لعل فراق الحي للبين عامدي

الشاعر: جرير · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة عامة

«لعل فراق الحي للبين عامدي» من شعر جرير، وتقع في 65 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الدال، وغرضها قصيدة عامة.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

لَعَلَّ فِراقَ الحَيِّ لِلبَينِ عامِدي — عَشِيَّةَ قاراتِ الرُحَيلِ الفَوارِدِ

لَعَمرُ الغَواني ما جَزَينَ صَبابَتي — بِهِنَّ وَلا تَحبيرَ نَسجِ القَصائِدِ

وَكَم مِن صَديقٍ واصِلٍ قَد قَطَعنَهُ — وَفَتَّنَّ مِن مُستَحكِمِ الدينِ عابِدِ

فَإِنَّ الَّتي يَومَ الحَمامَةِ قَد صَبا — لَها قَلبُ تَوّابٍ إِلى اللَهِ ساجِدِ

رَأَيتُ الغَواني مولِعاتٍ لِذي الهَوى — بِحُسنِ المُنى وَالبُخلِ عِندَ المَواعِدِ

لَقَد طالَ ما صِدنَ القُلوبَ بِأَعيُنٍ — إِلى قَصَبٍ زَينِ البُرى وَالمَعاضِدِ

أَتُعذَرُ إِن أَبدَيتَ بَعدَ تَجَلُّدٍ — شَواكِلَ مِن حُبٍّ طَريفٍ وَتالِدِ

وَنَطلُبُ وُدّاً مِنكِ لَو نَستَفيدُهُ — لَكانَ إِلَينا مِن أَحَبِّ الفَوائِدِ

فَلا تَجمَعي ذِكرَ الذُنوبِ لِتَبخَلي — عَلَينا وَهِجرانَ المُدِلِّ المُباعِدِ

إِذا أَنتَ زُرتَ الغانِياتِ عَلى العَصا — تَمَنَّينَ أَن تُسقى دِماءَ الأَساوِدِ

أَعِفُّ عَنِ الجارِ القَريبِ مَزارُهُ — وَأَطلُبُ أَشطانَ الهُمومِ الأَباعِدِ

لَقَد كانَ داءٌ بِالعِراقِ فَما لَقوا — طَبيباً شَفى أَدوائَهُم مِثلَ خالِدِ

شَفاهُم بِرِفقٍ خالَطَ الحِلمَ وَالتُقى — وَسيرَةِ مَهدِيٍّ إِلى الحَقِّ قاسِدِ

فَإِنَّ أَميرَ المُؤمِنينَ حَباكُمُ — بِمُستَبصِرٍ في الدينِ زَينِ المَساجِدِ

وَإِنّا لَنَرجو أَن تُرافِقَ رُفقَةً — يَكونونَ لِلفِردَوسِ أَوَّلَ وارِدِ

فَإِنَّ اِبنَ عَبدِ اللَهِ قَد عُرِفَت لَهُ — مَواطِنُ لا تُخزيهِ عِندا المَشاهِدِ

فَأَبلى أَميرَ المُؤمِنينَ أَمانَةً — وَأَبلاهُ صِدقاً في الأُمورِ الشَدائِدِ

إِذا ما أَرادَ الناسُ مِنهُ ظُلامَةً — أَبى الضَيمَ فَاِستَعصى عَلى كُلِّ قائِدِ

وَكَيفَ يَرومُ الناسُ شَيئاً مَنَعتَهُ — هَوى بَينَ أَنيابِ اللُيوثِ الحَوارِدِ

إِذا جَمَعَ الأَعداءُ أَمرَ مَكيدَةٍ — لِغَدرٍ كَفاكَ اللَهُ كَيدَ المُكايِدِ

تُعِدُّ سَرابيلَ الحَديدِ مَعَ القَنا — وَشُعثَ النَواصي كَالضِراءِ الطَوارِدِ

إِذا ما لَقيتَ القِرنَ في حارَةِ الوَغى — تَنَفَّسَ مِن جَيّاشَةٍ ذاتِ عانِدِ

وَإِن فَتَنَ الشَيطانُ أَهلَ ضَلالَةٍ — لَقوا مِنكَ حَرباً حَميُها غَيرُ بارِدِ

إِذا كانَ أَمنٌ كانَ قَلبُكَ مُؤمِناً — وَإِن كانَ خَوفٌ كُنتَ أَحكَمَ ذائِدِ

وَما زِلتَ تَسمو لِلمَكارِمِ وَالعُلى — وَتَعمُرُ عِزّاً مُستَنيرَ المَوارِدِ

إِذا عُدَّ أَيّامُ المَكارِمِ فَاِفتَخِر — بِآبائِكَ الشُمِّ الطِوالِ السَواعِدِ

فَكَم لَكَ مِن بانٍ طَويلٍ بِناؤُهُ — وَفي آلِ صَعبٍ مِن خَطيبٍ وَوافِدِ

يَسُرُّكَ أَيّامَ المُحَصَّبِ ذِكرُهُم — وَعِندَ مَقامِ الهَديِ ذاتِ القَلائِدِ

تَمَكَّنتَ في حَيِّي مَعَدٍّ مِنَ الذُرى — وَفي يَمَنٍ أَعلى كَريمِ المَوالِدِ

فُروعٍ وَأَصلٍ مِن بَجيلَةَ في الذُرى — إِلى اِبنِ نِزارٍ كانَ عَمّاً وَوالِدِ

حَمَيتَ ثُغورَ المُسلِمينَ فَلَم تُضِع — وَما زِلتَ رَأساً قاَئِداً وَاِبنَ قائِدِ

فَإِنَّكَ قَد أُعطيتَ نَصراً عَلى العِدى — فَأَصبَحتَ نوراً ضَوءُهُ غَيرُ خامِدِ

بَنَيتَ بِناءً ما بَنى الناسُ مِثلَهُ — يَكادُ يُساوى سورُهُ بِالفَراقِدِ

وَأُعطيتَ ما أَعيا القُرونَ الَّتي مَضَت — فَنَحمَدُ مِفضالاً وَلِيَّ المَحامِدِ

إِنَّ الَّذي أَنفَقتَ حَزمٌ وَقُوَّةٌ — فَأَبشِر بِأَضعافٍ مِنَ الرِبحِ زائِدِ

لَقَد كانَ في أَنهارِ دِجلَةَ نِعمَةٌ — وَحُظوَةُ جَدٍّ لِلخَليفَةِ صاعِدِ

عَطاءَ الَّذي أَعطى الخَليفَةَ مُلكَهُ — وَيَكفيهِ تَزفارُ النُفوسِ الحَواسِدِ

جَرَت لَكَ أَنهارٌ بِيُمنٍ وَأَسعُدٍ — إِلى جَنَّةٍ في صَحصَحانِ الأَجالِدِ

يُنَبِّتنَ أَعناباً وَنَخلاً مُبارَكاً — وَأَنقاءَ بُرٍّ في جُرونِ الحَصائِدِ

إِذا ما بَعَثنا رائِداً يَبتَغي النَدى — أَتانا بِحَمدِ اللَهِ أَحمَدَ رائِدِ

فَهَل لَكَ في عانٍ وَلَيسَ بِشاكِرٍ — فَتُطلِقَهُ مِن طولِ عَضِّ الحَدائِدِ

يَعودُ وَكانَ الخُبثُ مِنهُ سَجِيَّةً — وَإِن قالَ إِنّي مُعتِبٌ غَيرُ عائِدِ

نَدِمتَ وَما تُغني النَدامَةُ بَعدَما — تَطَوَّحتَ مِن صَكِّ البُزاةِ الصَوائِدِ

وَكَيفَ نَجاةٌ لِلفَرَزدَقِ بَعدَما — ضَغا وَهوَ في أَشداقِ أَغلَبَ حارِدِ

أَلَم تَرَ كَفَّي خالِدٍ قَد أَفادَتا — عَلى الناسِ رِفداً مِن كَثيرِ الرَوافِدِ

بَني مالِكٍ إِنَّ الفَرَزدَقَ لَم يَزَل — كَسوباً لِعارِ المُخزِياتِ الخَوالِدِ

فَلا تَقبَلوا ضَربَ الفَرَزدَقِ إِنَّهُ — هُوَ الزيفُ يَنفي ضَربَهُ كُلُّ ناقِدِ

وَإِنّا وَجَدنا إِذ وَفَدنا عَلَيكُمُ — صُدورَ القَنا وَالخَيلَ أَنجَحَ وافِدِ

أَلَم تَرَ يَربوعاً إِذا ما ذَكَرتُهُم — وَأَيّامَهُم شَدّوا مُتونَ القَصائِدِ

فَمَن لَكَ إِن عَدَّدتَ مِثلَ فَوارِسي — حَوَوا حَكَماً وَالحَضرَمِيَّ بنَ خالِدِ

أَسالَ لَهُ النَهرَ المُبارَكَ فَاِرتَمى — بِمِثلِ الرَوابي المُزبِداتِ الحَواشِدِ

فَزِد خالِداً مِثلَ الَّذي في يَمينِهِ — تَجِدهُ عَنِ الإِسلامِ أَكرَمَ ذائِدِ

كَأَنّي وَلا ظُلماً أَخافُ لِخالِدٍ — مِنَ الخَوفِ أُسقى مِن سِمامِ الأَساوِدِ

وَإِنّي لَأَرجو خالِداً أَن يَفُكَّني — وَيُطلِقَ عَنّي مُقفَلاتِ الحَدائِدِ

تَكَشَّفَتِ الظَلماءُ عَن نورِ وَجهِهِ — لِضَوءِ شِهابٍ ضَوءُهُ غَيرُ خامِدِ

أَلا تَذكُرونَ الرِحمَ أَو تُقرِضونَني — لَكُم خُلُقاً مِن واسِعِ الخُلقِ ماجِدِ

لَكُم مِثلُ كَفَّي خالِدٍ حينَ يَشتَري — بِكُلِّ طَريفٍ كُلَّ حَمدٍ وَتالِدِ

فَإِن يَكُ قَيدي رَدَّ هَمّي فَرُبَّما — تَناوَلتُ أَطرافَ الهُمومِ الأَباعِدِ

مِنَ الحامِلاتِ الحَمدِ لَمّا تَكَشَّفَت — ذَلاذِلُها وَاِستَوأَرَت لِلمُناشِدِ

فَهَل لِاِبنِ عَبدِ اللَهِ في شاكِرٍ لَهُ — بِمَعروفٍ أَن أَطلَقتَ قَيدَيهِ حامِدِ

وَما مِن بَلاءٍ غَيرَ كُلِّ عَشِيَّةٍ — وَكُلِّ صَباحٍ زائِدٍ غَيرِ عائِدِ

يَقولُ لِيَ الحَدّادُ هَل أَنتَ قائِمٌ — وَما أَنا إِلّا مِثلُ آخَرَ قاعِدِ

كَأَنّي حَروري ضَلَّهُ فَوقَ كَعبَةٍ — ثَلاثونَ قَيناً مِن صَريمٍ وَكايِدِ

وَما إِن بِدينٍ ظاهَروا فَوقَ ساقِهِ — وَقَد عَلِموا أَن لَيسَ ديني بِنافِدِ

وَيَروي عَلَيَّ الشِعرَ ما أَنا قُلتُهُ — كَمُعتَرِضٍ لِلريحِ بَينَ الطَرائِدِ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف الدال — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الفوارد: الوَارِدُ : فا.- على الماءِ أو الشيءِ: المُقبل عليه.-: الذي جاء؛ اطّلعتُ على نصِّ المقالة الوارد في المجلّة.-: الطَّريقُ.-: الجَرِيءُ.-: السَّابِقُ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ.- مِن ا …
  • تجلد: تَجَلَّدَ يَتَجَلَّدُ تَجَلُّداً : تصبَّر وتكلَّف الجَلَد؛ يتجلَّدون في أوقات الشدّة
  • تحبير: [ح ب ر]. (مصدر حَبَّرَ). 1. "تَحْبِيرُ رِسَالَةٍ" : كِتَابَتُهَا. "فَإِذَا كَانَ مِنْ قَوْلِ الْمُنْشِدِ وَقَرِيضِهِ وَمِنْ نَحْتِهِ وَتَحْبِيرِهِ، فَقَدْ بَلَغَ الغَايَةَ وَأَقَامَ النِّهَايَةَ".(الجاحظ). 2."تَحْبِيرُ ا …
  • تواب: [ت و ب]. (صيغَةُ فَعَّال لِلمُبالَغَةِ). 1.التوبة آية 118 إنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (قرآن) : الغَفُورُ، وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى. 2. "عَبْدُ التَّوَّابِ" : اِسْمُ عَلَمٍ مُرَكَّبٌ.
  • ساجد: السَّاجِدُ : فا.-: الخاضع المتطامن فَسَجَدَ المَلاَئِكَةُ كُلُهُمْ أَجْمَعُونَ إلاّ إبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكون مَعَ السَّاجِدِينَ/ فلانُ ساجِدُ المنخر، أي ذليلُ خاضعُ ج سُجَّدٌ وسُجُودٌ.

قصائد ذات صلة

  • ألا حي رهبى ثم حي المطاليا
  • قد غلبتني رواة الناس كلهم
  • إذا أعرضوا ألفين منها تعرضت
  • اسأل سليطاً إذا ما الحرب أفزعها
  • أميجاس الخبائث عد عنا
  • بان الخليط ولو طوعت ما بانا
  • لولا ابن حكام وأشراف قومه
  • إني امرؤ يبني لي المجد البان