن تراه ولن تراهتخب به عذافرة ذءول
حقيبة رحله بدن ورمحوتتبعه مرببة ذمول
إلى ميعاد أرعن مكفهرتضمر في طوابقه الخيول
للشاعر ابن عَنَمة، اقرأ القصيدة
لك المرباع منها والصفاياوحكمك والنشيطة والفضول
للشاعر ابن عَنَمة، اقرأ القصيدة
تضمنه بنو بكر بن سعدولا يوفى بسطام قتيل
فخر على الألاءة لم يوسدكأن جبينه سيف صقيل
فإن تجزع عليه بنو أبيهفقد فجمعوا وفاتهم جليل
بمطعام إذا الأشوال راحتإلى الحجرات ليس لها فصيل
للشاعر ابن عَنَمة، اقرأ القصيدة
إذا الأبطال خامتوعرد عن حليلته الحليل

أضر: دنا منه، والأمل: الحبل من الرمل، والألاء: شجر على قدر الذراع.

وقال الشاعر:

فإنكم ومدحكم بجيراًأخا لجإ كما امتدح الألاء
يراه الناس أخضر من بعيدوتمنعه المرارة والإبا
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «تعنى القلب من سلمى عناء»

وبنو بكر بن مسعد بن ضبة أخوال الفرزدق.

وقال محرز بن المكعبر الضبي في شأن بسطام يجيب عبد الله المتقدم قوله في بسطام:

ألا أبلع بني شيبان عنيوقد يهديك ذا الحكم الأصيل
بأن الحلم موردكم مياهايخالط شربها كلا وبيل
ألم نطلقكم فكفر تموناوليس لنعمة المكفور حول
فإن ينطق عبيد الله جهلاًفلم يعلم عبيد ما يقول
للشاعر محرز بن المكعبر الضبي، اقرأ القصيدة
سما من أهل ذي قار إلينابهاد لا يخالطه الضلول
للشاعر محرز بن المكعبر الضبي، اقرأ القصيدة
فلما أن مضى بالقوم شهراًوبين ما يخبره الدليل
للشاعر محرز بن المكعبر الضبي، اقرأ القصيدة
يجيش عليه بالأصوات فيهإذا نزلوا التحمحم والصهيل
فباتوا نازلين بنا وكناقرى الأضياف إذ كره النزول
فما نظروا القرى ورأوا وجوهاًقليلاً في تأملها الوسيل
للشاعر محرز بن المكعبر الضبي، اقرأ القصيدة
فلما أن أضاء الصبح جينارعيلاً خلفنا منه رعيل
فما شعروا بنا حتى رأوناًوأكثبة الشقيق بنا تسيل
للشاعر محرز بن المكعبر الضبي، اقرأ القصيدة
رأوا نعم الشقيقة وهي خومودون لقائه شر وبيل
أقر العين إذ دارت عليهمشميط اللون ليس لها خجول
وهن على الأكارم مجلحاتلهن بكل متعرك قتيل
إذا كره السلاح مضين قدماًولم يك حق عادتها النكول
وظل لها على الأنقاء مناإلى أن أظلموا يوم طويل
وآبوا مطلقين ولم يثيبواوغال رئيسهم في الأرض غول
للشاعر محرز بن المكعبر الضبي، اقرأ القصيدة

وكان مع بسطام دليل من بني أسد يقال له فقيد، وأن بسطام في بعض الطريق رأى في منامه كأن آتيا أتاه فقال له: الدلو ثاني الغرب المزلة. ففزع لذلك وقص رؤياه على فقيد، فقال: ألا قلت بم تعود باديا مثله. فوجل

فقيد منها. قال: ومضى بسطام، فلما دنا من النقا صعده راجلا ليربا عليه، فإذا هو بألف بعير لمالك بن المنتفق الضبي قد فقأ عين فحلها، فلما رآها بسطام رمى بنفسه فرحاً من أعلى النقا، وأخذ يتدهدى حتى استوى بالحضيض، فناداه فقيد: مهلا يا أبا الصهباء، وقال: إن صدقت. الطير، صرعته الخيل وتطير له من رؤياه، ومن فعلته هذه، ولم يشك أنه مقتول، فمضى وترك بسطاماً فاطرد بسطام الإبل، وكان مالك بن المنتفق قد ركب فرسه، فنحا نحو قومه ونادى: يا صباحاه، فثابوا نحو الصراخ. وكان عاصم بن خليفة رجلاً به طرق وكان في أيام طرقه - أي جنونه الذي كان يأخذه في وقت من الأوقات، فجعل يأخذ حديدة له، فقالوا: ما تصنع بهذا قال: أقتل بها سيد ربيعة، فهزموا به، وأسرج أبوه خليفة دابته، ولبس لأمته، فبادره عاصم فركب فرسه، فناداه أبوه مراراً، فلم يلتفت إليه. فسأل عاصم: أيهم رئيس القوم فقال له خامسهم: هو صاحب الفرس الأدهم. فقال عاصم: الريح تعارضه حتى إذا كان بحذائه رماه بالفرس، وجمع يديه في رمحه فطعنه، فلم يخطئ صماخ أذنه حتى خرج من الناحية الأخرى، وخر بسطام على الألاء. وقال الفرزوق في ذلك ويفتخر في قتل عاصم بسطاماً:

خالي الذي ترك النجيع برمحهيوم النقا سرباً على بسطام
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «عفى المنازل آخر الأيام»
والخيل تنحط بالكماة ترى لهارهجاً بكل مجرب مقدام
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «عفى المنازل آخر الأيام»

وقال خال بسطام لبسطام: ما أحب أن يكون لي بك ابن أخت من العرب لولا وصمة وصمتها. قال: وما هي؟. قال: أسر عيينة إياك. قال: أما والله لا أوسر بعدها. قال الكلبي: قال خاله: قبلت ابن أختي. وكان له فبي الأسر حياة. قال الأصمعي: خرجت الظعن من بني حنظله تسير فأقبل رجل من بني يربوع إلى أم حاجب بن زرارة في هودجها، فقال: اسقني من هذا الماء

فقالت: نعم واليوم ظلم. فضرب ذراع بعيرها فسقط البعير والهودج فثار الحيان حتى كاد يكون بينهما شر فقال رجل من بني ثعلبة بن يربوع نحن نأتي بصاحبة لنا فاعقروا بها عقر صاحبنا بصاحبتكم. قال: فوقفوها في هودجها. وقالوا هلم فاعقربها، فلما أتاها، ودنا منها حل برداً كان مؤتزرا به ثم ألقاه عليها؛ وقال: أرجعي ابنة

عم غير معقور بك ولا مخزاه. قال: قال فذلك أول ما روى من حلم حاجب.

قال الأصمعي: قولها اليوم ظلم. يعني أن اليوم ظلمني حين وضع الشيء في غير موضعه. والمثل يضرب بوفاء حاجب، ورهنه قوسه عن مضر كافة وذلك أن النبي ﷺ دعا على مض فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، وابعث فيها سنين كسني يوسف. فتوالت عليهم الجدوب سبع سنين، فلما رأى حاجب الجدب والقحط على قومه جمع بني زرارة فقال: إني قد أزمعت على أن آتي الملك فأطلب إليه أن يأذن لقومنا فيكونوا تحت هذا البحر حتى يحيوا، فتلكأ عليه بعهم: رشدت فافعل، غير أنا لا نأمن عليك بكر بن وائل، ولا بد لك من ورد مياههم. فقال: ما منهم وجه إلا ولى عنده يد بيضاء إلا ابن الطويلة التيمي، وأنا أرجو أن أداريه، فكان لا يأتي على ماء إلا أكرمه سيدهم، ونحر له حتى أتى على ابن الطويلة حين أضاء الفجر وناديه قريب من حاجب فنادوا حاجب: حتى على الغداء وأمر بنطح فصب عليه تمر. فنحر ابن الطويلة جزراً وشياها، وقراه، وأراد تشييعه فامتنع حاجب، ومضى إلى إياس ابن قبيصة، فكتب له إلى كسرى، فلما أتاه وشكا إليه الجهد في أنفسهم وأموالهم وطلب أن يأذن له فيكونوا في حد بلاده حتى يحيوا، فقال: إنكم معشر العرب غدر حرصا فان أذنت لهم افسدوا في البلاد، أغاروا على الرعية قال حاجب: فأن ضامن للملك ألا يفعلوا. قال: ومن لي بان تفى (بوعدك) أنت. قال: أرهنك قوسي. فلما جاء بها ضحك الذين حوله فقالوا: بهذا العصا تفى، فقال الملك: ما كان يسلمها لشيء أبدا، وأمرهم فقبضوها منه وأذن لهم في دخول الريف، فأنت مضر النبي ﷺ فقالوا: هلك قومك وأكلتنا الضبع، فادع الله أن يرفع عنا القحط ويسقينا، فأنا نسلم. فدعا لهم

فأحيوا، وقد مات حاجب فخرج أصحابه إلى بلادهم، وارتحل عطارد بن حاجب إلى كسرى يطلب قوسه أبيه، فقال: ما أنت بالذي وضعها. فقال: أجل أيها الملك هو أبي، وقد هلك، وقد وفى له قومه، ووفى هو للملك. قال: ردوها عليه، وكساه حلة، فلما وفد إلى النبي ﵇ وهو رئيس وفد بني تميم أهداها إلى رسول الله ﷺ فلم يقبلها، وقال: لا أقبل زبد المشركين. فابتاعها منه الزبير بن باطا اليهودي بأربعة آلاف درهم.

وكان حاجب مشهوراً بالحلم وحسن الأدب. قال أبو عبيدة: وقف حاجب زرارة بباب

كسرى فاستأذن له عليه غلام من العرب كان يحجبه فقال كسرى سل هذا العربي من هو من العرب؟، فسأله فقال: رجل منها، ثم أذن له، فلما مثل بين يديه قال: من أنت؟؟ قال: سيد العرب. قال كسرى: ألم تزعم أنك منها؟

قال: وقفت بالباب وأنا رجل منها، لست بمتقدم لها، فلما وصلت إلى الملك وجاورته سدتها، فقال كسرى: احشوا فاه درا.

قال أبو اليقظان: كان ذو الرقيبة أسر حاجباً في بعض حروبه، فلما رجع به إلى رحله وجد القد قد أثر في ذراعه فقال له: يا أبا عكرشة لو كنت أخبرتنا بما بلغ منك لقد وسعنا عليك. قال حاجب: إني خلقني ربي لا أشكو شيئاً، وفدى نفسه بأكثر مما فدى به معدي نفسه قط. قوم يقولون بألف بعير، فلولا الشعر ما لم يقيم لهذه الأفعال علم ولا رفع لها منار، ولدرست آثارها كما درس كثير لم يقيده الشعر، كالذي نسى من أفعال بنى حنفية، وعجل إذ لم يكن فيهم شعر، فدخلوا في جملة الحاملين عند كثير من الناس، هذا على ما كان لهم من الوقائع. وفيهم من المكارم.

وكان منهم هوذة بن علي ذو التاج، وأعمامه الذين يقال لهم البحور. ومنهم عمير بن سليمى الذي قتل ابن أخيه بجاره للوفاء فهو أحد الأوفياء الثلاثة.

ومنهم عبيد بن ثعلبة بن يربوع الذي يقال له: رب حجر، وهي اليمامة، وهو كان اختطها برمحه، وأنزلها بني حنفية. ونفى عنها بقايا طسم وجديس.

ومنهم قتادة بن مسلمة بن عبيد، وكان ربع أربعين مرباعاً في الجاهلية.

ومن عجل أبجر بن جابر بن بجير أبو حجار، وعتيبة بن النهاس الذي قال لقهرمانه: امض مع الخطيئة، ثم ما أشار إليه من عالي المتاع ورفيعة فاشتره له. إلى كثير من مثل هؤلاء.

ومن شعرائهم العديل بن الفرخ.

ومثل هؤلاء بنو بدر كانوا مفحمين لا شعراء لهم، فما عرف عن فضلهم الشاكرون، وأغناهم عن تعداد محاسنهم المادحون، قال البحتري يمدح:

تدارك شمل الشعر والشعر شارد الشوارد مرذول غريب الغرائب
للشاعر البحتري، من قصيدة «هبيه لمنهل الدموع السواكب»
فضم قوافيه إليه تيقناًبأن قوافيه سلوك المناقب
للشاعر البحتري، من قصيدة «هبيه لمنهل الدموع السواكب»

وقال ابن الرومي:

وما المجد لولا الشعر إلا معاهدوما الناس إلا أعظم نخرات
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أكف الغواني بالخنا خضرات»

قال بعض الفضلاء: كان لنا سلف أهل تواصل اعتقدوا مننا واتخذوا أيادي ذخيرة لمن بعدهم. كانوا يرون اصطناع المعروف عليهم فرضاً، والبر حقاً ثم آل الزمان إلى نشء اتخذوا منهم صناعة، وبرهم مرابحة وأياديهم تجارة، واصطناع المعروف مقارضة، بقد السوق خذ مني وهات.

وكان عامر بن الظرب العدواني سيد قومه، فسألوه أن يجعل لهم سيداً منهم يكون بعده، فقال: يا معشر عدوان إن القلب لا يلحق القلب، ومن لك بأخيك كله. أخذه الطائي فقال:

ما غبن المغبون مثل عقلهمن لك يوماً بأخيك كله
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «وعاذل عذلته في عذله»

وكان بعض بني تغلب يأخذ فتيانه برواية شعر عمرو بن كلثوم: ألا هبي بصحنك فاصبحينا

ويعطي لكل من رواه ألف درهم حتى قال فيه بعض الشعراء:

ألهى بني تغلب عن كل مكرمةقصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يفاخرون بها مذ كان أولهميا للرجل لفخر غير مسؤوم
إن القديم إذا ما ضاع آخرهكساعد فله الأيام محطوم

وهذه القصيدة إحدى المعلقات السبع.

وكان عمرو بن هند أخو النعمان بن المنذر يقال له مضرط الحجارة لشدته. ويسمى محرقا لتحريقه مائة من بني تميم يوم أوراه، قتله عمرو بن كلثوم الشاعر التغلبي أنفه وحمية.

وهند أم عمرو هي بنت الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار وأبوه المنذر ابن ماء السماء وماء السماء أمه، وهي ابنة عوف بن جشم النميرية. والمنذر هو ابن امرئ القيس من بني عمرو بن عدي اللخمى. وكان عمرو بن هند جائراً، وإياه عنى سويد بن حذاق في قوله:

أبى القلب أن يأتي السديد وأهلهوإن قيل عيش بالسدير غزير
به البق والحمى وأسد عرينةوعمرو بن هند يعتدي ويجور

وقال عمرو بن هند يوماً لجلسائه: هل تعلمون أحداً من العرب من أهل مملكتي يأنف أن

تخدم أمه أمي؟. قالوا: نعم، عمرو بن كلثوم. فإن أمه ليلى بنت مهلهل بن وائل وعمها كليب وائل، وزوجها كلثوم. فسكت عمرو على ما في فرسان تغلب، ومعه أمه ليلى، فنزل على شاطئ الفرات، وأمر عمرو بحجرته فضربت فيما بين الحيرة والفرات. وأرسل إلى وجوه أهل مملكته، فصنع لهم طعاما، ودعا الناس إليه. وقعد هو وعمرو بن كلثوم وخواص الناس في السرادق، والناس خارجه يأكلون، وأم عمرو بن كلثوم مع أم عمرو بن هند في القبة. وقد قال عمرو بن هند لأمه. إذا فرغ الناس من الطعام، ولم يبق الا الطرف فنحي خدمك واستخدمي ليلى، ومريها أن تناولك الشيء بعد الشيء. ففعلت هند ما أمرها به ابنها فلما نودي بالطرف قالت هند لليلى: ناوليني الطبق. فقالت ليلى لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها. فقالت هند: ناوليني، وألحت عليها فقالت ليلى: واذلاه!، يا لتغلب. فسمعها عمرو بن كلثوم فثار الدم في وجهه. ونظر عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم، فعرف الشر فيه، وقد سمع قول ليلى يا آل تغلب. فنظر ابن كلثوم إلى سيف عمرو بن هند معلقا في السرادق، ولم يكن ثم غيره، فثار إلى السيف مصلتاً فضرب رأس عمرو بن هند، فقتله، ثم خرج فنادى:

يا آل تغلب. فانتهبوا ماله وخيله وسبوا النساء، ولحقوا بالحيرة. فقال في ذلك أفنون التغلبي:

لعمرك ما عمرو بن هند وقد دعالتخدم ليلى أمه بموفق
للشاعر أفنون، من قصيدة «لعمرك ما عمرو بن هند وقد دعا»
فقام ابن كلثوم إلى السيف مصلتاًوأمسك من ندمانه بالمخنق
للشاعر أفنون، من قصيدة «لعمرك ما عمرو بن هند وقد دعا»

ومن ذكر مقامات العرب وتنويههم بأفعالها فيها قول زهير بن أبي سلمى، وكان يجيد المديح. وهو أعذب لفظ، وأحسن معنى:

وفيهم مقامات حسان وجوههاوأندية يتنابها القول والفعل
فإن جئتهم ألفيت حول بيوتهممجالس قد يشفى بأحلامها الجهل
على مكثريهم حق من يعتبرهموعند المقلين السماحة والبذل
تهاميون نجديون كيداً ونجعةلكل أناس من وقائعهم سجل
سعى بعدهم قوم لكي يدركوهمفلم يلحقوهم ولم يليموا ولم يألوا
وما كان من خير أتوه فإنماتوارثه آباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطي إلا وشيجةوتغرس إلا في منابتها النخل
للشاعر محمد ولد ابن ولد أحميدا، من قصيدة «سبت لبه من بعد كبرته جمل»
رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهمقطيناً لهم حتى إذا نبت البقل
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو»
هنالك إن يستخبلوا المال يخبلواوإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلو
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو»

يقول فيها:

إذا لقحت حرب عوان مضرةضروس تهر الناس أنيابها عصل
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو»
قضاعية أو أختها مضريةتحرق في حافاتها الحطب الجزل
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو»
تجدهم على ما خليتهم أذاءهاوإن أفسد المال الجماعات والأزل

قال الزبير بن بكار: كانت قريش معجبة بشعر زهير، وهو جارٍ بينهم وسائر فيهم حتى يضربوا به المثل في البلاغة. ويروى أن وفداً من قريش قالوا: يا رسول الله إنا قد سمعنا كلام الخطباء والبلغاء، وكلام ابن أبي سلمى، فما سمعنا ككلام نسمعه منك من أحد قط.

وقال عبد الملك بن مروان لبنيه: يا بني أحسابكم!، فما ضر قوما ما قيل فيهم بعد قول زهير، وودت أنه قيل في قومي:

على مكثريهم حق.... البيت

وما ينفع قوماً ما مدحوا به بعد قول الأعشى وما سرنى أنه في قومي وأن الدنيا لي بأسرها:

يبيتون في المشتى ملاء بطونهموجاراتهم غرثى يبتن خمائصا

وقالت بنت لسنان بن أبي حارثة لما رأت بنتاً لزهير في بعض مجامع النساء، وإذا لها شارة حسنة: قد سرني ما أرى من هذه النعمة. فقالت بنت زهير: لعمري إن أكثر ذلك لمن فضلكم وإحسانكم، فقالت: بل والله لكم الفضل علينا أعطيناكم ما يفنى، وأعطيتمونا ما يبقى.

معنى قوله: على ما خليت هم أذاءها

أي على ما شبهت، أي هم الذين يقومون بها ويديرونها. ويقال: هو أذى المال إذا كان يدبره. وقوله: (وأن أفسد المال الجماعات والأزل). يقول: إن حبس الناس أموالهم لا يسرح وجدتهم ينحرون، وإن اشتد أمر الناس حتى يضيق وجدتهم يوسعون.

(قضاعية أو أختها مضرية) أي حرب منكرة. وقيل بل قضاعة بن معد ومضر بن نزار بن معد، تهاميون، نجديون. يقول: يأتون نجداً، لا يمنعهم بعد المكان أن يغزوه أو ينتجعوه،

سجل: القمة. يريد عزهم وغلبتهم. والقطين: الحشم والأهل. وجمعه: قطن.

ويروى: وإن يستخولوا. والاستخوال أن يملكوهم إياه. والاستخبال أن يعير الرجل إبلا، فيشرب ألبانها، وينتفع بأوبارها، فاذا أخصبت ردها..

وقوله (يغلو) لا ينحرون إلا غالية.

وقال عمرو بن الأطنابة الأنصاري:

إني من القوم الذين إذا ابتدوابدأوا بحق الله ثم النائل
للشاعر عمرو بن الإطنابة، اقرأ القصيدة
المانعين من الخنا جاراتهموالحاشدين على طعام نازل
والخالطين فقيرهم بغنيهموالباذلين عطاءهم للسائل
والضاربين الكبش يبرق بيضةضرب المحمجر عن حياض الإبل
والقاتلين لدى الوغى أقرانهمإن المنية من وراء الوائل
والقائلين ولا يعاب كلامهميوم المقامة بالقضاء الفاصل

قال الزبير بن بكار: كانت قريش في ملك ضابط كمملكة فارس، ومالها ملك وما كان ذلك إلا بأحلامها. وكان يقال لها: قطين الإله، وقطين الله، وأهل الله، وآل الله. قال عبد المطلب بن هاشم:

لاهم إن المرء يمنع جاره فامنع حلالك

أي امنع أهل بيتك الحرام، يريد مكة حين قدمها صاحب الفيل، فأهلكهم الله ﷿، قال أبو اليقظان: قال النبي ﵇: رأيت جدود العرب، فرأيت جد بني عامر بن صعصعة جملا أحمر يأكل فروع الشجر. وسئل عن بني عامر بن صعصعة فقال جملا أزهر ينفاج من أطراف الشجر وسئل عن غطفان فقال: زهرة تينع.

ومما قال أبو اليقطان: هجان العرب قريش، وعامر بن صعصعة، وحنظلة بن مالك. الأزهر: الأبيض.

وقال ابن قيس الرقيات يمدح:

معقل الحلم من قريش إذا مافاز بالحلم معشر آخرونا
لا يزنون في العشيرة بالسوءولا يفسدون ما يصنعونا

وقال أبو يوسف (سفيان) بن الحارث:

لقد علمت قريش غير فخربأنا نحن أجودهم حصانا
وأكثرهم دروعاً سابغاتوأمضاهم إذا طعنوا سنانا
وأدفعهم عن الضراء منهموأبينهم إذا نطقوا لسانا

وقال كثير يمدح عبد الملك بن مروان:

من الغفر البيض الذين إذا أنتجواأرت لنجواهم لوي بن غالب
يحيون بسامين طوراً وتارةيحيون عباسين شوس الحواجب
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أمِن آلِ سَلْمى دِمنَة ٌ بالذنَّائِبِ»
يردون بعد الله في الرأي أمرهمإلى واسع المعروف جزل المواهب
إمام هدى قد شدت الحرب أزرهوقد أحكمته ماضيات التجارب

وقال العماني في بعض خلفاء بني هاشم:

نمته العرانين من هاشمإلى النسب الأوضح الأصرح
للشاعر العماني الراجز، اقرأ القصيدة
إلى نبته فرعها في السماءومغرسها سرة الأبطح

وقال القطامي - واسمه عمير بن شيم - وذكر باديتهم ففخر بها:

ومن تكن الحضارة أعجبتهفأي رجال بادية ترانا
ومن ربط الجحاش فإن فيناقنا سلباً وأفراساً حسانا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
وكن إذا أغرن على هلالوضبة إنه من حان حانا
وأحياناً على بكر أخيناإذا ما لم نجد إلا أخانا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

روي أن سليمان بن عبد الملك أتى أرضاً له فأمر بعمارها، وانتهى إلى موضع منها غليظ فنزل الناس، وبقي سليمان على دابته، فالتفت إلى يزيد بن المهلب فقال له: ارتدف. فأبى يزيد. فقال سليمان: أما والله أن لو فعلت لكنت أكرم من الذي أردفه النعمان. فقال: يا أمير المؤمنين أقلني. قال: لا تعلمون والله أبداً. وأنشد:

لا ينكتون الأرض عند سؤالهملتطلب العلات بالعيدان
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «قوم إذا نزل الغريب بدارهم»
بل يبسطون وجوههم فترى لهاعند السؤال كأحسن الألوان
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «قومي ثقيف إن سألت وأسرتي»
وإذا دعوا لنزال يوم كريهةسدوا فجاج الأرض بالفرسان
قوم إذا نزل الغريب بدارهمردوه رب صواهل وقيان
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «قوم إذا نزل الغريب بدارهم»

قال الزبير بن بكار: مر سعيد بن العاص بعمر بن الخطاب ﵁، وكان عمر

قتل يوم بدر العاص بن هشام بن المغيرة، وهو خال عمر، فسلم سعيد مقصراً يظن أنه قتل أباه، ففطن له عمر، فقال يا ابن أخي، والله ما قتلت أباك ولكني قتلت خالي العاص بن هشام. ورأيت أباك يبحث التراب كأنه ثور، فصددت عنه، وحمل عليه علي فقتله، وما بي أن أكون، أعتذر من قتل مشرك. فقال سعيد: لو قتلته كنت على الحق، وكان على الباطل. فعجب عمر من قوله ولوى كيفه ثم قال: قريش أفضل الناس أحلاماً، وأعظم الناس أمانة ومن يرد بقريش سوءاً يكبه الله لفيه.

وقال حباب بن المنذر بعد رجوع رسول الله ﷺ من بدر: ما قتلنا إلا عجائز صلعاً. فقال النبي ﷺ يا ابن أخي، أولئك الملأ من قريش لو أمروك لأطعتهم، ولو شهدتهم لحقرت أفعالهم.

ومر ﷺ يوم حنين بعثمان بن عبد الله بن ربيعة الثقفي، وكان علي بني مالك، وهو مقتول فقال: أبعده الله إنه كان يبغض قريشا.

وبعث ﷺ عتاب بن أسيد إلى مكة قاضيا، وهو ابن ثماني عشرة سنة، وألبسه قباء أسود، وختمه بخاتم ذهب. ولم يلبس أحد قباء أسود ولا تختم بالذهب أحد من المسلمين قبله. وقال له: هل تدري إلى من أبعثك؟ أبعثك إلى أهل الله ثم وصاه ﷺ بهم.

وممن ساد صغيراً محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم الثقفي. ولاه الحجاج قتل الأكراد بفارس، فأبادهم، ثم ولاه السند والهند، وقاد الجيوش وهو ابن سبع عشرة سنة، فقال فيه الشاعر:

إن السماحة والمروءة والندىلمحمد بن القاسم بن محمد
قاد الجيوش لسبع عشرة حجةيا قرب سورة سؤدد من مولد

وقتله معاوية بن يزيد بن المهلب، وذلك أن حبيب بن المهلب لما ولى السند قدم على مقدمته رجلاً من السكاسك، ورجلا من عك، فأخذاه فحسباه فقال:

أتنسى بنو مروان سعيي وطاعتيوأني على ما نابني لصبور
فتحت لهم ما بين سابور بالقناإلى السند، منهم زاحف ومعير
وما دخلت خيل السكاسك عسكريولا كان من عك علي أمير
فلو كنت أزمعت الفرار لقرنتإناث أعدت للنوى وذكور

فبعث إلى العراق فحبس بواسط، ثم ضرب عنقه معاوية بن يزيد بن الملهب.

وممن ساد صغيراً مخلد بن يزيد بن المهلب. قال فيه حمزة بن بيض:

بلغت لعشر مضت من سنيكما يبلغ السيد الأشيب
فهمك فيها جسام الأموروهم لداتك أن يلعبوا
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة

وأصبح مخلد عند عمر بن عبد العزيز فيما طلب به يزيد أبوه، فحاجه ودفع عن أبيه ما كان يطلب به، ثم مات بعقب ذلك، فقال عمر: لو أراد الله تعالى بأهل ذلك البيت خيراً لأبقى لهم ذلك الغلام.

وقال عمر بن عبد العزيز لأبي مجلز: ما تقول في فلان؟. فقال: يكافئ الأكفاء ويعادي الأعداء، ويفعل ما يشاء. وقيل لعبد الله بن الأهتم: ما السرور؟. قال: رفع الأولياء، وحط الأعداء، وطول البقاء مع القدرة والنماء.

ومر عثمان بن عفان ﵁ على مجلس بني مخزوم، وفيهم عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فوقف عليهم ثم قال: إني ليسرني ما أرى من جمالكم وعددكم. فقال بعضهم: فما يمنعك يا أمير المؤمنين أن تزوج بعضنا؟ فقال: إن شاء عبد الرحمن فعلت: قال عبد الرحمن: فإني أشاء. فزوجه مريم بنت عثمان.

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: ثلاثة من قريش أخلاقاً وأصبحها وجوها، وأشدها حياء. إن حدثوك لم يكذبوك، وإن حدثتهم بحق أو بباطل لم يكذبوك: أبو بكر الصديق، وأبو عبيدة بن الجراح، وعثمان بن عفان ﵃ أجمعين.

وقال النابغة الذبياني:

لله عينا من رأى أهل قبهأضر لمن عادى وأكثر نافعا
وأعظم أحلاماً وأكثر سيداًوأفضل مشفوعاً إليه وشافعا
غداة غدوا فيهم ملوك وسوقةيوصون بالأفعال أروع بارعا
متى تلقهم لا تلق للبيت عورةولا الضيف ممنوعاً ولا الجار ضائعا

الملوك أهل بيت المملكة، والسوقة: كل من ينساق للملوك. وليس هو اسما يلزم أهل الأسواق والتجار.

وأما أهل اليمن فالتبابعة والعباهلة ليس فوقهم أحد. ثم المقاول وهم الأقيال والأقوال. وأحدهم قيل ومقول. وهم ستون رجلا. ثم المثامنة وهم ثمانون رجلا، فكانوا إذا مات تبع وضعوا الشورى في الأقيال، فإذا أخرجوا

واحداً من الأقيال فجعلوه تبعاً أدخلوا في المثامنة واحداً منهم. وكانت علامة الملوك التتويج.

قالت الخزرج للنبي ﷺ في عبد الله بن أبي سلول: والله يا رسول الله لقد جئتنا حين نظمنا له الخرز لنتوجه. أي فهو يحسدك لما زال عنه. وكان منافقا، رأساً لهم.

قال عبد الكريم: ومن أحسن ما ينشد في دار مقامة القوم من الشعر الجامع لخصال المدح قول حسان بن ثابت الأنصاري في آل جفنة الغساني:

لله در عصابة نادمتهايوماً بجلق في الزمان الأول
للشاعر عَرقَلَةِ الكَلبِيّ، اقرأ القصيدة
يغشون حتى ما تهر كلابهملا يسألون عن السواد المقبل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»
أولاد جفنة حول قبر أبيهمقبر ابن مارية الكريم المفضل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»
بيض الوجوه كريمة أحسابهمشم الأنوف من الطراز الأول
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»
يمشون في الزرد المضاعف نسجهمشي الجمال إلى الجمال البزل
يسقون من ورد البريص عليهمكأساً تصفق بالرحيق السلسل

قوله: (حول قبر أبيهم) أي هم أرباب مدائن وقصور، وقرار، لا ينتجعون من عدم، ولا يرتحلون من ضيم، وأنهم حول قبور آبائهم ومنازل أوائلهم ودار عزهم.

ويقال إن معنى قوله: على قبر أبيهم مقيمون على مآثره وسنته. والأول أصح. وقوله: (ابن مارية) للشاعر أن يسمى الملك ويدعوه باسم أمه في الشعر.

وباسمه بغير كنية. وليس ذلك بغير الشعر بجائز إلا بضرورة على وجه الاحتقار. وهذا من فضل الشعر.

وقوله: (بيض الوجوه): يريد أنهم متهللون عند السؤال ولم يقع عليهم بشيء فيغير ألوانهم. ثم قال: الكريم والكرم اسم محيط بجميع أسباب الخير. ثم قال: لا، بل هو مفضل.

وقوله: (يغشون حتى ما تهر كلابهم) أي قد عرفت الضيفان لدوامهم على القرى كما قال ابن هرمة:

يكاد إذا ما أبصر الضيف كلبهميكلهم من حبه وهو أعجم
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

وقال غيره:

وكلبك آنس بالزائرينمن الأم بابنتها الزائرة

وقوله: (لا يسألون عن السواد المقبل) أي لا يخلعهم السواد الأعظم. ثم قال: هم ملوك يسقون البريص مكان اللبن، أي الخمر المصفقة بالمسك أو جنى النحل. ثم قال: (شم الأنوف). يريد أنهم أباة للضيم منكرون للخسف. والإنسان إذا أنف رفع أنفه. شبهوا ذلك بالشمم، وهو ارتفاع طرف الأنف.

وقال أبو سفيان للنبي ﷺ يوم فتح مكة: كأنك أردت بقريش سوءاً. قال: بل هذا يوم يرفع الله به قريشا. قال: فما بال سعد بن عبادة يمضى بلوائه قدماً وهو يقول:

اليوم يوم الملحمةاليوم تستحل المحرمة

فقال رسول الله ﷺ لبعض قريش: الحق سعداً وانزع اللواء من يده فإنه يضاهي قول يهود.

ودخل عوف بن محلم الشيباني على ابنته أم إياس وقد انكحتها أمها مارية بنت كثير بن زهير التغلبي من حجر بن عمرو آكل المرار، وكان عوف قدم من غزو له فأنكر هذه القباب والبيوت فسأل امرأته عن القصة، فأخبرته أنها زوجت ابنته. قال: وإلهي لئن كنت عدوت حجر بن عمرو لأصلبنك على أطول شجرة بهذا الوادي. قالت: إنه ملك، ولا أدري أحجر هو أم لا؟ فتولج عليها القبة فلما رآه قال: إي، ورب الكعبة.

ولعوف بن محلم الشيباني يقول المنذر بن ماء السماء: لا حر بوادي عوف. وذلك أن المنذر كان يطلب زهير بن أمية الشيباني بذحل، فمنعه عوف بن محلم، وأبى أن يسلمه، فعندها قال المنذر: لا حر بوادي عوف. وقيل معناه: إن كل من صاد في ناحيته خضع وذل. وقيل إنه كان يقتل الأسرى ولا يعتقهم.

وقالت امرأة عقيل بن أبي طالب وهي بنت عقبة بن ربيعة: لا يحبكم قلبي يا بني هاشم أبداً. أين أخي؟، أين عمي؟، أين أبي؟. أين فلان؟ تعدد آباءها وقومها. كأنهم سيوف الذهب، وكأن أعناقهم أباريق الفضة ترد أنوفهم الماء قبل شفاهم.

وقول حسان: (من الطراز الأول) يريد أنهم ممن لم يتغير شبهه بسوء الولادة، ولم تبدله أرحام غير الأكفاء، وأنهم على ذلك الخلق الأول والشيم المعروفة، لم يتحولوا عنها.

ونظير أبيات حسان في جمعها وجوه الممادح شعر النابغة في جمعه وجوه المقابح في هجائه للنعمان بن المنذر:

خبروني بني السقيفة مايمنع فقعاً بقر قران نزولا
قبح الله ثم ثنى بلعنوارث الصائغ الجبان الجهولا
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «حدثوني بني الشقيقة»
من يضر الأدنى ويعجز عنضر الأقاصي ومن يخون الخليلا
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «حَدِّثُوني بني الشَقيقَة ِ»
يجمع الجيش ذا الألوف ويغزوثم لا يرزأ العدو فتيلا
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «حدثوني بني الشقيقة»

تدبر هذه الأبيات. فانك تجدها غاية فيما تكره العرب وتتشاتم به. ألا ترى كيف جمع في بيت واحد القبح، وفيه الاستيلاء على جميع ما يكره ويستشنع، واللعن وهو النفي والطرد، ثم جعله موضعاً لئيم الخال. والعرب تتمادح بالخال.

قال الفرزدق يفخر بخاله.

خالي الذي عضب الملوك نفوسهموإليه كان جباء جفنه يحمل

وأم النعمان بن المنذر كانت سلمى بنت عطية الصائغ اليهودي من أهل فدك. ثم قال: الجبان الجهول، وهما من شر ما يقذف به. قال الشاعر.

جهلاً علينا، وجبناً عن عدوكملبئست الخلتان: الجهل والجبن
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «لله در نزيه الدين من رجل»

وكان يقال: شر أخلاق الملوك الجبن عن الأعداد الأقوياء، والقسوة على الضعفاء، والبخل عن الإعطاء قال بعض الشعراء:

الجبن عار، وفي الإقدام مكرمةومن يفر لا ينجو من القدر
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «يا طالب الصفو في الدنيا بلا كدر»
لا تبخلن ولا تجزع فإنهماليسا يزيدان في مال ولا عمر

ثم جعله عاجزاً ضعيفاً يضر الأدنى، ويقصر عن ضر من بعد منه، خائناً لخليله:

قال الشاعر يمدح رجلاً بالأمانة:

لم تره جارة يمشي لساحتهالريبة حين يخلي بيته الجار
مثل الرديني لم تدنس عمامتهكأنه تحت طي البرد أسوار

والخيانة تجمع الغدر، وقلة الوفاء، وخيانة الجار في أهله، والتقصير والعجز.

قال بعض الشعراء يذكر العفاف:

وبتنا خلاف الحي لا نحن منهمولا نحن بالأعداء مختلطان
وبات يقيناً ساقط الطل والندىمن الليل بردا يمنة عطران
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «وبتنا فويق الحى لا نحن منهم»
نذود بذكر الله عنا غوى الصباإذا هم قلبا نينا يردان

ثم وصفه بالخيبة في مغازيه، وقلة الفوز والظفر، وحرمان التوفيق، وتأخر الإقدام. فسبحان من يسره لجمع هذه المخازي. ولقد نعلم من جمع أكثر منها وأخزى بمن هو أشبه الناس بالنعمان خلقاً وأفعالا في المساوئ، ويزيد عليه بأشياء أخر. قال بعض الشعراء للقناع، وهو الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة أخو عمر بن أبي ربيعة الشاعر، وقيل له القناع لأنه رأى مكيال أهل البصرة صغير المنظر يحمل دقيقاً كثيرا، وكان غير عليهم المكاييل، فقال: إن مكيالكم هذا لقناع والقناع الذي يقنع ما فيه أي يستر، ويقال للعنقة: القنع، لأنه يحبس رأسه. فقال الشاعر يذكر تخلفه:

سار بنا القناع سيراً نكرايسير يوماً ويقيم شهرا

يصفه بقلة الإقدام على الخوارج، وأن تركه المناجزة عن جبن وتقصير لا عن حزم وتدبير. وبلغ من تقصيره أنه لما لامه إبراهيم بن الأشقر على

القعود عن الخوارج خرج إلى النخيلة في ستة آلاف فارس، وأقام بين دباها ودبيرا خمسة أيام فقال الشاعر فيه:

إن القناع سار سيراً ملسابين دباها ودبيراً خمساً

وقتلت الخوارج امرأة بحذائه، ليس بينها وبينهم غير الجسر، وقتلوا أباها بين يدها. وكانت تستغيث بالقناع هي وجماعة من النساء قتلن معها والناس يتفلتون للخروج، والقناع يمنعهم حتى رحلت الخوارج ورجع بالناس إلى الكوفة دون قتال، ومضوا موفورين. وكان الحارث بن عبد الله يجلس هو وعمرو بن عبد الله بن صفوان، ما يكادان يفترقان. وكان عمرو يبعث إلى الحارث في كل يوم بقربة من ألبان إبله فاختلف بينهما، فأتى عمرو أهله فقال: لا تبعثوا إلى الحارث باللبن، فأنا لا نأمن أن يرده علينا. وانقلب الحارث إلى أهله فقال: هل أتاكم اللبن؟. قالوا: لا فلما راح الحارث مر بعمرو بن عبد الله فقال: يا هذا لا تجمعن علينا الهجرة وحبس اللبن. فقال: أما إذا قلت هذا. فو الله لا يحملها إليك غير فحملها من داره إلى دار الحارث وبينهما بعد كثير.

وكان حمزة بن عبد الله بن الزبير من أجود الناس على جبن فيه وضعف. وأمه تماضر بنت زياد بن منظور بن سياد، من بني مازن بن فزارة. وكان يقال فيه: اعجب لأجود

الناس من أبخل الناس، ولأجبن الناس من أشجع الناس،

ومدحه الفرزدق فقال:

يا حمزة هل لك في ذي حاجة عرضتأنصاره بمكان غير ممطور
وأنت احجى قريش أن تكون لهاوأنت بين أبي بكر ومنظور
بين الحواري والصديق صاحبهنبت في طيب الإسلام والخير

وقال فيه:

ما فاز في بدر ويوم حنينهاإلا الفوارس من بني العوام
أسل من المران في أيديهمقامت بهن دعائم الإسلام

وقال أيضاً:

ألم ترني شجيت بآل حربوساغ بنو صفية في لهاتي
وغر كالسلام بعث منهاغوادي في البلاد مشمرات
نزعت لمصعب منها ذنوباًمذللة بأفواه السراة
أليس أبوك فارس يوم بدروأيام النبي الصالحات

ولبعضهم:

ليت شعري ولليالي صروفهل أرى مرة بقيع الزبير
للشاعر عامر بن صالح، اقرأ القصيدة
ذاك معنى ألذه وقطينتفرح النفس أن أراهم بخير

وفي ذكر العمائم العرب تقول: معمم. أي مناط به أمر العشيرة فيستحق أن يتعمم. وسيد عمم: أي ضخم تام.

وأنشد عبد الملك يوماً وعنده عرار بن عمرو بن شاس، ولم يعرفه:

أردت عراراً بالهوان ومن يردعراراً لعمري بالهوان فقد ظلم

فقال: أتعرف عراراً يا أمير المؤمنين؟. قال: لا. قال: فأنا عرار بن عمرو، فأحسن إليه. وكان عرار من أمة سوداء، وكانت امرأته الحرة تهينه.

وكان أبو أحيحة سعيد بن العاص إذا اعتم لم يعتم معه أحد من بني عبد شمس، فلذلك قال الشاعر:

أبو أميمة من يعتم عمتهيجلد، ولو كان ذا أهل وفي ولد

وقال أبو قيس بن الأسلت:

فكان أبو أميمة قد علمتمبمكة غير مهتضم ذميم
إذا شد العمامة ذات يوموقام إلى المجالس والخصوم
فقد حرمت على من كان يمشيبمكة غير مدخل سقيم
للشاعر صيفي بن الأسلَت، اقرأ القصيدة
وكان البحتري غداة جمعيدافعهم بلقمان الحكيم
بأزهر من سراة بني لؤيكبدر الليل راق على النجوم
وحطت ذوائب الفرعين منهاوأنت لباب سرهم الصميم

وقال غيره:

إذا سفروا بعد التهجد والسرىجلوا عن عراب السن بيض الصحائف

أي حلوا عمائمهم عن وجوه تعرب سنها عن عتقهم وكرم أصولهم، كما قيل في المثل: (إن الجواد عينه فراره). والصحائف صحائف وجوههم.

وقال أبو يعقوب الخريمي:

إذ شدوا عمائمهم لووهاعلى كرم وإن سفروا أناروا
يبيع ويشتري لهم سواهمولكن بالطعان هم تجار
إذا ما كنت جار بني خريمفأنت لأكرم الثقلين جار
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة

قال الجاحظ: كان أبو يعقوب الخريمي يدعى الأعور، ثم عمي قبل موته بسنين وهو يدعى الأعور. وهو مولى خريم الناعم، وهو من المشهورين بالنسب إلى مولاه. وكثير من الموالي وغيرهم لا ينسب إلا بما غلب عليه وأكثر منه فشهر به، وربما غلب عليه غير نسبه.

منهم أبو مسعود البدري، ولم يشهد بدراً، وهو صاحب نزل ماء بدر وإسماعيل السدي كان يبيع الخمرة في سدة المسجد ومنهم رياش [الجذامي] مولى محمد بن سليمان، وليس لمولاه، ولكنه من جذام، وكان منقطعا إليه.

ومنهم سعيد بن زير [الجعفري] مولى جعفر، وهو من بني كلاب منقطع إلى جعفر بن سليمان، واليزيدي النحوي منقطع إلى يزيد بن منصور الحميري، وأبو علي الجرمازي، وليس بجرمازي، وإنما كان ساكنا في طرف بني الجرماز.

وأبو حسان الزيادي قاضي فارس، وليس من آل زياد، وإنما جده كان منقطعاً إلى زياد.

وسليمان التيمي مولى لبنى قيس بن ثعلبة، وكان نازلا في بني تيم، وأحمد الطحيمي الزاهد مولى لبنى ثعلبة بن يربوع، وأخوه محارب من صليبة بني الطحيم.

والحكم بن عمر العقاري صاحب خراسان، وعتبة بن غزوان هو من

بني مازن بن منصور أخي سليم وصفوان بن محرز المازني الذي بكى حتى ذهبت عينه. هو من غسان أخي مازن بن منصور.

وواصل بن عطاء الغزال رئيس المعتزلة أنه لما كان يجلس إلى أبي عبد الله الغزال مولى قطن الهلالي. وأبو سلمة الخلال ليس بخلال، وإنما كانت داره في الخلالين، وله حوانيت يباع فيها الخل.

ومثله خالد الحذاء. كان يجلس إلى رجل حذاء.

وممن عمي بعد عوره أو عشاه، فبقي على ما نسب إليه أولا الأعشى الشاعر والأخفش النحوي، وأبو يعقوب الخريمي، وخريم الناعم المري من ولد خارجه بن يسار صاحب الحمالة بين عبس وغطفان (ذبيان)، وهو بيت بني مرة. وخريم الذي يقول، وقد قيل له: ما النعمة؟ قال: الأمن، فإنه ليس لخائف عيش، والغنى، فانه ليس لفقير عيش، والصحة فانه ليس لسقيم عيش ثم لا مزيد بعد هذا. وإنما سمي الناعم لأنه كان يلبس البالي في الصيف والجديد في الشتاء.

أتى الحجاج بأساري من الترك، فأمر بقتلهم، فقال له رجل منهم: أطلب إليك أيها الأمير حاجة ليس عليك فيها مؤنة. قال: ما هي؟ قال: تأمر رجلا من أصحابك شريفا يقتلني، فإني رجل شريف. فسأل عنه أصحابه فقالوا كذلك هو، فأمر خريما الناعم المريء بقتله، فلما أقبل نحوه، وكان دميما أسود أفطس صرخ الرجل فقال الحجاج: سلوه ما له؟ قال: طلبت إليك أن دميما أسود أفطس صرخ الرجل فقال الحجاج: سلوه ما له؟. قال: طلبت إليك أن تأمر بقتلي رجلا شريفاً فأمرت هذا الخنفساء؟!...

فقال الحجاج: إنه لجاهل بما تبتغي غطفان يوم أضلت. أراد قول زهير في خارجة بن سنان:

وإن الرزية لا رزية مثلهاما تبتغي غطفان يوم أضلت
يبغون خير الناس كما واحداًعظمت رزيته الغداة وجلت
إن الركاب لتبتغي ذا مرةبجنوب نخل إذا الشهور أهلت
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الرزية لا رزية مثلها»

يقال عن خارجه إنه كبر وإنه ضل بنخل فلم ير بعد. ولما حضرت أمه الوفاة وهي حامل به قد أتمت قالت: إني لأجد مس الجنين في بطني حيا فأتوني بحديدة، فأتوها بها فبقرت بطنها بنفسها، وقالت: استوصوا به خيراً فانه أبيض طوال، وماتت، فسمى خارجة البقير. وهو الذي رهن قوسه في دماء عبس وذبيان بألف ناقة، واشترك معه أبوه وابن عمه الحارث بن عوف بن حارثة. ففيهما يقول زهير:

فرحت بما خبرت عن سيديكموكانا امرأين كل أمرهما يعلو
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو»
تداركتما الأحلاف قد ثل عرشهاوذبيان قد زلت بأقدامها النعل
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو»
فأصبحتما منها على خير موطنسبيلكما فيها وإن أحزنوا سهل
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو»

فأديا ألف ناقة هو وابن عمه، وأديا بعد ذلك مائتي ناقة في القتيلين اللذين قتلهما ابنا ضمضم بعد الصلح، ففي ذلك يقول شبيب بن البرصاء:

ونحن رهنا القوس في حرب داحسبألف وزيدت بعدها مائتان

النص من طبعة منشأة المعارف بالإسكندرية، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الممتع في صنعة الشعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.