تجاوز إلى المحتوى

من «الممتع في صنعة الشعر» لعبد الكريم النهشلي (ت ٤٠٥هـ)

باب والشعراء تستحسن انتصارها بألسنتها ويقيم ذلك أحدهم مقام سيفه ويده

قال أوس بن حجر:

بني ومالي دون عرضي وقايةوقول كوقع المشرفي المصمم

وكان أوس يرغب في مدحه وتحريضه، ومن تحريضه يحض النعمان بن المنذر على بني حنيفة. وذلك؛ أن شمر بن عمرو الحنفي قتل المنذر بن المنذر حين التقى مع الحارث بن أبي شمر الغساني فقال أوس:

نبئت أن بني حنيفة أدخلواأبياتهم تامور نفس المنذر

فغزا النعمان بني حنيفة فقتل منهم وحرق عليهم. وقال:

ألا أبلغ بني بكر رسولاًفقد صم الظنابيب السباق
إلى الغايات أعلى المجد حتىحسرناكم وبرزت العتاق
وسأل بنا الغبيط وجانباهعلى حنق وساد بهم أفاق
أطعنا ربنا وعصاه قوموذقنا غب طاعته وذاقوا

ومن مدح أوس لفضالة الأسدي، قوله يرثيه:

أيتها النفس أجلي جزعاًإن الذي تحذرين قد وقعا
إن الذي جمع السماحةوالنجدة والبر والتقى جمعا
الألمعي الذي يظن بك الظنكأن قد رأى وقد سمعا

قال الأصمعي: هو أحسن ابتداء مرثية، وهو كقول علي بن الحسين وتوفي له ولد فلم يربه عليه جزع، فقيل له في ذلك. فقال هذا ما كنا نتوقعه، فلما حل لم ننكره.

ولأوس بن حجر في مقالة يرثيه أيضاً:

ألم تكسف الشمس شمس النهار بالنجم والقمر الواجب
لهلك فضالة لا يستوي الفقود ولا جلة الذاهب
ألهفي على علم الآيةعلى الحائر الحي والحارب
ويكفي المقالة أهل المقال غير معيب ولا عائب
للشاعر أوس بن حجر، اقرأ القصيدة
ويحبو الخليل بخير الحباء غير صخوب ولا قاطب
برأس النجيبة من حولهوبالطرف كالجوذر الكاعب
فمن يك ذا نائل يسعمن فضالة في أثر لاجب
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «ألم تكسف الشمس والبدر والكواكبُ»
هو الواهب العلق غير النفيس والمتعلى على الواهب
وأفضلت في كل شيء فماتناول سعيك من طالب
نجيح مليح أخو ما قطنقاب يحدث بالغائب

وكان المخبل السعدي هجا خليدة بنت بدر، فقال للزبرقان أخيها:

وأنكحت هزالاً خليدة بعدماحلفت برأس العين أنك قاتله
فأنكحته رهوي كان عجانهامشق إهاب أوسع السلح بأجله

يلاعبها فوق الفراش وجاركم بذي شرمان لم تزيل مفاصله وكان هزال قتل ابن أمية في جوار الزبرقان، ورحل إلى الجزيرة، فأقسم الزبرقان ليقتلنه، ثم مضى الدهر على ذلك وزوجه أخته خليدة، ثم مر المخبل بعد حين وقد أصابه كسر بخليدة، وهو لا يعرفها، فآته وجبرت كسره، وزودته عند رحيله، فقال: ما اسمك يا جارية؟. قالت: لم ذاك؟ قال: لأمدحك قالت: رهوي. قال: بالله ما رأيت امرأة أكرم منك لها مثل هذا الاسم. قالت: فأنت سميتني به. قال: وكيف؟. قالت: أنا خليدة أخت الزبرقان فأقسم لا يهجوها ولا أحداً من قومها. وقال:

لقد زل رأي في خليدة زلةسأعتب قومي بعدها وأتوب
وأشهد والمستغفر الله إننيكذبت عليها والهجاء كذوب
للشاعر المَخَبَّل السَعدي، اقرأ القصيدة

الرهوي التي تذم عند الجماح بسعة الفرج.

وقدم المدينة عبان بن قيس بن عاصم، فنزل على أروى بنت كزير فأكرمت مثواه فقال حين أراد الخروج:

حلفت على أروى سلاماً فإنماجزاء الثواء أن تعف وتحمدا
سلاماً أتى من وامق غير عاشقأراد رحيلاً ما أعف وأمجدا

وقال نابغة بني ذبيان لعامر بن الطفيل في وقعة حنين. وكان النابغة غائباً عنها، فلما قدم سأل بني ذبيان عما قالوا لعامر وما قال لهم، فأنشدوه فقال: أفحشتم على الرجل وهو

شريف. ثم قال:

إن يك عامر قد قال جهلاًفإن مظنه الجهل الشباب
فكن كأبيك أو كأبي براءتصارفك الحكومة والصواب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «فإن يك عامر قد قال جهلاً»
فلا تذهب بلبك طائشاتمن الخيلاء ليس لهن باب
فإنك سوف تبرك أو تناهيإذا ما شبت أو شاب الغراب
وإن تكن الفوارس من حنينأصابوا من لقائك ما أصابوا
فما أن كان من نسب بعيدٍولكن أدركوك وهم غضاب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «فإن يك عامر قد قال جهلاً»

فلما سمع ذلك عامر قال: ما هجاني أحد حتى هجاني النابغة. جعلني القوم رئيساً، وجعلني النابغة سيفها جاهلا، وتهكم بي ولم يزد عليه. والتهكم الاستخفاف.

أراد عمرو بن الأهتم أن يسفه الأحنف بن قيس فدس إليه رجلا

فقال: يا أبا نجم من كان أبوك في قومه؟. قال: كان في أوسطهم، لم يسدهم، ولم يتخلف عنهم. فرجع إليه ثانية ففطن أنه من قبل عمرو، فقال الرجل: ما كان مال أبيك؟. فقال: كانت له صرمة يمنح منها ويقرى، ولم يكن أهتم سلاحاً. والأهتم أسمه سنان بن سمى والذي هتمه قيس بن عاصم ضربه بطرف قوسه فكسر فمه.

وجعل عمرو بن الأهتم لرجل ألف درهم على أن يسفه الأحنف، فأتاه الرجل وسبه بما يغضب والأحنف مطرق لا يكلمه، فأقبل الرجل يعض إبهامه ويقول: واسوأتاه! والله ما يمنعه من جوابي إلا هواني عليه. وفعل ذلك آخر فأمسك الأحنف عنه، وأكثر الرجل إلى أن أراد الأحنف القيام للغداء، فقال للرجل: يا هذا إن غداءنا قد حضر فانهض بنا إليه إن شئت فانك منذ اليوم تجد وتحمل بغال.

ولولا الشعر ما عرف جود حاتم وكعب بن مامة وهرم بن سنان وأولاد جفنة، وإنما أشاد بذكرهم الشعر. قال الفرزدق:

على ساعة لو أن في القوم حاتماًعلى جوده سبت نفس حاتم

وقال زهير:

من يلق يوماً على علاته هرماًيلق السماحة فيه والندى خلقاً
لو نال حي من الدنيا بمكرمةٍأفق السماء لنالت كفه الأفقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»

وقال جرير:

فما كعب بن مامة وابن سعدىبأجود منك يا عمر الجوادا
للشاعر جرير، من قصيدة «أبت عيناك بالحسن الرقادا»

وقال عنترة:

ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمهاقول الفوارس ويك عنتر أقدم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هلْ غادرَ الشُّعراءُ منْ متردَّم ( معلقة )»

وقال آخر:

وفككنا غل امرئ القيس عنهبعدما طال حسبه والعناء
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

وقال القطامي:

أليسوا بالأولى قسطوا قديماعلى النعمان وابتذروا السطاعا
وهم وردوا الكلاب على تميمبجيش يبلع الناس ابتلاعا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة منشأة المعارف بالإسكندرية، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الممتع في صنعة الشعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.