من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
ومن كلام الملوك الجارى مجرى الأمثال
أردشير- إذا رغبت الملوك عن العدل رغبت الرعيّة عن الطاعة.
أفريدون- الأيام صحائف آجالكم، فخلّدوها أحسن أعمالكم.
وقيل للإسكندر: ما بال تعظيمك لمؤدّبك أكثر من تعظيمك لأبيك؟
قال: لأنّ أبى سبب حياتى الفانية ومؤدّبى سبب حياتى الباقية.
ودخل محمد بن زياد مؤدّب الواثق على الواثق، فأظهر إكرامه، وأكثر إعظامه، فقيل له: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال هذا أول من فتق لسانى بذكر الله، وأدنانى من رحمة الله.
وأشير على الإسكندر بتبييت الفرس، فقال: لا أجعل غلبتى سرقة. وقيل له: لو تزوّجت بنت دارا؟ فقال: لا تغلبنى امرأة غلبت أباها.
انوشروان- الملك إذا كثر ماله مما يأخذ من رعيّته كان كمن يعمر سطح بيته بما يقتلعه من قواعد بنيانه.
أبرويز- أطع من [فوقك يطعك من] دونك.
السفاح- إن من أدنى الناس ووضعائهم من عدّ البخل حزما، والعفو ذلّا.
وكان يقول: إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة، والصبر حسن إلا على ما أوقع بالدّين، وأوهى السلطان؛ والأماة محمودة إلا عند إمكان الفرصة.
وقد قال ابن المعتز:
كم فرصة ذهبت فعادت غصّةتشجى بطول تلهّف وتندّم
ولما عزم المنصور على الفتك بأبى مسلم فزع من ذلك عيسى بن موسى، فكتب إليه:
إذا كنت ذا رأى فكن ذا تدبّرفإن فساد الرّأى أن تتعحّلا
فأجابه المنصور:
إذا كنت ذا رأى فكن ذا عزيمةفإنّ فساد الرأى أن تتردّدا
ولا تمهل الأعداء يوما بغدوةوبادرهم أن يملكوا مثلها غدا
وهذا في موضعه كقول الإمام على كرّم الله وجهه: من فكر في العواقب لم يشجع وقال سعد بن ناشب فأفرط.
عليكم بدارى فاهدموها؛ فإنهاتراث كريم لا يخاف العواقبا
إذا همّ ألقى بين عينيه عزمهونكّب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في رأيه غير نفسهولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
سأغسل عنى العار بالسيف جالباعلىّ قضاء الله ما كان جالبا
ويصغرفى عينى تلادى إذا انثنتيمينى بإدراك الذى كنت طالبا
وكان سعد من مردة العرب وشياطين الإنس، وفيه يقول الشاعر:
وكيف يفيق الدهر سعد بن ناشبوشيطانه عند الأهلّة يصرع
كتب مروان بن محمد الجعدىّ إلى عبد الله بن علىّ يسأله حفظ حرمه، فقال له: الحقّ لنا في دمك، وعلينا في حرمك.
وقال الرشيد لإسماعيل بن صبيح: إياك والدالّة فإنها تفسد الحرمة، ومنها أتى البرامكة.
وقال المأمون: الملوك تحتمل كلّ شىء إلّا ثلاثا: إفشاء السر، والقدح فى الملك، والتعرض للحرم.
المعتصم إذا نصر الهوى بطل الرّأى.
المنتصر- لذّة العفو أطيب من لذّة التّشفّى؛ وذلك أن لذة العفو يلحقها حمد العاقبة، ولذّة التشفى يلحقها ذمّ الندم.
والمنتصر يقول عن تجربة؛ لأنه قتل أباه المتوكل، والأمر في ذلك أشهر من أن يذكر، ولكنى ألمع منه باليسير:
كان المتوكّل قد عقد لولده المنتصر والمعتزّ والمؤيّد ولاية العهد، ثم تغيّر على المنتصر دون أخويه، وكان يسميّه المنتظر، ويقول له: أنت تتمنّى موتى، وتنتظر وقتى! ويأمر الندماء أن يعبثوا به، إلى أن أوغر صدره، وأقلّ صبره؛ فلما كانت ليلة الأربعاء لثلاث خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين كان المتوكّل يشرب مع الفتح في قصره المعروف بالجعفرى، ومعه جماعة من الندماء والمغنّين، وكان المنتصر معهم، فلما انصرمت ثلاث ساعات من الليل قال لزرافة التركى: ألا تسعنى ساعة حتى أشكو إليك ما يمرّ بى؟ قال: بلى، وجعل يماطله ويطاوله، وغلّق بغا الشرابىّ الأبواب كلها إلا باب الماء، ومنه دخل الذين قتلوه، فأوّل من ضربه باغر التركى ضربة قطع بها حبل عاتقه، وتلقّاه الفتح بنفسه فأكبّ عليه، فقتلا جميعا، وبويع المنتصر من ساعته، وكانت مدّة المنتصر في الخلافة مدة شيرويه ابن كسرى- حين قتل أباه- ستة أشهر.
وقال إبراهيم بن أحمد الأسدى يرثى المتوكّل:
هكذا فلتكن منايا الكرامبين ناى ومزهر ومدام
بين كأسين أروتاه جميعاكأس لذّاته وكأس الحمام
يقظ في السرور حتى أتاه- قدّر الله- حتفه في المنام
والمنايا مراتب يتفاضلنوبالمرهفات موت الكرام
لم يرر نفسه رسول المنايابصنوف الأوجاع والأسقام
هابه معلنا فدبّ إليهفى ستور الدّجى بحدّ الحسام
أخذ هذا المعنى عبد الكريم بن إبراهيم التيمى، فقال يرثى عيسى بن خلف صاحب خراج المغرب، وكان قد تناول دواء فمات بسببه:
منايا سددت الطّرق عنها ولم تدعلها من ثنايا شاهق متطلّعا
فلما رأت سور المهابة دونهاعليك ولما لم تجد فيك مطمعا
ترقّت بأسباب لطاف ولم تكدتواجه موفور الجلالة أروعا
فجاءتك في سرّ الدواء خفيّةعلى حين لم تحذر لداء توقّعا
فلم أر مالا يتّقى مثل سهمهاولا مثلها لم تخش كيدا فترجعا
وقد رثاه البحترى ويزيد المهلبى بمرثيتين من أجود ما قيل في معناهما، وكانا حاضرين ليلة قتله. فاختفى أحدهما في طىّ الباب، والآخر في قناة الشاذروان؛ فمن قصيدة البحترى:
تغيّر حسن الجعفرىّ وأنسهوقوّض بادى الجعفرىّ وحاضره
تحمّل عنه ساكنوه فجاءةفآضت سواء دوره ومقابره
ولم أر مثل القصر إذريع سربهوإذ ذعرت أطلاؤه وجآذره
وإذ صيح فيه بالرّحيل فهتّكتعلى عجل أستاره وستائره
إذا نحن زرناه أجدّ لنا الأسىوقد كان قبل اليوم يبهج زائره
فأين عميد الناس في كل نوبةتنوب وناهى الدهر فيهم وآمره»
تخفّى له مغتاله تحت غرّةوأولى لمن يغتاله لو يجاهره
صريع تقاضاه السيوف حشاشةيجود بها والموت حمر أظافره
حرام علىّ الراح بعدك أو أرىدما بدم يجرى على الأرض مائره
وهل يرتجى أن يطلب الدم طالبمدى الدهر والموتور بالدم واتره
فلا ملّى الباقى تراث الذى مضىولا حمّلت ذاك الدعاء منابره
وهي طويلة، وكان أبو العباس ثعلب يقول فيها: ما قيلت هاشمية أحسن منها، وقد صرّح فيها تصريح من أذهلته المصائب عن تخوّف العواقب.
وقد كان البحترى يرتاح في كثير من شعره إلى ذكره وذكر الفتح بن خاقان، فمن ذلك قوله لبعض من يمدحه:
تداركنى الإحسان منك، ونالنىعلى فاقة ذاك النّدى والتطوّل
ودافعت عنى حين لا الفتح يرتجىلدفع الأذى عنى ولا المتوكّل
وقال:
مضى جعفر والفتح بين موسّدوبين قتيل في الدماء مضرّج
أأطلب أنصارا على الدهر بعد ماثوى منهما في الترب أوسى وخزرجى
وقال في غلام له:
عسى آيس من رجعة الوصل يوصلودهر تولّى بالأحبّة يقبل
أيا سكنا فات الفراق بنفسهوحال التّعادى دونه والتّزيل
أتعجب لمّا لم يغل جسمى الضّناولم يخترم نفسى الحمام المعجّل
فقبلك بان الفتح منى مودّعاوفارقنى شفعا له المتوكّل
فما بلغ الدّمع الذى كنت أرتجىولا فعل الوجد الذى خلت يفعل
وقال أبو خالد يزيد بن محمد المهلبى في قصيدة أولها:
لا وجد إلا أراه دون ما أجدولا كمن فقدت عيناى مفتقد
يقول فيها:
لا يبعدن هالك كانت منيتهكما هوى من عضاه الزّبية الأسد
جاءت منيّته والعين هاديةهلّا أتته المنايا والقنا قصد
فخرّ فوق سرير الملك منجد لالم يحمه ملكه لمّا انقضى الأمد
لا يدفع الناس ضيما بعد ليلتهمإذ لا يهزّ إلى الجانى عليك يد
علنك أسياف من لا دونه أحدوليس فوقك إلا الواحد الصّمد
إذا بكيت فإن الدمع منهملوإن رثيت فإنّ الشعر مطّرد
إنّا فقد ناك حتى لا اصطبار لناومات قبلك أقوام فما فقدوا
قد كنت أسرف في مالى فتخلفهفعلّمتنى الليالى كيف أقتصد
وقال فيها يذكر الأتراك، ويحضّ على اصطناع العرب:
لما اعتقدتم أناسا لا حفاظ لهمضعتم وضيعتم من كان يعتقد
ولو جعلتم على الأحرار نعمتكمحمتكم الذّادة المنسوبة الحشد
قوم هم الأصل والأسماء تجمعكموالدين والمجد والأرحام والبلد
إن العبيد إذا أذللتهم صلحواعلى الهوان وإن أكرمتهم فسدوا
وقال أبو حيّة النميرى:
رمته فتاة من ربيعة عامرنؤوم الصّحى في مأتم أىّ مأتم
فقلن لها في السرّ: نفديك لا يرحصحيحا وإلّا تقتليه فألممى
فألقت قناعا دونه الشمس واتّقتبأحسن موصولين كفّ ومعصم
وقالت فلما أفرغت في فؤادهوعينيه منها السحر قالت له نم
فأصبح لا يدرى أفى طلعة الضحىتروّح أم داج من الليل مظلم
أخذ قوله: «فألقت قناعا دونه الشمس» من قول النابغة الذبيانى:
قامت تراءى بين سجفى كلّةكالشمس يوم طلوعها بالأسعد
سقط النّصيف ولم ترد إسقاطهفتناولته واتقّتنا باليد
وقال أبو حية يرثى سلمة بن عياش:
كأنّ أبا حفص فتى البأس لم يجببه الليل والبيض القلاص النجائب
إلى الغاية القصوى، ولم تهد فتيةكراما وتخطوه الخطوب النوائب
ويعمل عتاق العيس حتى كأنهاإذا وضعت عنها العلايا المشاجب
بعيد مثانى الهمّ يمسى ومالهسوى الله والعضب السّريجى صاحب
يروم جسيمات العلا فينالهافتى في جسيمات المكارم راغب
فإن يمس وحشا بابه فلربماتواتر أفواجا إليه المواكب
يحيّون بسّاما كأنّ جبينههلال بدا وانجاب عنه السحائب
وما غائب من غاب يرجى إيابهولكنه من ضمّن اللّحد غائب
وزعم الصولى أن أباحيّة إنما قالها في محمد بن سليمان بن على بن عبيد الله بن العباس.
وكان أبو حيّة جيد الطبع، مألوف الكلام، رقيق حواشى الشعر.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع