من «الممتع في صنعة الشعر» لعبد الكريم النهشلي (ت ٤٠٥هـ)
باب فيه النهي عن تعرض الشعراء
قالوا: لا ينبغي لعاقل أن يتعرض لشاعر، فربما كلمة جرت على لسانه فصارت مثلا آخر الأبد، كالذي قال للأقيشر الأسدي: يا أقيشر - وكان يغضب من ذلك فنظر إليه طويلا، وكان الرجل من بني عبس فقال:
أتدعوني الأقيشر ذلك أسمىوأدعوك ابن مطفئة السراج
تناجي خدنها بالليل سراورب الناس يعرف من تناجي
فسمي ذلك الرجل ابن مطفئة السراج، ويعرف به ولده إلى اليوم.
ومر الأقيشر بمطر بن ناحية اليربوعي حين غلب على الكوفة أيام الضحاك الشاري، ومطر على منبر الكوفة يخطب فقال:
ابني تميم ما لمنبر ملككملا مستقر قعوده يتمرمر
إن المنابر أنكرت أشباهكمفادعوا خزيمة يستقر المنبر
خلعوا أمير المؤمنين وبايعوامطراً لعمرك بيعة لا تظفر
واستخلفوا مطراً وكان كقائلحلف لعمرك من يزيد أعور
فبلغ جرير بن الخطفي قول الأقيشر رجلا فقال: إني جئت لأهجو قومك وتهجو قومي قال: ممن أنت؟ قال: من تميم. فقال الأقيشر:
لا أسداً أسب ولا تميماوكيف يحل سب الأكرمينا
ولكن التفاوض حل بينيوبينك يا ابن مضطربة العجينا
فسمي الرجل بذلك:
ومر الأقيشر بمجلس من بني فزارة، فقال صبيانهم: ذهب الأقيشر فلما أصبح دعا بدواة ولوح، واستأذنت عليه بنو فزارة، فدخلوا عليه فقالوا إنه قد بلغنا ما كان من سفهائنا، فهب لنا ذلك. قال: قد فعلت، ولكني قد قلت بيتا فاسمعوه: قالوا: وما هو؟. قال:
ذهب القبائل بالمكارم والعلاوبنو فزارة يلعبون الكبكبا
وهي لعبة للصبيان يركب بعضهم بعضا.
وكان يقال لعمرو بن سعيد بن العاص لطيم الشيطان، ولمروان بن الحكم حبط باطل.
قال الشاعر يذكر قتل عمرو بن سعيد:
كأن بني مروان إذ يقتلونهبغاث من الطير اجتمعن على صقر
غدرتم بعمرو يا بني حبط باطلوأنتم ذوو قربى به وذوو صهر
فرحنا وراح الشامتون عشيةكأن على أكتافنا فلق الصخر
لحا الله دنياً يدخل النار أهلهاويهتك ما دون المحارم من ستر
وعبد الملك بن مروان أول من قال: الملك عظيم، فصارت مثلا، ولعمرو يقول عبد الملك: أمكر وأنت في الحديد. وكان عمرو مكبلا: فقال له: إن رأيت ألا تفضحني بأن تخرجني إلى الناس فتقتلني بحضرتهم. ففطن له ما قال، فصارت مثلا لمن أراد يمكر وهو مقهور.
وهجا الفرزدق عنبسة الفيل، وذلك أنه كان يفضل جريرا على الفرزدق ويروى قصائده، فقيل للفرزدق: هاهنا رجل يعيب شعرك، ويروي قصائد جرير فيك، ويفضله عليك. قال: من هو؟ قالوا: عنبسة بن معدان من مهرة
قال: أهو من أهل البصرة، ولديه منزل؟. قالوا نعم. قال: ويحكم! رجل من مهرة له منزل بالبصرة لا أعرفه إن هذا لعجب!. أروني داره. فأروه داره، فقال هذه دار معدان الفيل، فمتى كان هذا من مهرة هذا قدم أبوه البصرة أيام عبد الله بن عامر فأثرى. وأنشأ يقول:
لقد كان في معدان والفيل راجزلعنبسة الراوي علي القصائدا
فروى هذا البيت بالبصرة، فلقى أبو عيينة بن المهلب عنبسة على باب بعض الولادة فقال له: يا عنبسة ما أراد الفرزدق بقوله:
لقد كان في معدان والفيل زاجر
فقال: لم يقل والفيل إنما قال: واللؤم، فقال أبو عيينة والله إن شاء فررت منه إلى اللؤم لأمر عظيم.
قالوا: رب رمية كم غير رام، ورب لقب قد وضع من شريف وأزرى بكريم.
قال الجاحظ: ربما كان اسم الجارية غليم، وصبية، فيستملح ذلك إذا كانت حديثة السن، فإذا اكتملت تغير ذلك الاستملاح، وإذا صارت عجوزا ولها أولاد وصار بنوها رجالا، وبناتها نساء، فما أقبح حينئذ أن يقال لها: يا غليم، وكيف أصبحت يا صبية. ولأمر ما كنت العرب البنات، فقالوا: ما فعلت أم الفضل. وقالت أم عمرو. وذهبت أم حكيم.
والعرب تقول: رب قول أنفذ من صول. ألا ترى إلى علقمة بن علاثة بن الأحوص بن جعفر بن كلاب كيف بكى من قول الأعشى:
تبيتون في المشتى ملاء بطونكموجاراتكم غرثى يبتن خمائصا
يراقبن من جوع خلاء مخافةنجوم الثريا الطالعات الشواخصا
فما ذنبنا أن جاش بحر ابن عمكموبحرك ساج ما يواري الدعامص
أتاني وعيد الحوص من آل جعفرفيا عبد عمرو ولو نهيت الأحاوصا
والعرب لا ذل عندها أذل من البكاء. ويمدحون الشدة والقساة. وقال:
يبكي علينا ولا نبكي على أحدلنحن أغلظ أكباداً من الإبل
وقال أحمد بن الحسين المتنبي. قليل له المتنبي لفظنته:
وإنه المشير عليك في بضلةفالحر ممتحن بأولاد الزنا
وإذا الفتى طرح الكلام معرضاًفي مجلس أخذ الكلام اللذعنى
ومكائد السفهاء واقعة بهموعداوة الشعراء بئس المقتنى
قال أبو عبيدة وقد قيل له: أيما أشعر أبو نواس أو ابن أبي عيينة، أنا لا أحكم بين الشعراء الأحياء. فقيل له: سبحان الله أما يتبين هذا لكل أحد؟ فقال: أنا ممن لم يتبين له.
وقد كره عمر (بن الخطاب) رضى الله عنه أن يحكم بين النجاشي وابن مقبل، وكان عالماً بالشعر فدعا بحسان بن ثابت، فقال: هل هجاه؟ قال لا ولكن سلح عليه.
وقال دعبل بن علي الخزاعي:
لا تعرضن بمزح لامرئ طبنما راضه قلبه أجراه في الشفة
فرب قافية بالمزح جاريةفي محفل لم يرد إنماؤها نمت
إني إذا قلت بيتاً مات قائلهومن يقال له والبيت لم يمت
وسمع جرير امرأة من كندة تساب امرأة من بني كليب وإذا هي تقول:
أتعدلين معرضاً بأوسوالخطفي بأشعت بن قيس
ما ذاك بالعدل ولا بالكيس
فطلب إليها جرير حتى كفت.
وسابت امرأة من كندة امرأة من بني الهجيم، فأقبلت الكندية على الناس فقالت:
تسبني اليوم رجال ضبهيا لك من عبد يسب ربه
قال الله ﵎: (ولا تنابزوا بالألقاب، بئس الإثم الفسوق بعد الإيمان).
ومن العرب من يرمي بخلة من خلال السوء، وثم تصير لقبا، وقد رمى بها مثل بني كلب. قال الجاحظ كانوا يرمون بإتيان الضأن، وكذلك بنو الأعرج وأشجع وسليم ترمى بنيك المعزى. قال النجاشي:
ولو شتمتني من قريش قبيلةسوى ناكة المعزى سليم وأشجع
وقال الفرزدق:
فلست مضحياً ما دمت حياًبشاة من حلوبة أعرجي
فما أدري إذا أنفقت ماليلعل الشاة تبعر عن صبي
الفرزدق أشد هجاء من جرير، وأحسن مقطعات من كل شاعر في زمانه، وأكثر نوادر ومضحكات.
وقال الشاعر لبني فقعس:
قبيلة شر خيرهم مثل شرهمترى منهم للضأن فحلاً وراعيا
إذا خليت منهم عروس وبعلهاترى النعجة البقعاء تبكي البواكيا
إذا حلبت أغضى وصد بوجههوظل إلى ما يصنع التيس رانيا
وبنو فزارة يرمون بنيك النوق، قال الفرزدق أو غيره:
لا تأمنن فزاريا خلوت بهعلى قلوصك واكتبها بأسيار
أي شدها.
قال المدائني: سأل رجل من أهل الشام محمد بن الحنفية: أعلي أفضل أم عثمان
قال: اعفني. فقال: أنت شبيه فرعون حين سأل موسى: ما بال
القرون الأولى؟ قال عملها عند ربي. فصاح الناس بالشامي: يا شبيه فرعون فهرب من الشام إلى مصر.
دخل الأحنف على معاوية فقال له معاوية: ما الشيء الملفف في البجاد؟
قال: السخينة يا أمير المؤمنين. أراد معاوية قول الشاعر:
إذا ما مات ميت من تميمفسرك أن يعيش فجيء بزاد
بخبز أو بتمر أو بسمنأو الشيء الملفف في البجاد
تراه يطوف الآفاق حرصاًليأكل رأس لقمان بن عاد
وأراد الأحنف قول خداش:
يا كرة ما كررنا غير كاذبةعلى سخينة لولا الليل والحرام
الشيء الملفف في البجاد وطاب اللبن، والبجاد الكساء والسخينة حساء كانت تصنعه قريش في الجاهلية عند غلاء السعر.
عرض معاوية فرساً على عبد الرحمن بن حسان بن حسان فقال: كيف تراه؟. قال: أراه أحش هزيما. أراد قول النجاشي الحارثي تعيير معاوية بالفرار في يوم صفين فقال:
ونجى ابن حرب سابح ذو علالةأحش هزيم والرماح دواني
إذا قلت أطراف الرماحتناله مرته به الساقان والقدمان
وقال الفرزدق لمضرس الأسدي: كيف تركت القيان يا أخا بني أسد؟. فقال تركته نساء لصاف. أراد الفرزدق قول ابن مهوس:
ضمن القنان لفقعس سراتهاإن القنان لفقعس لمعمر
وأراد الفقعسي قوله:
وإذا تسرك من تميم خصلةفلما يسوءك من تميم أكثر
قد كنت أحسبهم أسود خفيةفإذا لصاف تبيض فيها الحمر
ذهبت قشيشة بالأباعر حولناسرفاً فصب على قشيشة أبجر
القنان جبل بني أسد، ولصاف ماء لبني تميم، وأبجر بن جابر العكلي أبو حجار وكان نصرانيا.
قال المدائني: دخل رجل من محارب بن قيس على عبد الله بن يزيد بن زياد الهلالي، وهو عامل على أرمينية، وقد بات في موضع قريب منه غدير في ضفادع، فأسهره نقيقها فقال للمحاربي لما دخل عليه: ما تركتنا أشياخ محارب ننام ليلتنا هذه لشدة أصواتها. فقال المحاربي: أصلح لله الأمير إنها أصابت برقعاً. فهي في طلبه. أراد عبد الله بن يزيد قول الأخطل في محارب يهجوها:
تنق للا شيءٍ شيوخ محاربوما خلتها كانت تريش ولا تبري
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبتفدل عليها صوتها حية البحر
وأراد المحاربي قول الشاعر يهجو عبد الله بن يزيد:
لكل هلالي من اللؤم برقعولابن يزيد برقع وقميص
لقي شريك النمري رجلا من بني تميم، فقال له التميمي: يعجبني من الجوارح بازي فقال له شريك: وخاصة إذا اصطاد القطا.. أراد النميري بالبازي قول جرير:
أنا البازي المطل على نميرأتيح من السماء لها انصبابا
وعنى شريك بصيد القطا قول الآخر:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطاولو سلكت سبل المكارم ضلت
تعرض دغفل النسابة للحنيف بن زيد العنبري عند ابن عامر بالبصرة،
فقال: متى عهدك بسجاد أم صادر؟. قال: مالي بها عهد قد أصلت أم حلس، وهي بعض أمهات دغفل. فقال له: نشدتك الله أنحن كنا أكثر - لكم غزوا في الجاهلية أم أنتم؟. قال: بل أنتم لم تفلحوا ولم تنجحوا. غزانا فارسكم وسيدكم وابن سيدكم فهزمناه مرة وأسرناه مرة، وقتلناه مرة، وأخذنا في فدائه خرج أمه. وغزانا أكثركم غزوا وأنبهكم ذكراً فأعرجناه، ثم أرجلناه. قال ابن عامر:
عزمت عليكما إلا كففتما
قال: وسار عمر بن هبيرة الفزاري يوماً، وإلى جانبه شريك النميري، فتقدمت بغلته فصاح به عمر: غض من لجامها. فقال: إنها مكتوبة، فبتسم عمرو قال: ويحكم! لم أرد هذا قال شريك: ولا أنا أردته.
ظن النميري أن عمر عرض له بهذا البيت:
فغض الطرف إنك من نميرفلا كعباً بلغت ولا كلابا
فعرض لعمر بهذا البيت الآخر:
لا تأمنن فزارياً خلوت بهعلى قلوصك واكتبها بأسيار
قال أبو عبيدة: عبث شبة بن عقال بعبد الله بن عباس على باب الخليفة وكان على كف عبد الله وضح، فقال: ما هذا الذي على ظهرك كفك يا ابن عباس؟. قال: سلح النعامة. وكان شبة يلقب بسلح النعامة لأنه كان مفرط الطول:
حدث بعضهم قال: حضرت مجلس عمر بن فرح الرجعي وهو يتقلد ديوان الخراج. وقد
حبس للمظالم. وكان إذا جلس رفع الحجاب. ووصل إليه الناس كيف شاءوا، قال: والناس يتكاثرون بين يديه إذ دخل عبد الحميد بن سلم بن سعيد الباهلي ومعه ابنه معه يتخطى الناس، فأنكر عمر ذلك وجعل ينظر إليهما ولم يقل شيئاً، فلما قربا منه اقبل على عبد الحميد فقال له: من هذا؟. فقال له: هيهات! أصلحك لله، وهل يخفى القمر؟! هذا ابني. فقال عمر: إن كان كذلك فارفع عنه حاشية الإزار. فقام خجلا. أراد قول بشار:
إذا أعيتك نسبة باهليفكشف عنه حاشية الإزار
على أستاه سادتهم كتابموالي عامر وسما بنار
ودخل بشار الحمام، فقال له رجل من باهلة: وددت أن الله يا بشار رد عليك بصرك. قال بشار: ولم؟. قال: أتعلم أنك كذبت في قولك: إذا أعيتك نسبة باهلي... البيتان
فقال بشار: إنما قلت على أستاه سادتهم وأنت من السلفة.
وقالت دختنوس بنت ربيع بن زرارة يوم الشعب: فرت بنو أسد خروء الطير عن أربابها
فقيل لبني أسد: خروء الطير.
وقال امرؤ القيس في بني أسد:
قولا لدودان عبيد العصاما غركم بالأسد الباسل
فسميت بنو؟ أسد عبيد العصا.
وسأل مزرد بن ضرار أمه أن تعطيه ديناراً فأبت، فقال: لئن لم تعطني لأعرض بعرضك لأخبث شاعر في مضر، فلم تعطه شيئاً، فقال:
حك الحمار برأس فيشتهأم الحطيئة من بني عبس
فأتت أمه إلى الحطيئة فأخبرته بخبره معها وسألته في الكف عنها، فكف.
قال أبو عبيدة خرجت إلى البادية لأسمع بعض كلام الأعراب ولغاتهم، فدخلتها فرأيت رجلا من أهل الحضر، أردت أن أسمع من كلامكم ولغاتكم. قال فأنشدني:
يحن قلوصي ذو الخياط صبابةبمكة يوماً من تذكرها نجدا
تذكرت نجداً موهناً بعدما انطوتبمثلته وازداد من أهله بعدا
فقلت له لا تبك ليلك كلهأصاب حمام الموت أهوننا وجدا
قال: فأنشدته:
باتت تشوقني برجع حديثهاوأزيدها شوقاً برجع حنيني
نضوين مغتربين بين مهامةطويا الضلوع على جوى مكنون
لو خبرت عني الضلوع لخبرتعن مستقر صبابة المحزون
قال: فقال لي: ويحك!. معك هذا وأنت تطلب من كلامنا.
القلوص في الإبل الأنثى، مثل الجارية من الناس. والبكرة مثل الفتاة والناقة مثل المرأة، والجمل مثل الرجل، والبعير مثل الإنسان. وذو الخياط أي ذو سمة في الفخذ طويلة عرضاً، وهي سمة لبني سعد.
قال العتبي: وسمع أعرابي رجلا يقع في السلطان فقال: ويحك!. إنك غفل لم تمسك التجارب، وفي النصح لسع العقارب، وكأني بالضاحك إليك باكيا عليك.
قال العتبي: سمعت أعرابيا يقول: ما رأيت أحداً غفلا من نوائب الدهر، ولكن مسمه تختلف، فميسم أحرق جلداً، وثان شوى لحما، وثالث هاض عظما، ورابع أتلف نفسا، وفي كل واحد منها له واعظ لو عقل عن دهره، ولكن العقل لو عمر مائة عام وشاهد ما تملى عليه به الأيام لم تجده إلا جزعاً في الغرة.
ولما عزل مسلمة عن العراق، وولى عمر بن هبيرة الفزارى. قال الفرزدق:
راحت بمسلمة البغال مورعاًفارعى فزارة لا هناك المرتع
فسد الزمان وبدلت أحلامهحتى أمية عن فزارة تنزع
ولقد علمت إذا فزارة أمرتأن سوف تطمع في الإمارة أشجع
نزع ابن بشر وابن عمرو بعدهوأخو هراة لمثلها يتوقع
ابن بشر عبد الملك بن بشر بن مروان. كان مسلمة أمره على البصرة. وابن عمرو هو سعيد بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان على خرسان، وأخو هراة عبد العزيز بن الحكم بن أبي العاص وعرض لعمر بن هبيرة الفزاري. ولما ولى خالد بن عبد الله القسري قال:
بكت المنابر من فزارة شجوهافاليوم من قسر تضج وتجزع
وقال:
ألا قطع الرحمن ظهر مطيةأتتنا تهادي من دمشق بخالد
وكيف يوم الناس من كانت أمهتدين بأن الله ليس بواحد
وقال أيضاً لخالد بن عبد الله حين جلد بسبب عبد الله بن شيبة العبدري:
لعمري لقد سار ابن شيبة سيرةأرتك نجوم الليل ضاحية تجري
لعمري لقد صبت على رأس خالدشآبيب ما استهللن من سبل القطر
أتضرب في العصيان من كان عاصياًوتعصي أمير المؤمنين أخا قسر
فلولا يزيد بن المهلب حلقتبكفك فتخاء إلى جانب الوكر
وذلك أن عبد الله الأصغر بن شيبة بن عثمان بن طلحة كان يقال له الأعجم لثقل كان في لسانه أخافه خالد أيام إمرته على مكة فهرب منه واستجار بسليمان بن عبد الملك، فكتب له إلى خالد ألا تفتحه، فجاء بالكتاب وأخذه فوضعه ولم يفتحه. وفي الكتاب:
(ألا سلطان لك عليه، ولا على أحد من بني شيبة)
فأمر به فجلد مائة سوط، ثم فتح الكتاب، فأتى الشيبي سليمان، فأراه ظهره وثوبه متزملا بالدماء، فكتب سليمان إلى طلحة بن داود الحضري، وكان قاضي مكة: إن كان خالد ضربه وقد قرأ الكتاب ثم جلده قطعت يده. وإن كان جلده قبل أن يقرأ الكتاب فاقتد منه. فاقتاد منه عبد الله بن شيبة، ففي ذلك قال الفرزدق قوله في الأبيات المتقدمة. وكان هشام في خلافته قد
كتب إلى خالد عند تغيره عليه بكتاب فزعه فيه بما كان من حربه على ابن شيبة، ومن الانتقام منه، ويتوعده أنه سيكون له منه أشد من ذاك، ففعل به ما قال، وعزله وأهانه. وكان خالد بن عبد الله أيام أمرته بالعراق أمر على الشرطة مالك بن المنذر بن الجارود، وكان عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر يدعى على مالك فرية فأبطلها خالد، وحفر النهر الذي سماه المبارك فانتفض عليه، فقال الفرزدق في ذلك:
أهلكت مال الله في غير حقهعلى نهرك المشئوم غير المبارك
وتضرب أقوماً براءً ظهورهموتترك عهد الله في ظهر مالك
أإنفاق مال الله في غير حقهومنعاً لحق المرملات الضرائك
فكتب خالد إلى مالك بن المنذر: احسب الفرزدق فانه هجا أمير المؤمنين، فأرسل خالد إلى أيوب بن عيسى الضبي فقال: ائتني بالفرزدق، فلم يزل يعمل فيه حتى أخذه فطلب إليهم الفرزدق أن يمروا به على بني حنيفة. فلما قيل لمالك: هذا الفرزدق انتفخ سجره وربا. فلما
أدخل عليه قال:
أقول لنفسي حين غضت بريقهاألا ليت شعري ما لها عند مالك
لها عنده أن يرجع الله روحهاإليها وتنجو من عظام المهالك
وأنت ابن جباري ربيعة أدركابك الشمس في الخضراء ذات الحبائك
فشكاه مالك وأمر به إلى السجن، فقال يهجو أيوب بن عيسى الضبي:
نمت له بالرحم بيني وبينهوألفيته منى بعيداً أواصره
وقلت امرو من آل ضبة فانتميإلى غيرهم جلد إسته ومناخره
فسوف يرى الزنجي ما اكتدحت لهيداه إذا ما الشعر غنت فواقره
ثم امتدح مالكا بعد ذلك فقال:
قروم بين أولاد المعلاوأولاد المسامعة الكرام
تخمط في ربيعة بين بكروعبد القيس في الحسب اللهام
فلم ينفعه مدحه خالداً ومالكا.
ومر الفرزدق بخالد وهو يضرب، فقال له: ضم إليك جناحك يا ابن النصرانية. قال خالد: وانتفعت بما قال. وكان الفرزدق قال حين حبسه خالد:
وإني لأرجو خالداً أن يفكنيويطلق عني مثقلات الحدائد
فإن يك قيدي رد همي فربماتناولت أطراف الهموم الأباعد
يقول لي الحداد هل أنت قائموما أنا إلا مثل آخر قاعد
وكان الفرزدق مدراً، ويقع له الغريب. واتفق الحذاق بالشعر على أنه أعجب الشعراء مقطعات.
وقال له عنبسة مولى عثمان: يا أبا فراس: متى تذهب إلى الآخرة؟. قال: وما حاجتك إلى ذلك؟. قال: أكتب معك إلى أبي. قال: أنا لا أذهب حيث أبوك. أبوك في النار، ولكن أكتب له مع دبالويه واصطفانوس.
ومر بامرأة من بني مازن وهي على فرس لها فقال: بأبي أنت وأمي لوددت أني أقبل على مقبلك هذا فقالت: إذا والله تقبل على كمرة حارة. فأخجلته.
ووقف الفرزدق على بني ربيع، وفيهم ابن محكان شاعرهم، وقد كان هجا الفرزدق غضباً
لبني منقر، فقالوا له: مرحباً لسيدنا وشاعرنا. وكان الفرزدق هجاهم، فقال فيهم:
كأن ربيعاً من عماية منقرأتان دعاها فاستجابت حمارها
ترجى ربيع أن تجيء صغارهابخير، وقد أعيى ربيعاً كبارها
فلما قال البعيث: (لجرير)
ترجى كليب أن تجيء صغارها...... البيت
قال الفرزدق:
إذا ما قلت قافية شروداًتنحلها ابن حمراء العجان
ومات الفرزدق وقد قارب المائة، ويقال إنه ولد ليلة بدر. وقيل له في مرضه الذي مات فيه: أذكر الله ﷿. فسكت طويلا، ثم قال:
إلى من تفزعون إذا حثوتهمبأيديكم علي من التراب
ومن هذا يقوم لكم مقاميإذا ما الريق غص من الشراب
فقالت مولاة له: نفزع إلى الله. فقال: أخرجوه هذه من الوصية. وكان أوصى لها بمائة درهم.
لقي الفرزدق شاب من أهل البصرة فقال: يا أبا فراس أحب أن أسألك عن مسألة قال: سل. قال: أيما أحب إليك، تسبق الخير أم يسبقك الخير؟. قال: يا ابن أخي أتجيبني إن أجبتك؟. قال: نعم. فحلفه على ذلك ثم قال: نكون معاً لا يسبقني ولا أسبقه. أسألك الآن؟ قال: نعم قال: أيما أحب إليك أن ترجع إلى منزلك فتجد امرأتك قابضة على أير رجل أو تجد رجلا قابضاً على حرها؟.
قال ومر الفرزدق بسكة المربد فإذا نسوة به، فنزل عن دابته، فجعل يطلب التراب، وقال سقط مني ايري. فقالت له إحداهن: متاعك أشد جعودة من حر أمك.
قال أبو عبيدة: مر الفرزدق على نسوة وهو على بغلة فلما حاذاهن ضرطت فضحكن. فقال: مم تضحكن، فما حملتني أنثى إلا صنعت ما ترين. قالت إحداهن: ما حملتك أنثى أكثر مما حملتك أمك تسعة أشهر، فكيف كان ضراطها إذا؟.
ودخل على عبد الملك بن مروان وتقدم بعض جلسائه حول الفرزدق فقال: يا أبا فراس كأنما وجهك أحراح النساء مجموعة. فقال له: تأمل عسى أن ترى فيهن حر أمك. فخجل
الرجل.
وكتب الفرزدق إلى جرير كتابا يدعوه إلى الصلح ويقول: (ويحك! ذهبت أيامنا وكثرت آثامنا وقطعنا الدهر بشتم العشيرة، فهلم إلى الصلح). وفي آخر كتابه:
شهدت طهية والبراجم كلهاأن الفرزدق ناك أم جرير
وقال لهما بعض الخلفاء: حتى متى لا تنزعان؟. فقال جرير: إنه والله يظلمني.
قال: صدق: أنا أظلمه، ووجدت أبي يظلم أباه!
دخل الفرزدق على بلال بن أبي بردة فقال له: أحججت؟. قال: نعم. قال: فما رأيت يا أبا فراس؟. قال: رأيت شيخاً يطوف بالبيت آخذة امرأته بحجزته، خلفها ولدان لها وهو يقول:
أنت وهبت زائداً ومزيداًوكهلة أولج فيها الأجردا
وهي تقول: إذا شئت إذا شئت. فقلت له: ممن أنت؟ قال: أشعري. قال له بلال بن أبي بردة: كذبت والله. ما رأيت هذا، ولقد أئتفكتها من حينك.
ودخل الفرزدق على بلال بن أبي بردة فالتحاه في مدح اليمن، فقال له الفرزدق: إن فضائل أبي موسى لكبيرة، وإنها تغني. قال الفرزدق: بحسبه عن النبي ﷺ حين حجمه. قال بلال: قد فعل ذلك برسول الله ﷺ ولم يفعل مثل ذلك قبله ولا بعده. فقال الفرزدق: الشيخ كان اتقى لله وأعلم به من أن يقدم على ريبة بغير خوف.
قال ابن سلام: قدم الأحوص فنزل على عمرو بن عبيد الأنصاري وكان الأحوص يشتكي رجله، فجاء على عصا حتى قعد معه في الحلقة قبلي قبا فأخذ عمرو عصاه فضرب بها رجله الأخرى فكسرها فحمل إلى منزله، فمر به الفرزدق، فقال له: متى عهدك بالزنا يا أبا فراس؟ فقال: منذ ماتت العجوز
بينا الفرزدق يسير إذ مر برهط من كليب، فأخذوه، وجاءوا بأتان، فقالوا أنت تعيرنا بالأتن، فو الله لا تريم حتى تنزو عليها. قال: دعوني لا أبا لكم، فأبوا عليه. فقال: أما إذا أبيتم فجيئوني بالصخرة التي كان يقوم عليها عطية إذا أراد ذلك.
وقال الفرزدق حين صار إلى الحجاز:
ألم يأته أني تخلل ناقتيبنعمان أطراف الأراك النواعم
مقيدة ترعى البرير ورحلهابمكة ملقى عائذ بالمحارم
فدعني أكن ما كنت حياً حمامةمن القاطنات البيت غير الروائم
نمتك العرانين الطوال ولا أرىلسعيك إلا جاهداً غير لائم
فإلا تداركني من الله نعمةومن آل حرب ألق طير الأشائم
فلما سمعها زياد رق له، وقال: لو أتاني لأمنته، وأعطيته، فقال الفرزدق في كلمة له:
دعاني زياد للعطاء ولم أكنلآتيه ما ساق ذو حسب وفرا
وعند زياد لو يريد عطاءهمرجال كثير قد يرى بهم فقرا
قعود لدى الأبواب طالب حاجةعوان من الحاجات أو حاجة بكرا
فلما خشينا أن يكون عطاؤهأداهم سوداً أو محدجة سمرا
نميت إلى حرف أضر بينهماسرى الليل واستعرضها البلد القفرا
يروم بها الموماة من لا يرى لهلدى ابن أبي سفيان جاهاً ولا عذرا
قال الجاحظ: قال شيخ من المسجد: ما كنت أريد أن أجلس إلى قوم إلا وجدت من يحدث عن الحسن، ويروي عن الفرزدق، وينشد له.
وحدث الرياشي قال: كان الفرزدق يخرج من منزله فيرى بني تميم والمصاحف في حجورهم فيسر لذلك، ويقول: إيه! فدى لكم أبي كذا. والله كان أبركم.
وهو القائل في آخره عمره حيث تعلق بأستار الكعبة، وعاهد الله ألا يكذب ولا يشتم مسلماً:
ألم ترني عاهدت ربي وإننيلبين رتاج قائم ومقام
على حلفة لا أشتم الدهر مسلماًلا خارجاً من في زور كلام
أراد أن ينشد هذه القصيدة الحسن البصري، وفيها هجا إبليس، فتوقف عليه، فقال الفرزدق: لئن لم تسمعها مني لاخرجن فأقول للناس إن الحسن البصري ينهى عن هجاء إبليس. فأنشده القصيدة وفيها:
أطعتك يا إبليس تسعين حجةفلما انقضى عمري وتم تمامي
فررت إلى ربي وأيقنت أننيملاق لأيام المنون حمامي
قال أبو عبيدة: كان الفرزدق قد حج وعاهد الله بين الباب والمقام
ألا يهجو أحدأ أبداً، وأن يقيد نفسه، فلا يحل قيده حتى يجمع القرآن. فلما قدم البصرة قيد نفسه. وقال: توبة من الشعر: ألم ترني عاهدت نفسي.... الأبيات
وبلغ نساء مجاشع فحش جرير بهن، فأتين الفرزدق مقيداً، فقلن: قبح الله قيدك، وقد هتك جرير عورات نسائك، فلا حييت شاعر قوم!. فأحفظنه، ففض قيده. وقال:
ألا استهزأت مني سويدة أن رأتأسيراً يداني خطوه حلق الحجل
ولو علمت أن الوثاق أشدهمن النار قالت لي مقالة ذي عقل
لعمري لئن قيدت نفسي لطالماسعيت وأوضعت المطية في الجهل
ثمانين عاماً ما أرى من عمايةإذا برقت إلا شددت لها رحلي
أتتني أحاديث البعيث ودونهزرود، فشامات الشقيق إلى الرمل
فقلت أظن ابن الخبيثة أننيشغلت عن الرامي الكنانة بالنبل
فإن يك قيدي كان نذراً نذرتهفما بي عن أحساب قومي من شغل
أنا الضامن الراعي عليهم، وإنمايدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
ولو ضاع ما قالوا ارع منا وجدتهمشحاحاً على الغالي كم الحسب الجزل
إذا ما رضوا مني إذا كنت ضامناًبأحساب قومي في الجبال وقي السهل
فمهما أعش لا يضموني ولا أضعلهم حسباً ما حركت قدمي نعلي
أشده من النار أي من خوف النار، والعماية الجهل، وزرود ماء لبني دارم والشامات يفع من الرمل. والبعيث ابن عم الفرزدق.
قال ابن سلام: كان الفرزدق إذا أصاب دارهم أتى بها النوار فتمسك بعضها وتعطيه بعضاً، وكانت دينة، وكانت تزعم أنه طلقها، ويجحد هو ذلك، فاحتاجا يوماً، فقالت: أعطيك كذا وكذا درهما على أن تشهد الحسن على طلاقي. قال: نعم. فأعطته، فأتى الحسن، فقال: أيها الشيخ (إني) قد طلقت النوار. قال: قد سمعنا ما قلت فلما حضرها الموت أوصته أن يصلي عليها الحسن، فأخبره. فقال: إذا أخرجتموها فأعلمني. فأخرجت فجاء الحسن والفرزدق، وقد سبقها الناس فانتظروهما فأقبلا والناس. فقال الحسن: كلا: لست بخيرهم، ولست بشرهم. ثم قال له على قبرها: ما أعددت لهذا المضجع؟ يا أبا فراس؟. قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة. فزعم بعض التميمية أن
الفرزدق زئي في النوم فقيل له: ما صنع بك ربك؟. فقال غفر لي. فقيل: بأي شيء؟. قال: بالكلمات التي نازعنيها الحسن.
وقال الفرزدق:
أخاف وراء القبر إن لم يعافنيأشد من القبر التهاباً وأضيقا
إذا قادني يوم القيامة قائدعنيف، وسواق يسوق الفرزدقا
لقد خاب من أولاد دارم من مشىإلى النار مغلول القلادة أزرقا
إذا شربوا فيها الحميم رأيتهميذوقون من حر الحميم تمرقا
قال المدائني: قال سابق البربري: بينا نحن بباب معاوية بن هشام إذ خرج الفرزدق مسحوباً على وجهه حتى ألقى بين أيدينا. فقلنا: ماله؟. فذكروا أن معاوية قال له: من أشعر الناس؟. قال: حسان بن ثابت. ثم أنشده:
أروني سعوداً كالسعود التيسمت بمكة من أبناء عمرو بن عامر
هم عقدوا لله ثم وفوا بماتضايق عنه كل باد وحاضر
أقاموا قناة الدين حتى تمكنتأواصره بالمرهفات البواتر
بأسيافهم ذلت معد لربهافقام على قصد الهدى كل جائر
وقال الفرزدق لمالك بن المنذر بن الجارود:
يا مال هل هو مهلكي ما لم أقلولتعرفن من القصائد قيلي
يا مال هل لك في كبير قد أتتتسعون فوق يديه غير قليل
فتجز ناصيتي وتفرج كربتيعني وتطلق لي يداك كبولي
ولقد نمت بك للمعالي ذروةرفعت بناءك في أشم طويل
والخيل تعلم في جذيمة أنهاتردى بكل سميذع بهلول
إن ابن جباري ربيعة مالكاًلله سيف صنيعة مسلول
وقال النجاشي الحارثي لابن مقبل العجلاني:
أولئك إخوان اللعين وأسرةالهجين ورهط الواهن المتذلل
وما سمي العجلان إلا لقولهمخذ القعب واحلب أيها العبد واعجل
إذا الله عادي أهل لؤم ورقةفعادي بني العجلان رهط ابن مقبل
قبيلة لا يغدرون بذمةولا يظلمون الناس حبة خردل
ولا يردون الماء إلا عشيةإذا صدر الوارد عن كل منهل
تعاف الكلاب الضاريات لحومهمويأكلن من كعب بن عوف بن نهشل
واستعدى بنو العجلان عمر بن الخطاب ﵁ على النجاشي فقالوا: هجانا. قال: وما قال لكم: قالوا قال:
إذا الله عادى أهل لؤم ورقة... البيت
قال: إنما دعا عليكم، والله لا يعادي مسلما. قالوا: فقد قال:
قبيلة لا يغدون بنية... البيت
قال عمر: ليتني من هؤلاء. فأنشدوه.
ولا يردون الماء إلا عشية... البيت
فقال: ذاك أقل للزحام، فأنشدوه: تعاف الكلاب الضاريات لحومهم
ويأكلن من كعب بن عوف بن نهشل
فقال عمر: كفى ضياعاً بمن تأكل الكلاب لحمه.
فأنشدوه:
وما سمي العجلان إلا لقوله خذ القعب... البيت
فقال: كلنا عبد، وسيد القوم خادمهم.
فقالوا: يا أمير المؤمنين هجانا. فقال: ما اسمع ذلك، إنما دعا عليكم. قالوا: فسل حساناً. فسأله، فقال: ما هجاهم ولكنه سلح عليهم.
وكان بنو العجلان يفخرون باسم أبيهم، وإنما سمي العجلان لتعجيله القرى للضيفان فكان ذلك شرفاً لهم، فلما هجاهم النجاشي جزعوا منه فوسموا به إلى اليوم.
وكان ابن مقبل من الشعراء الحذاق المجودين. وكان يجيد البديع في شعره. وقال عبد الملك بن مروان للأخطل: أي الناس أشعر؟ قال: العبد العجلاني. قال: لم ذاك؟. قال: وجدته قائماً في بطحاء الشعر، والشعراء على الحرفين.
ويقال إن عمر ﵁ قال للنجاشي: أما قولك
تعاف الكلاب الضاريات.... البيت
فلا أعذرك فيه وحسبه وضربه.
حدث الزبير بن بكار قال: قال رجل:
ليهن ابن بهثة ما عندهفلست وإن حسدوا حاسدا
مهاتان لونها واحديعلانه ثغراً باردا
فبورك فيه وفي أهلهوفي ماله ونما صاعدا
فاستعدى عليه عمر بن الخطاب وقال: نسب بزوجي. فقال: ما أسمع بأساً وعلى ذاك لا أسمع رجلا ذكر حرمة رجل إلا نكلت به.
والعرب تمدح فترفع، وتهجو فتضع، فإذا مدحت الشيء بلطافتها وذلاقة ألسنتها اختير وبسط عذره، كما غطيت بالهجاء محاسنه. ألا تسمع إلى قول الأول:
فعين الرضا عن كل عين كليلةلكن عين السخط تبدى المساويا
وإنما سميت البلاغة بلاغة لا بلاغ المتكلم حاجته بحسن إفهام السامع.
مر غيلان بن خرشة الضبي مع عبد الله بن عامر على نهر أم عبد الله الذي يشق البصرة فقال عبد الله: ما أصبح هذا النهر لأهل هذا المصر!. قال غيلان: أجل والله أيها الأمير، فيتعلم العوم فيه صبيانكم، ويكون لسقيانهم ومسيل مياههم، ويأتيهم بميرتهم. قال: ثم مر غيلان يساير زياداً على ذلك النهر، وكان زياد عدواً لابن عامر فقال زياد: ما أضر هذا النهر بأهل هذا المصر. قال غيلان: أجل أيها الأمير تنز منه دورهم ويغرق فيه صبيانهم، ومن أجله يكثر بعوضهم.
فكره بعض الناس من البيان مثل هذا المذهب. وقال الأحنف لرجل أثنى على يزيد بين يدي معاوية، ثم اعتذر للأحنف. فقال الأحنف: إن ذا الوجهين خليق ألا يكون عند الله وجيهاً.
النص من طبعة منشأة المعارف بالإسكندرية، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع