من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
شعر أبى نواس
وروى أبو هفان قال: كان أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابى يطعن على أبى نواس، ويعيب شعره، ويضعّفه، ويستلينه؛ فجمعه مع بعض رواة شعر أبى نواس مجلس والشيخ لا يعرفه، فقال له صاحب أبى نواس: أتعرف- أعزّك الله! - أحسن من هذا؟ وأنشده: «ضعيفة كرّ الطّرف ... » الأبيات فقال: لا والله، فلمن هو؟ قال: للذى يقول:
رسم الكرى بين الجفون محيلعفّى عليه بكا عليك طويل
يا ناظرا ما أقلعت لحظاتهحتى تشحّط بينهنّ قتيل
فطرب الشيخ، وقال: ويحك! لمن هذا؟ فو الله ما سمعت أجود منه لقديم
ولا لمحدث! فقال: لا أخبرك أو تكتبه؛ وكتب الأول، فقال: للذى يقول:
ركب تساقوا على الأكوار بينهمكأس الكرى فانتشى المسقىّ والساقى
كأنّ أرؤسهم والنّوم واضعهاعلى المناكب لم تخلق بأعناق
ساروا فلم يقطعوا عقدا لراحلةحتى أناخوا إليكم قبل إشراقى
من كل جائلة الطرفين ناجيةمشتاقة حملت أوصال مشتاق
فقال: لمن هذا؟ وكتبه. فقال: للذى تذمّه، وتعيب شعره، أبى على الحكمى! قال: اكتم علىّ، فو الله لا أعود لذلك أبدا.
أخذ قوله: «كأنّ أرؤسهم والنوم واضعها» أبو العباس بن المعتز، فقال يصف شربا:
كأنّ أباريق الّلجين لديهمظباء بأعلى الرّقمتين قيام
وقد شربوا حتى كأن رؤوسهممن اللّين لم يخلق لهنّ عظام
البيت الأول من هذين من قول علقمة بن عبدة:
كأنّ إبريقهم ظبى على شرفمفدّم بسبا الكتّان ملثوم
أراد بسبائب، فحذف. وقد أحسن مسلم بن الوليد في قوله:
إبريقنا سلب الغزالة جيدهاوحكى المدير بمقلتيه غزالا
يسقيك بالألحاظ كأس صبابةويديرها من كفّه جريالا
وأنشد الحارث بن خالد أبياته:
إنى وما نحروا غداة منى......
لعبد الله بن عمر، فلما بلغ إلى قوله:
لعرفت معناها بما احتملتمنّى الضلوع لأهلها قبل
قال له ابن عمر: قل إن شاء الله، قال: إذا يفسد الشعر يا أبا عبد الرحمن، فقال: لا خير في شىء يفسده إن شاء الله.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع