من «الممتع في صنعة الشعر» لعبد الكريم النهشلي (ت ٤٠٥هـ)
باب في ذكر الهيبة
ومما يستجاد في ذلك قول أبي عبادة الوليد بن عبيد الله البحتري:
ولما وردنا سدة الأذن أخرترجال عن الباب الذي أنا داخله
فأفضيت من قرب إلى ذي مهابةأقابل بدر ألتم حين أقابله
إلى مسرف في الجود لو أن حاتماًلديه، لأمسى حاتم وهو عاذله
بدا لي محمود السجية شمرتسراويله عنه وطالت حمائله
كما انتصب الرمح الرديني ثقفتأنابيبه للطعن واهتز عامله
وكالبدر وافته لقدرٍ سعودهوتم سناه واستهلت منازله
فسلمت واعتاقت جناني هيبةتنازعني القول الذي أنا قائله
فلما تأملت الطلاقة وانثنىإلي ببشر آنستني مخايله
ذنوت فقبلت الندى في يد امرئجميل محياه سباط أنامله
صفت مثل ما تصفو المدام خلالةورقت كما رق النسيم شمائله
وقال ذو الرمة في بلال بن أبي بردة بن أبي موسى:
تقول عجوز مدرجة متروحاًعلى بيتها من عند أهلي وغاديا
أذو زوجة بالمصر أم ذو خصومةأراك لها بالبصرة العام ثاويا
فقلت لها: لا إن أهلي لجيرةلأكثبه الدهنا جميعاً وماليا
وما كنت مذ أبصرتني في خصومةأراجع فيها يا ابنة الخير قاضيا
ولكنني أقبلت من جانبي قساأزور فتى نجداً كريماً يمانيا
من آل أبي موسى ترى القوم حولهكأنهم الكروان أبصرن بازياً
مرمين من ليث عليه مهامةتفادى الأسود الغلب منه تفادياً
فما يغربون الضحك إلا تبسماًولا ينبسون القول إلا تناجيا
لدى ملك يعلو الرجال بضوئهكما يبهر البدر النجوم السواريا
وما الفحش منه يرهبون ولا الخناعليهم، ولكن هيبة هي ماهيا
لمستحكم جزل المروءة مؤمنمن القوم لا يرضى الكلام اللواغيا
في السن كهل العلم يسمع قولهيوازن أدناه الجبال الرواسيا
قوله مرمين: أي مطرقين، والغلب: الغلاظ الرقاب، واحدهم أغلب ويتفادى يتقى بعضها ببعض، وأغرب: أكثر من الضحك. ويقال ما نبس بكلمة أي ما تكلم بها. والتناجي: السرار.
وقال مهلهل بن ربيعة:
أنبئت أن النار بعدك أوقدتواستب بعدك يا كليب المجلس
وتقاولوا في أمر كل عظيمةلو كنت حاضرهم بها لم ينبسوا
أبني ربيعة من يقوم مقامهأم من يرد على الصريخ ويحبس
وإذا تشاء رأيت وجهاً ناعماًوذراع باكية عليها برنس
جزعاً عليك ولست لائم حرةتبكي عليك بعثرة وتنفس
ولقد شفيت النفس من سرواتهموالخيل تعثر في الدماء وتعبس
وتركت جساساً ينوء بصعدةسمراء يقدمها سنان مدعس
أكليب لو حدثت كيف عقوبتيعلمت عظامك إذ علاها المرمس
أن لست زيراً حين ششت وقودهافي الحرب يوم عنانها لا يسلس
قوله: (وذراع باكية عليها برنس) يعني أنهن كن نصارى، يلبسن البرانس. وزير النساء. أي يلزم مجالستهن.
وقال آخر:
إذا بدر احتبى بالسيف دان لهشوس الرجال خضوع الحرب الطالي
كأنما الطير منهم فوق هامهملا خوف ظلم ولكن خوف إجلال
وقال كثير:
شهدت ابن ليلى في مواطن قد خلتيزيد بهذا الحلم حلماً حضورها
فلا هاجرات القول ينطقن عندهولا كلمات النصح مقصى مشيرها
ترى القوم يخفون المواعظ عندهوينذرهم عود الكلام نذيرها
وإني لآتي فترة فمسلموإن لم تكلم حفرة من يزورها
وقال الفرزدق: وقيل هي لداود بن سلم في قثم بن العباس. وقيل للفرزدق في علي بن
الحسين ﵉:
يغضي حياء ويغضي من مهابتهفلا يكلم إلا حين يبتسم
هذا الذي تعرف البطحاء وطأتهوالبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهمهذا التقي النقي الطاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلهاإلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحتهركن الحطيم إذاما جاء يستلم
وفي قثم بن العباس بن عبد المطلب يقول الأخطل:
ولقد غدوت على التجار بمسمحهرت عواذله هرير الأكلب
لذ تغلبه التعيم كأنماسحت ترائبه بماءٍ مذهب
لباس أردية الملوك تروقهمن كل مرتقب عيون الربرب
خضل الكياس إذا تثنى لم تكنخلفاً مواعده كبرق الخلب
وإذا تعوورت الزجاجة لم يكنعند الشراب بفاحش متقطب
قوله: لذ هو الرجل يشتهى اللذات. ويقال إن الأبيات الأولى للعين المنقري. وإنما سمى اللعين لأن عمر ﵁ كان في صلاة حتى دخل اللعين، فقال: ألقت مراسيها يدا الزمزام
فلما سلم قال: من هذا اللعين؟. فسمى بذلك.
وقال أشجع السلمي:
لا يصلح السلطان إلا شدةتغشى البريء بفضل ذنب المجرم
ومن الأنام مفخم لا يتقىوالسيف تقطر شفرتاه من الدم
منعت مهابتك النفوس حديثهابالأمر تكرهه وإن لم تعلم
قال عبد الكريم: ولي أبيات من قصيدة ذكرت فيها الهيبة. وهي:
ومجلس موفور الجلالة تنثنيعيون الورى عنه وينبو خطابها
ترى فيه رفع الطرف خفضاً كأنمالحاظ الرجال ريبة تسترابها
نثرت به غر المعاني كأنهاقلائد در زان جيداً سخابها
إذا حكتها ظلت نواسج عبقرحواسد مدسوساً إلي عتابها
على ملك تهدى إلى مكرماتهعقائل أشعار يرف شبابها
همام دعت كفاه قاصية العلافلباه منها صفوها ولبابها
وكيف بها إلا عليه طريقهاوأين بها إلا إليه ذهابها
إذا ورد المنصور أرضاً تهللتوجوه رباها واستهل ربابها
إذا اغبرت الآفاق بلت سماؤهثراها بأيد ما يجف رغابها
كان الغوادي الزرق عنه مضاؤهاوخضر السحاب من نداه عيابها
فمن يوله سعداً ينله ومن يردبه شقوة تخلع عليه ثيابها
يحل ثياباً حلها البر والتقىويخضر من بعد اصفرار جنابها
وما بلدة لم يأت بالطوع أهلهابآمنة إلا تدك هضابها
تحط بها الأسد الضواري خواضعاًلديك ولو أن الكواكب غابها
ولو أنها عاصتك غير مجيبةأجابتك من تحت السيوف رقابها
تهابك آفات الخطوب فتنتهيولا تنتهي عن خطة فتهابها
رماحك أحناء الضلوع ثقافهاوخيلك تامور النفوس شرابها
ترى كل نهد أعوجي حجولهكما محت الزرق العوالي حجابها
أعوجى منسوب إلى أعوج، كان لكندة فأخذته سليم في بعض أيامهم، ثم صار لبني هلال قال أبو عبيدة كان الوجيه والغراب والوفا بها تفتخر بما صار إليه منها.
قال الأصمعي: هما أعوجان، فالأكبر منهما لغنى، والأصغر لبني هلال، وذكر أن شبل هي أم أعوج. وأنها كانت لأعوج. وذو العقال لبني رياح. ومنها جلوى، وكانت لبنى ثعلبة بن يربوع. ومنها الحنفاء، وهي أخت داحس لأبيه وأمه، من ولد ذي العقال، ومنها الغبراء. كانت لقيس بن زهير، وهي خالة داحس، واخته لأبيه. وإذا قالوا بنات أعوج، فإنما يريدون الذكران من الخيل، وما لم يكن من الناس يقال للذكور منه بنات.
النص من طبعة منشأة المعارف بالإسكندرية، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع