من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
تفضيل السواد
وقد تناول هذا المعنى أبو الحسن علىّ بن العباس الرومى من أقرب متناول فقال وكشفه بأوضح عبارة- فى صفته لجارية أبى الفضل عبد الملك بن صالح السوداء بعد أن استوفى جميع صفاتها وكان قد اقترح عليه وصفها:
وصفت فيها الّذى هويت على الوهم ولم نختبر ولم نذق
إلّا بأخبارك التي رفعتمنك إلينا عن ظبية البرق
حاشا لسوداء منظر سكنتذراك إلا عن مخبر يقق
وهذه الأبيات من قصيدة له وصف فيها السواد، واحتجّ بتفضيله على البياض، حتى أغلق فيه الباب بعده، ومنع أن يقصد فيه أحد قصده، إلّا كان مقّصر السهم عن غرض الإحسان. وقد نبّه على بن عبد الله بن العباس [المسيب على] فضائلها، وأجاد التشبيه، وكشف عن وجوه الإبداع، وضروب الاختراع وقد مدح الناس السواد والسّود فأكثروا؛ فمن جيذ ما قالوا فيه قول أبى حفص الشطرنجى:
أشبهك المسك وأشبهتهقائمة في لونه قاعده
لا شكّ إذ لونكما واحدأنكما من طينة واحده
فأخذ ابن الرومى هذا المعنى، وأضاف إليه أشياء أخر توسعا واقتدارا، فقال:
يذكرك المسك والغوالى والسّكّ ذوات النسيم والعبق
وهذه الأشياء وإن كانت ناقصة عن المسك، فهى ممدوحة بالطيب، غير مستغنى عن ذكرها في التشبيه؛ فأما زيادته على جميع من تعاطى مدح السواد فقوله:
سوداء لم تنتسب إلى برص الشّقر ولا كلفة ولا بهق والأبيض الشديد البياض معيب، وقد دلّ عليه قوله:
وبعض ما فضّل السواد بهوالحقّ ذو سلّم وذو نفق
ألّا يعيب السّواد حلكتهوقد يعاب البياض بالبهق
قوله: «الحق ذو سلّم وذو نفق» أراد أنّ الحقّ يتصرّف في جهات، وضرب الصعود والنزول لذلك مثلا؛ ثم قصد لوصف هذه السوداء بالكمال في الصفة؛ ومن عيب السّودان أن أكفّهم عابسة متشقّقة، وأطرافهم ليست بناعمة لينة، وكذلك لا يزال الفلح في شفاههم، وهي الشقوق المذمومة الموجودة في أكثر السودان في أوساط الشفاه، وأيضا فإن الأسود مهجو بخبث العرق، فنفى هذه الصفات المذمومة الموجودة في أكثر السودان عنها، فقال:
ل يست من العبس الأكفّ ولا الفلح الشّفاه الخبائث العرق
ثم عاج بخاطره على وصف هذه السوداء بأضداد تلك الصفات المذمومة، فقال:
فى لين سمّورة تخيّرها الفرّاءأو لين جيّد الدّلق
ومن بديع مدح السوداء قوله:
أكسبها الحبّ أنها صبغتصبغة حبّ القلوب والحدق
فانصرفت نحوها الضمائر والأبصار يعشقن أيّما عشق
فأخبر أنّ القلوب إنما أحبتها بالمجانسة التي بينها وبين حبّ القلوب من السواد، وكذلك الحدق.
ومن جيّد نشبيهات أبى نواس وقد نبّه نديما للصبوح فأخبر عن حاله وقال:
فقام والليل يجلوه الصباح كماجلا التبسم عن غر التّليّات
ولعلى بن العباس عليه التقدم بقوله:
يفتّر ذاك السواد عن يققمن ثغرها كاللالىء النّسق
كأنها والمزاح يضحكهاليل تعرّى دجاه عن فلق
وفضل هذا الكلام على ذاك أن هذا قدّم لمعناه في التشبيه مقدمة أيّدته، ووطّأت له الآذان، وأصغت الأفهام إلى الاستحسان، وهي قوله:
يفترّ ذاك السواد عن يقق
وفي هذه السوداء يقول، وقد سأله أبو الفضل الهاشمى أن يستغرق صفات.
محاسنها الظاهرة والباطنة، فقال:
لها حر يستعير وقدتهمن قلب صبّ وصدر ذى حنق
كأنما حرّه لخابرهما ألهبت في حشاه من حرّق
يزداد ضيقا على المراس كماتزداد ضيقا أنشوطة الوهق
ثم فكّر فيما فكّر فيه النابغة، وقد أمره النعمان بوصف المتجرّدة، فوصف ما يجوز ذكره من ظاهر محاسنها، ثم كره أن يذكر من فضائلها مالا يسوغ بمثله أن يذكر منها، فردّ الإخبار عن تلك الفضائل إلى صاحبها، وهو الملك، فقال:
زعم الهمام بأن فاها باردعذب إذا قبّلته قلت ازدد
فاحتذى علىّ بن العباس هذا، فقال بعد ما سأله أن يستغرق في وصف فضائلها الظاهرة والباطنة:
خذها أبا الفضل كسوة لك منخزّ الأماديح لا من الخرق
وصفت فيها التي هويت على الوهم ولم نختبر ولم نذق
إلّا بأخبارك التي وقعتمنك إلينا عن ظبية البرق
حاشا لسوداء منظر سكنتذراك إلّا عن مخبر يقق
وهذا المعنى أومأ إليه النابغة إيماء خفيّا تذهب معرفته عن أكثر الناس، ولو آثر النابغة ترك الاختصار، وهمّ بكشف المعنى وإيضاحه، ما زاد على هذا الكشف الذى كشفه ابن الرومى:
وأصحاب المعانى ينشدون للفرزدق:
وجفن سلاح قد رزئت فلم أنحعليه ولم أبعث عليه البواكيا
وفي بطنه من دارم ذو حفيظةلو ان المنايا أنسأته لياليا
ومعناه عندهم أنه رثى امرأة توفّيت حاملا، فقال على بن العباس وقد وصف هذه المرأة السوداء:
أخلق بها أن تقوم عن ذكركالسيف يفرى مضاعف الحلق
إنّ جفون السيوف أكثرهاأسود والحقّ غير مختلق
فهذه زيادة بينة، وعبارة واضحة، لم تحتج إلى تفاسير أصحاب المعانى، وقال مما لم ينشده المتنبى:
غصن من الآبنوس ركّب فىمؤتزر معجب ومنتطق
يهتزّ من ناهديه فى ثمرومن دواجى ذراه في ورق
وهذا معنى قد بلغ قائله من الإجادة، فوق الإرادة، وامتثل أبو الفضل الهاشمى ما أشار به ابن الرومى، فأولدها، فأنجبت.
وفي معنى قول الفرزدق قال الطائى وأحسن وذكر ولدين توأمين ماتا لعبد الله ابن طاهر:
إن ترز في طرفى نهار واحدرزأين هاجا لوعة وبلايلا
فالثّقل ليس مضاعفا لمطيّةإلا إذا ما كان وهما بازلا
لهفى على تلك المشاهد منهمالو أمهلت حتى تكون شمائلا
لغدا سكونهما حجى، وصباهماحكما، وتلك الأريحيّة نائلا
إن الهلال إذا رأيت نماءهأيقنت أن سيكون بدرا كاملا
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع