تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

من كلام الأعراب

قال أعرابىّ لسليمان بن عبد الملك: إنى أكلمك يا أمير المؤمنين بكلام فاحتمله، فإنّ وراءه إن قبلته ما تحبه، قال: هاته يا أعرابى؛ فنحن نجود بسعة الاحتمال على من لا نأمن غيبته، ولا نرجو نصيحته، وأنت المأمون غيبا، الناصح جيبا. قال: فإنى سأطلق لسانى بما خرست عنه الالسن، تأدية لحق الله تعالى؛ إنه قد اكتنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، وخافوك في الله ولم يخافوا الله فيك، فهم حرب للآخرة، وسلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه؛ فإنهم لم يألوا الأمانة تضييعا، والأمة كسفا وخسفا، وأنت مسئول عما اجترموا، وليسوا مسئولين عما اجترمت؛ فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك؛ فإن أعظم الناس عند الله غبنا من باع آخرته بدنيا غيره.

فقال سليمان: أما أنت يا أعرابى فقد سللت لسانك وهو سيفك، قال:

أجل يا أمير المؤمنين، لك لا عليك.

وروى العتبى عن أبيه عن مولى لعمرو بن حريث قال: شخصت إلى سليمان ابن عبد الملك، فقيل لى: إنك ترد على أفصح العرب، وسيسألك عن المطر، فانظر ما تجيبه، فقلت: ما عندى من الجواب إلّا ما عند العامّة، فقيل لى: ما ذلك بمقنع عنده، فلقينى أعرابى فقلت: هل لك في درهمين؟ فقال: إنّى والله محتاج إليهما، حريص عليهما، فما شأنك؟ فقلت: لو سألك سائل عن هذا المطر بم كنت تجيبه؟ قال. أو يعيا بهذا أحد؟ قلت: نعم، سائلك! قال: أتعيا أن تقول: أصابتنا سماء، عمد لها الثّرى، واتّصل بها العرى، وقامت منها الغدر، وأتتك في مثل وجار الضّبع، فكتبت الكلام، وأعطيته درهمين؛ فكان هجّيراى على الرّاحلة؛ فإذا نزلت أقبلت عليه وأمثل نفسى كأنى واقف بين يديه، وقد سلّمت عليه بالخلافة وهو يسألنى عن المطر! فلما انتهيت إليه سألنى فاقتصصت الكلام، فكسر إحدى عينيه، وقال:

إنى لأسمع كلاما ما أنت بأبى عذرته. قلت: صدقت! وحياتك يا أمير المؤمنين اشتريته بدرهمين! فاستغرب ضحكا، ثم أحسن صلتى.

وقال أعرابى يمدح رجلا:

حليم مع التّقوى، شجاع مع الجداندحين لا يندى السّحاب سكوب
ويجل أمورا لو تصيّفن غيرهلمات خفاتا أو لكاد يذوب
شديد مناط القلب في الموقف الذىبه لقلوب العالمين وجيب
فتى هو من غير التخلّق ماجدومن غير تأديب الرّجال أديب
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة

وقال بعض المحدثين يمدح:

فتى يجعل المعروف قبل سؤالهويجعل دون العذر فضل التّكرّم
أغرّ متى تقصد به فضل حظهتصب ومتى تطلب به الغنم تغنم
على رأيه ينضمّ منصدع الصّفاوبنحلّ من عقد العرى كل مبرم
له عزمة أغنى من الجيش في الوغىوخطرة رام كالحسام المصمّم

جملة من كلام أبى الفضل أحمد بن الحسين الهمذانى بديع الزمان

وهذا اسم وافق مسمّاه، ولفظ طابق- معناه، وكلام غضّ المكاسر، أنيق الجواهر، يكاد الهواء يسرقه لطفا، والهوى يعشقه ظرفا ولما رأى أبا بكر محمد بن الحسين بن دريد الأزدى أغرب بأربعين حديثا، وذكر أنه استنبطها من ينابيع صدره، واستنخبها من معادن فكره، وأبداها للأبصار والبصائر، وأهداها للافكار والضمائر، فى معارض أعجمية، وألفاظ حوشية، فجاء أكثر ما أظهر تنبو عن قبوله الطباع، ولا ترفع له حجبها الأسماع، وتوسّع فيها؛ إذ صرّف ألفاظها ومعانيها، فى وجوه مختلفة، وضروب متصرفة، عارضها بأربعمائة مقامة في الكدية، تذوب ظرفا، وتقطر حسنا، لا مناسبة بين المقامتين لفظا ولا معنى، وعطف مساجلتها، ووقف مناقلتها، بين رجلين سمّى أحدهما عيسى بن هشام والآخر أبا الفتح الإسكندرى، وجعلهما يتهاديان الدّر، ويتنافثان السّحر، فى معان تضحك الحزين، وتحرّك الرّصين، يتطلّع منها كلّ طريفة، ويوقف منها على كلّ لطيفة، وربما أفرد أحدهما بالحكاية،

وخصّ أحدهما بالرواية؛ وسأذكر منها ما لا يخلّ طوله بالشرط المعقود، ولا ينافى حصوله الغرض المقصود.

كتب إلى أبى نصر أحمد بن على الميكالى:

كتابى- أعز الله الأمير! - وبودّى أن أكونه، فأسعد به دونه، ولكنّ الحريص محروم، لو بلغ الرزق فاه، لولّاه قفاه. فرّق الله بين الأيام، تفريقها بين الكرام، وألهمها أن تورد بعقل، وتصدر بتمييز، وما ذلك على الله بعزيز، وأنا فى مفاتحة الأمير، بين ثقة تعد، ويد ترتعد، ولم لا يكون ذلك؟ والبحر وإن لم أره، فقد سمعت خبره، ومن رأى من السيف أثره، فقد عاين أكثره، والليث وإن لم ألقه، فلم أجهل خلقه، وماوراء ذلك من تالد أصل وحسب، وطارف فضل وأدب، وبعد همة وصيت، فمعلوم تشهد به الدفاتر، والخبر المتواتر، وتنطق به الأشعار، كما تصدق به الآثار، والعين أقلّ الحواس إدراكا، والأذن أكثرها استمساكا، وإن بعدت الدار فلا ضير؛ إنّ أيسر البعدين بعد الدارين، وخير القربين قرب القلبين.

وكتب إليه في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة:

الأمير الفاضل، والشيخ الرئيس، رفيع مناط الهمة، بعيد منال الحرمة، وفسيح مجال الفضل، رحيب منخرق الجود، رطيب مكسر العود

فلو نظمت الثرباوالشّعريين قريضا
وكاهل الأرض ضرباوشعب رضوى عروضا
وصغت للدر ضدّاوللهواء نقيضا
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «فلو نظمت الثريا»
بل لو جلوت عليهسود النوائب بيضا
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «فلو نظمت الثريا»
أو ادّعيت الثريّالأخمصيه حضيضا
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «فلو نظمت الثريا»
والبحر عند لهاهيوم العظاء مغيضا

لما كنت إلّا في ذمة القصور، وجانب التقصير، فكيف وأنا قاعد الحالة فىّ المدح، قاصر الآلة عن الشّرح؟ ولكنى أقول: الثناء منجح أنّى سلك، والسخى جوده بما ملك، وإن لم تكن غرّة لائحة فلمحة دالة، وإن لم يكن صدّاء فماء، وإن لم يكن خمر فخلّ، وإن لم يصبها وابل فطلّ، وبذل الموجود غاية الجود، وبعض الجهد آخر المجهود، وماش خير من لاش، ووجود ما قلّ خير من عدم ما جلّ. وقليل في الجيب خير من كثير في الغيب، وجهد المقل خير من عذر المخل، وحمار أيس خير من فرس ليس، وكوخ في العيان خير من قصر في الوهم. وزيت خير من ليت، وما كان أجود من لو كان، وقد قيل: عصفور في الكف أجود من كركى في الجو، ولأن تقطف خير من أن تقف، ومن لم يجد الجميم رعى الهشيم، ومن لم يحسن صهيلا نهق، ومن لم يجد ماء تيمّم؛ والأمير الرئيس- أدام الله نعماه! - لا ينظر في قوافى صنيعته إلى ركاكة ألفاظها، وبعد أغراضها، ولكن إلى كثرة جذرها، وثقل مهرها، وقلّة

كفئها، وإننى منذ فارقت قصبة جرجان، ووطئت عتبة خراسان، ما زففتها إلا إليه، ولا وقفتها إلا عليه، هذا على تمرغى في أعطاف المحن، وضرورتى إلى أبناء الزمن، وإن كان الأمير الرئيس يرفع لكل لفظ حجاب سمعه، ويفسح لكل شعر فناء طبعه، فهاك من النثر ما ترى، ومن النظم ما يترى:

أدهق الكاس فعرف الفجرقد كاد يلوح
فهو للناس صباحولذى الرأى صبوح
والذى يمرح بى فيحلبة اللهو جموح
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «اذهب الكاس فعرف الفجر»
فاسقنيها والأمانىّلها عرف يفوح
إنّ للأيام أسرارابها سوف تبوح
لا يغرنّك جسمصادق الحس وروح
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «اذهب الكاس فعرف الفجر»
إنما نحن إلى الآجالنغدو ونروح
ويك هذا العمر تبريحوهذا الروح ريح
بينما أنت صحيح الجسمإذ أنت طريح
فاسقنيها مثل ما يلفظهالدّيك الذّبيح
قبل أن يضرب في الدّهربى القدح السّنيح
إنما الدّهر غرورولمن أصغى نصيح
ولسان الدّهر بالوعظلواعيه فصيح
نستبيح الدّهر والأيّاممنا تستبيح
نحن لاهون وآجالالمنايا لا تريح
يا غلام الكأس فاليأس من الناس مريح
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «اذهب الكاس فعرف الفجر»
ضاع ما نحميه من أنفسناوهو مبيح
وقنوعا فمقام الذّل بالمرء قبيح
أنا يا دهر بأبنائك شقّ وسطيح
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «اذهب الكاس فعرف الفجر»
وبأبكار القوافىلا على كفء شحيح
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «اذهب الكاس فعرف الفجر»
يا بنى ميكال والجود لعلّاتى مزيح
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «اذهب الكاس فعرف الفجر»
شرفا إن مجال الفضلفيكم نفسيح
وعلى قدر سناالممدوح يأتيك المديح
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «اذهب الكاس فعرف الفجر»
فهناك الشرف الأرفع والطّرف الطّموح
للشاعر بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة «اذهب الكاس فعرف الفجر»
والنّدى والخلق الطاهر والخلق الصّبيح
مرتقى مجد يحار الطّرففيه ويطيح
أيّهذا الكرم الماثل والخلق السّجيح
كان هذا الجود ميتاعاده منك المسيح

هذه- أطال الله بقاء الأمير! - هدية الوقت، وعفو الساعة، وفيض البديهة، ومسارقة القلم، ومسابقة اليد للفم، وجمرات الحدّة، وثمرات المدّة، ومجاراة الخاطر للناظر، ومباراة الطّبع للسّمع، ومجاذبة الجنان للبيان، والشعر إذا لم تقدمه روّية، ولم تنضجه نيّة، لم يفتح له السمع بابه، ولم يرفع له القلب حجابه، وإذا لبس الأمير هذه على علاتها رجوت أن يكون بعدها ما هو أفتن وأحسن وأرصن، فرأيه أيده الله في الوقوف عليها موقفا إن شاء الله.

وله إليه معاتبة:

لئن ساءنى أن نلتنى بمساءةلقد سرّنى أنّى خطرت ببالك
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «قفى يا اميم القلب نقض لبانة»

الأمير الفاضل الشيخ الرئيس، أطال الله بقاءه إلى آخر الدعاء، فى حال برّه وجفائه متفضّل، وفي يومى إعاده وإدنائه متطوّل. وهنيئاله من حمانا ما يحلّه،

ومن عرانا ما يحله، ومن أعراضنا ما يستحلّه؛ بلغنى أنه- أدام الله عزّه! - استزاد صنيعته، وكنت أظننى مجنيّا عليه، مساء إليه، فإذا أنافى قرارة الذّنب، وبمثابة العتب، وليت شعرى أىّ محظور في العشرة حضرته، أو مفروض من الخدمة رفضته، أو واجب في الزيارة أهملته؟ وهل كنت إلا ضيفا أهداه بلد شاسع، وأدّاه أمل واسع، وحداه فضل وإن قلّ، وهداه رأى وإن ضلّ، ثم لم يلق إلّا في آل ميكال رحله، ولم يصل إلّا بهم حبله، ولم ينظم إلا فيهم شعره، ولم يقف إلا عليهم شكره؛ ثم ما بعدت صحبة إلا دنت مهانة، ولا زادت حرمة إلا نقصت صيانة، ولا تضاعفت منة إلا تراجعت منزلة، ولم تزل الضّعة بنا حتى صار وابل الإعظام قطرة، وعاد قميص القيام صدرة، وذلك التقرب أزورارا، وطويل السلام اختصارا، والاهتزاز إيماء، والعبارة إشارة؛ وحين عاتبته آمل إعتابه، وكاتبته أنتظر جوابه، وسألته أرجو إيجابه، أجاب بالسكوت، وأعتب بالقنوت، فما ازددت إلّا له ولاء، وعليه ثناء؛ لا جرم إنى اليوم أبيض وجه العهد، واضح محجّة الودّ، طويل عنان القول، رفيع حكمة العذر؛ وقد حمّلت فلانا من الرسالة ما تجافى عنه القلم؛ والأمير الرئيس أطال الله بقاءه ينعم بالإصغاء لما يورده موفقا إن شاء الله.

وله إليه في هذا الباب:

أنا في خدمة الأمير الرئيس- أطال الله بقاءه! - مترجّح بين أن أشربها رنقة ولا أسيغها، وألجلج منها مضغة ولا أجيزها، وبين أن أطويها على عرّها، ولا أرتضع أخلاف درّها.

فلا نفسى تطاوعنى لرفضولا هممى توطّننى لخفض

وبقى أن أقرصه بأنامل العتب، وأحشمه بألحاظ العذل، وأعرفه أنى ما أطوى مسافة مزار إلّا متجّشما، ولا أطأ عتبة دار إلا متبرّما؛ ولست كمن يبسط يده مستجديا، أو ينقل قدمه مستعديا؛ فإن كان الأمير الرئيس- أيّده الله! - يسرح طرفه منّى في طامح أو طامع، فليعد للفراسة نظرا.

فما الفقر من أرض العشيرة ساقنىإليك، ولكنّا بقرباك ننجح

وأجدنى كلما استقزنى الشوق إلى تلك المحاسن، أطير إليها بجناحين عجلا، وأرجع بعرجاوين خجلا، ولولا أنّ الرضا بذلك ضرب من سقوط الهمّة، وأن العتاب نوع من أنواع الخدمة، لصنت مجلسه عن قلمى، كما أصونه عن قدمى، ولملت إلى أرض الدعاء فهو أنجع، وإلى جانب الثناء فهو أوسع، وسأفعل لتخفّ مؤنتى، ولا تثقل وطأتى

إذا ما عتبت فلم تعتبوهنت عليك فلم تعن بى
سلوت، ولو كان ماء الحياةلعفت الورود ولم أشرب

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.