من «الممتع في صنعة الشعر» لعبد الكريم النهشلي (ت ٤٠٥هـ)
باب من الأنفة عن السؤال بالشعر
الشاعر عند العرب أفضل من الخطيب، وكانت تهنأ بالشاعر إذا نبغ، إلا أن المحدثين أخرجه عن جده، وجعلوه مكتسباً حتى قالوا: الشعر أدنى مروة السرى، وأسرى مروة الدنى. وكانت العرب تأنف عن الطلب بالشعر. قال شاعرهم:
وإني لأستبقي إذا العسر مسنيبشاشة وجهي حين تبلى المنافع
فاعفي قرى قومي ولو شئت نولواإذا ما تشكى الملحف المتصارع
مخافة أن أخلي إذا جئت زائراًويرجعني نحو الرجال المطامع
فاسمع منا أو أشرف مرغماًوكل مصادي نعمة متواضع
وقال:
وإني امرؤ لا أسأل الناس مالهمبشعري ولا تعي علي المكاسب
وقال عبيد:
من يسأل الناس يحرموهوسائل الله لا يخيب
ومدح ابن ميادة أبا جعفر المنصور وقال:
فوجدت حين لقيت أيمن طائرووليت حين وليت بالإصلاح
وعفوت عن كسر الجناح ولم يكنلتطير ناهضة بغير جناح
قوم إذا جلب الثناء إليهمبيع الثناء هناك بالأرباح
وعزم على الرحلة إليه، فأتاه راعي إبله بلبن فشرب منه شربة ثم مسح على بطنه فقال: سبحان الله أأفدي على أمير المؤمنين وهذه الشربة تكفيني؟!، فرجع ولم يأته.
وبعث أبو عبيد الله الوزير إلى عبد الله بن مصعب بن ثابت بن الزبير بألفي دينار صلة وعشرين ثوباً، فلم يقبلها، وكتب إليه: أصلحك الله، وأمتع بك، ما لسيبك وامتناحك أجببناك ووددناك وشكرناك لفضلك ونبلك. وقسم الله لك في رأيك ومعرفتك ورعايتك حق ذوي الحقوق.
وقال عبد الله بن مصعب للمهدي أمير المؤمنين:
يا ابن الذي ورث النبي محمداًفله تراث محمد لم ينكر
إني عقدت ذمام حبلى معصماًبحبال ودك عقدة المتخير
يوم المدينة عند قبر محمدوقبابه ومقامه والمنبر
فأخذت منك بذمة محفوظةمن فاز منك بمثلها لم يحقر
وأراك تصطنع الرجال ولم أكندون امرئٍ قدمته بمؤخر
أوأنت متخذي لنفسك جنةوعلي عهد الله إن لم أشكر
ولقد صبرت لسوءة صادفتهاممن يلاقيني بخد أصعر
لما رأوك جفوتي فتركتنيإن آت أقصى أو أغب لا أذكر
إني إذا بلغ العدو حميتيبرزت أمشي مشية المتبختر
ريموا العداوة صاغرين وحاذرواصولات ذي لبد هزبر مخدر
فأقبل عليه المهدي، وأعطاه حكمه فقال:
يا أمين الله في الشرق والغربعلينا ويا ابن عم الرسول
إن حكمي عليك تفديك نفسيوكثيري وأسرتي وقليلي
مجلسي بالعشي عندك في الميدانوالإذن منك لي في الدخول
ليس شيء من الأمور وإنكان عظيماً عندي له بعديل
فأجابه لذلك فجعله من جلسائه، وأصاب أموالا عظيمة. وارتفعت حاله.
ومن جميل السؤال، ولطيف التقاضي قول أمية بن أبي الصلت الثقفي وكانت له حاجة عند عبد الله بن جدعان، فتقاضه بقوله:
أأذكر حاجتي أم قد كفانيحياؤك إن شيمتك الحياء
وعلمك بالحقوق وأنت فرعلك الحسب المهذب والنساء
وأرضاك أرض مكرمة بنتهابنو تميم وأنت لها سماء
إذا أثنى عليك المرء يوماًكفاه من تعرضه الثناء
وهذا ألطف تقاض، وأشرف مدح.
وقال آخر:
لساني وقلبي شاعران كلاهماولكن وجهي مفحم غير شاعر
فلو كان وجهي شاعراً كسب الغنىولكن وجهي مثل وجه ابن طاهر
فتى يتقي أن يخدش اللؤم عرضهولا يتقي حد السيوف البواتر
ويقال عن جميل بينة بن معمر العذري إنه ما مدح أحداً قط أنفة، وصحب الوليد بن عبد الملك في بعض سفره، والوليد على نجيب فزجر به ابن العذري، فقال:
يا بكر هل تعلم من علاكاخليفة الله علا ذراكا
فقال الوليد لجميل، انزل فازجر، وظنه يمدحه، فقال:
أنا جميل في السنام من معدفي الذروة العلياء والركن الأشد
وأخذ في مدح نفسه وقومه. فقال: اركب لا حماك الله.
وعامة قضاعة لا يزعمون أنهم من معد، وإنما ينسبون في قحطان. وجميل عذري من قضاعة، يزعم أنه من معد كما ترى، وكذلك يقول نسابو ربيعة ومضر. يقولون قضاعة من معد بن عدنان، وبقضاعة كان يكني معد. قال الزبير ابن بكار: وعلماء قضاعة يرون أنهم من معد، والشعراء منهم كذلك مثل جميل والقطامي والكميت بن زيد، وإبراهيم بن هرمة قال جميل:
وأي معد كان فيء وماحه كماقد أفأنا والمفاخر منصف
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفناوإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا
تحب العذارى البيض ظل لوائناإذا ما دعانا الصارخ المتلهف
وكنا إذا ما معشر أجحفوا بناومرت جواري طيفهم وتعيفوا
وضعنا لهم صاع القصاص رهينةوسوف نوفيها إذا الناس طففوا
برزنا وأصحرنا لكل قبيلةبأسيافنا إذ يؤكل المتضعف
ونحن حمينا يوم مكة بالقناقصياوأطراف القنا متقصف
فحطنا بها أكناف مكة بعدماأرادت بها ما قد أبى الله حندق
لما سمع الفرزدق قوله:
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا... البيت
حسده الفرزدق، وقال له: تجاف لي عنه، فأنا أحق به منك. متى كان الملك في عذرة؟، إنما هو لمضر، وأنا شاعرها. فهي تروى للفرزدق.
سمع الفرزدق الشمردل بن شريك اليربوعي يقول:
فما بين من لم يعط سمعاً وطاعةوبين تميم غير حز الحلاقم
فقال له: أنا أحق به منك، لتدعنه أو لتدعن عرضك. فقال: خذه لا بارك الله لك فيه.
وقال ذو الرمة للفرزدق: لقد قلت أبياتا إن لها لمعنى بعيداً. قال: ما هي؟ قال:
أحين أعاذت بي تميم نساءهاوجردت تجريد الحسام من الغمد
ومدت بضبعي الرباب ومالكوعمرو وسارت من ورائي بنو سعد
ومن آل يربوع زهاء كأنهدجى الليل محمود النكاية والرقد
قال الفرزدق: لا تعدون فيها، وأنا أحق بها منك. فقال لا أنشدها أبدا إلا لك. فهي في شعر الفرزدق.
زعموا أن ذا الرمة مر بجرير فقال: يا أبا غيلان أنشدني ما قلت في هشام المري. فأنشد:
نبت عيناك عن طل بحزوىمحته الريح وامتنح القطارا
فقال له: ألا أعينك؟. قال بلى. قال: قل له:
يعد الناسبون إلى تميمبيوت المجد أربعة كبارا
يعدون الرباب وآل سعدوعمراً، ثم حنظلة الخيارا
ويهلك بينهما المري لغواًكما ألغيت في الدية الحوار
ثم مر بالفرزدق فأنشده هذه الأبيات، فقال له: لقد علكهن أشد لحيين منك.
وقد روى محمد بن سلام (الجمحي) أن جميلا مدح عبد العزيز بن مروان فقال:
أمين الصدق يحفظ من تولىبما يكفي القوي به النبيل
أيا مروان أنت فتى قريشوكهلهم إذا عد الكهول
توليه العشيرة ما عناهافلا ضيق الذراع ولا بخيل
إليك تشير أيديهم إذا مارضوا أو غالهم أمر جليل
كلا يومه بالمعروف طلقوكل بلائه حسن جميل
نما بك في الذؤابة من قريشبناة المجد والعز الأثيل
أروم ثابت يهتز فيهبأكرم منبت فرع طويل
ويقال إن رجلا من عذرة يقال له جواب وكان ابن بلويه، وكان شاعراً وكان جميل بن عبد الله أمه جذامية، فخرج جميل في أخواله من جذام وهو يقول:
جذام سيوف الله في كل موطنإذا ما أزمت يوم اللقاء أزام
هم وسعوا ما بين مصر فذى القرىإلى الشام من حل به وحرام
بضرب يزيل الهام عن سكناتهوطعن كانزاع المخاض تؤام
إذا قصرت يوماً أكف قبيلةعن المجد نالته أكف جذام
فأعطوه مائة بكرة، وخرج جواب في أخواله بلى وقال:
إن بلياً غرة يهتدي بهاكما يهتدي الساري بمطلع النجم
هم ولدوا أمي وكنت ابن أختهملا أتخول جذام قوم بلا علم
فأعطوه مائة غرة ما بين فرس إلى وليدة ففخر على صاحبه. وذكروا أن الغرة الواحدة مما معه تعدل كل شيء مما أتى به جميل.
قال محمد بن سلام: قام روح بن زنباغ الجذامي في يوم جمعة إلى يزيد ابن معاوية حين فصل بين الخطبتين فقال: يا أمير المؤمنين ألحقنا باخواننا، فانا قوم معديون.
قال يزيد: إن اجتمع على ذلك قومك فعلناه. فقال عدي بن الرقا العماملي. وعماملة من قضاعة لما بلغه ذاك:
إنا رضينا وإن عانت جماعتناما قال سيدنا روح بن زنباع
فبلغ ذلك ثابت بن قيس، فجاء حتى دخل المقصورة فقال: أين الغادر الكاذب روح بن زنباغ؟ ثم قال: يا أمير المؤمنين زعم روح أنه من معد، وليس نعرف ذلك، ولكنا من قحطان يسعنا ما يسع قحطان، ويعجزنا ما يعجزهم. فبلغ ذلك ابن الرقاع فقال:
قحطان والدنا الذي ندعى لهوأبو خزيمة خندق بن نزار
أنبيع والدنا الذي ندعي لهبأبي معاشر غائب متوارى
أظلال ليل ساقط أكنافهفي الناس أعذر أم ظلال نهار
ونسابو مضر يزعمون أن جذام بن أسد بن خزيمة. ويقال إن قضاعة بن معد أكبر من ربيعة ومضر عدداً، وأن كلب بن وبرة بسماوة كلب تربى على قيس وخندق في البدو والحضر. وقال ذو الشامة، وهو المثلم الكلبي:
أبيتم أن تكونوا من نزاروخير الناس كلهم نزار
وربيتم عجوزكم وكانتحصاناً لا يحل لها إزار
حصان لو تلمسها يمانللاقى مثل ما لاقى يسار
وقال القطامي واسمه عمر بن شييم التغلبي:
أكلب هلم نحو بني أبيكمودعوى الزور منقصة وعار
وقد علمت كهولهم القدامىإذا قعدوا كأنهم النسار
بأن قضاعة الأولى معدلقوم لا تغط له البكار
قضاعة كان جزءاً من معدفحطهم المعائب والسرار
فإن تعزل قضاعة عن معدنصر تبعاً وللتبع الصغار
ومن يك يوم دعوته غريباًيخنه من جناحيه انكسار
ونصر ذوي الأباعد منك وثبوأحشاء ابن عمك تستطار
وقلت لذي الكلاع وذي رعينأحق قول حمير أم جوار
تداعيهم قضاعة بعد دهروفي الدهر التقلب والغيار
ونسابو نزار يجعلون أهل اليمن من ولد إسماعيل. وقال يعقوب بن السكيت إن كندة ولد قحطان بن الهميسع بن تيمن بن نبت بن إسماعيل. وقال المبرد: قال النبي ﷺ لعائشة وقد نذرت أن تعتق قوماً من ولد إسماعيل فسبى قوم من (بني) العنبر فقال إن سرك أن سرك أن تعتقي العميم من ولد إسماعيل فاعتقي هؤلاء.
وقال بعض النسابين إن بني العنبر من قضاعة، وقضاعة من معد.
ومن زعم أن قضاعة ابن مالك بن حمير فهو الحق. قال: فالنسب الصحيح في قحطان الرجوع إلى إسماعيل وهو الحق، وقول المبرزين من العلماء: وإنما العرب المتقدمة من أولاد عابر ورهطه عاد وطسم وجديس وجرهم والعماليق. فأما قحطان عند أهل العلم فهو ابن الهميسع بن نبت بن قندر بن إسماعيل.
النص من طبعة منشأة المعارف بالإسكندرية، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع