من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
ترجمة أبى العيناء وطرف من أحياره
قال أبو القاسم علىّ بن حمزة بن شمردل: حدثنى أبى قال: سألت أبا العيناء عن نسبه، فقال: أنا محمد بن القاسم بن خلّاد بن ياسر بن سليمان، وأصل قومى من بنى حنيفة من أهل اليمامة، ولحقهم سباء في أيام المنصور؛ فلمّا صار ياسر فى قيده أعتقه، فولاؤنا لبنى هاشم؛ وكان أبو العيناء ضرير البصر؛ ويقال:
إنّ جده الأكبر لقى على بن أبى طالب- ﵁! - فأساء مخاطبته؛ فدعا عليه وعلى ولده بالعمى، فكلّ من عمى مهم صحيح اللسب!
قال الصولى: حدثنى أبو العيناء، قال: لما أدخلت على المتوكل فدعوت له وكلمته استحسن كلامى، وقال لى: بلغنى أن فيك شرّا! فقلت: يا أمير المؤمنين؛ إن يكن الشرّ ذكر المحسن بإحسانه والمسىء بإساءته فقد زكّى الله تعالى وذمّ، فقال في التزكية: (نعم العبد إنّه أوّاب)، وقال في الذم: (همّاز مشّاء بنميم منّاع للخير معتد أثيم). وقال الشاعر:
إذا أنا لم أمدح على الخير أهلهولم أذمم الجبس اللئيم المذّمما
ففيم عرفت الخير والشرّ باسمهوشقّ لى الله المسامع والفما؟
وإن كان الشر كفعل العقرب التي تلسع السّنىّ والدنىّ بطبع لا بتمييز فقد صان الله عبدك عن ذلك! فقال لى: بلغنى أنك رافضىّ، فقلت: يا أمير المؤمنين، وكيف أكون رافضيّا وبلدى البصرة ومنشئى في مسجد جامعها، وأستاذى الأصمعى، وليس يخلو القوم أن يكونوا أرادوا الدين أو الدنيا؛ فإن كانوا أرادوا الدّين فقد أجمع الناس على تقديم من أخّروا، وتأخير من قدموا، وإن كانوا أرادوا الدنيا فأنت وآباؤك أمراء المؤمنين، لا دين إلّا بك، ولا دنيا إلّا معك.
قال: كيف ترى دارى هذه؟ قال: قلت: رأيت الناس بنوا دورهم في الدنيا، وأنت بنيت الدنيا في دارك.
فقال لى: ما تقول في عبيد الله بن يحيى؟ قلت: نعم العبد لله ولك؛ مقسّم بين طاعته وخدمتك، يؤثر رضاك على كل فائدة، وما عاد بصلاح ملكك على كل لذة قال: فما تقول في صاحب البريد ميمون بن إبراهيم؟ - وكان قد علم أنّى
واجد عليه بتقصير وقع منه في أمرى- فقلت: يا أمير المؤمنين، يد تسرق واست تضرط! وهو مثل اليهودىّ سرق نصف جزيته، فله إقدام بما أدى، وإحجام بما أبقى، إساءته طبيعة، وإحسانه تكلّف! قال: قد أردتك لمجالستى، قلت: لا أطيق ذاك، وما أقول ذلك جهلا بمالى في هذا المجلس من الشرف، ولكنى محجوب، والمحجوب تختلف عليه الإشارة، ويخفى عليه الإيماء، ويجوز أن يتكلّم بكلام غضبان ووجهك راض أو بكلام راض ووجهك غضبان، ومتى لم أميز بين هذين هلكت، قال: صدقت، ولكن تلزمنا، قلت: لزوم الفرض الواجب اللازم، فوصلنى بعشرة آلاف درهم.
ولأبى العيناء مع المتوكّل مجالس أدخل الرواة بعضها في بعض، وسأورد مستظرفها إن شاء الله:
قال له المتوكل يوما: يا أبا العيناء؛ لا تكثر الوقيعة في الناس، قال:
إن لى في بصرى لشغلا عن الوقيعة فيهم، قال: ذلك أشد لحيفك في أهل العافية! وقال له يوما: هل رأيت طالبيا حسن الوجه قطّ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت أحدا قطّ سأل ضريرا عن هذا؟ قال: لم تكن ضريرا فيما تقدم، وإنما سألتك عما سلف، قال: نعم، رأيت منهم ببغداد منذ ثلاثين سنة فتى ما رأيت أجمل منه، قال المتوكّل: تجده كان مؤاجرا، وتجدك كنت قوّادا عليه! فقال أبو العيناء: وفرغت لهذا يا أمير المؤمنين، أترانى أدع موالىّ على كثرتهم، وأقود على الغرباء؟ قال: اسكت يا مأبون؟ قال: مولى القوم منهم! قال المتوكل:
أردت أن أشتفى به منهم فاشتفى لهم منّى.
وكان أبو العيناء أحدّ الناس خاطرا، وأحضرهم نادرة، وأسرعهم جوابا، وأبلغهم خطابا.
والمتوكل أوّل من أظهر من خلفاء بنى العباس الانهماك على شهوته، وكان أصحابه يتسخّفون ويستخفون بحضرته، وكان يهاتر الجلساء، ويفاخر الرؤساء،
وهو مع ذلك من قلوب الناس محبب، وإليهم مقرّب؛ إذ أمات ما أحياه الوائق من إظهار الاعتزال، وإقامة سوق الجدال.
قال محمد بن مكرم الكاتب: من زعم أن عبد الحميد أكتب من أبى العيناء إذا أحسّ بكرم، أو شرع في طمع، فقد ظلم.
كتب إلى أبى عبيد الله بن سليمان وقد نكبه وأباه المعتمد، وهما يطالبان بمال يبيعان له ما يمنكانه من عقار وأثاث وعبد وأمة، وقد أعطى بخادم أسود لعبيد الله خمسون دينارا:
قد علمت- أصلحك الله! - أن الكريم المنكوب أجرأ على الأحرار من اللئيم الموفور؛ لأنّ اللئيم يزيد مع النّعمة لؤما، والكريم لا يزيد مع المحنة إلّا كرما، هذا متّكل على رازقه، وهذا يسىء الظنّ بخالقه، وعبدك إلى ملك «كافور» فقير، وثمنه على ما اتّصل بى يسير؛ لأنه بخدمته السلطان يعرّفنى الرؤساء والإخوان؛ ولست بواجد ذلك في غيره من الغلمان؛ فإن سمحت به فتلك عادتك، وإن أمرت بأخذ ثمنه فمالك مادّتى، أدام الله دولتك، واستقبل بالنعمة نكبتك. فأمر له به.
وسمع ابن مكرم رجلا يقول: من ذهب بصره قلت حيلته، قال: ما أغفلك عن أبى العيناء! وكتب أبو العيناء إلى عبيد الله بن سليمان: أنا- أعزّك الله تعالى! - وولدى وعيالى زرع من زرعك، إن سقيته راع وزكا، وإن جفوته ذبل وذوى؛ وقد مستنى منك جفاء بعد برّ، وإغفال بعد تعاهد، حتى تكلّم عدوّ، وشمت حاسد، ولعبت بى ظنون رجال كنت بهم لاعبا، ولهم مجرّسا، ولله در أبى الأسود في قوله:
لا تهنّى بعد إذا أكرمتنىوشديد عادة منتزعه
فوقّع فى رقعته: أنا- أسعدك الله! - على الحال التي عهدت، وميلى إليك كما
علمت، وليس من أنسأناه أهملناه، ولا من أخّرناه تركناه، مع اقتطاع الشغل لنا، واقتسام زماننا، وكان من حقّك علينا أن تذكّرنا بنفسك، وتعلمنا أمرك؛ وقد وقّعت لك برزق شهرين؛ لتريح غلّتك، وتعرفنى مبلغ استحقاقك، لأطلق لك باقى أرزاقك، إن شاء الله، والسلام.
وكان إذا خرج من داره يقول: اللهم إنّى أعوذ بك من الرّكب والرّكب، والآجرّ والخشب، والرّوايا والقرب.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع