من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
الحسد والحساد
ومن كلام ابن المقفع: الحاسد لا يزال زاريا على نعمة الله ولا يجد لها مزالا، ومكدّرا على نفسه ما به من النعمة فلا يجد لها طعما، ولا يزال ساخطا على من لا يترضّاه، ومتسخّطا لما [لا] ينال، فهو كظوم هلوع جزوع، ظالم أشبه شىء بمظلوم، محروم الطّلبة، منغّص العيشة، دائم التسخّط، لا بما قسم له يقنع، ولا على ما لم يقسم له يغلب، والمحسود يتقلّب في فضل نعم الله مباشرا للسرور.
ممهلا فيه إلى مدّة لا يقدر الناس لها على قطع ولا انتقاص، ولو صبر الحاسد على ما به لكان خيرا له؛ لأنه كلما أراد أن يطفىء نور الله أعلاه ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون.
قال الطائى:
لولا التّخوّف للعواقب لم تزلللحاسد النّعمى على المحسود
وإذا أراد الله نشر فضيلةطويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورتما كان يعرف طيب عرف العود
أخذه البحترى فقال:
ولن تستبين الدّهر موضع نعمةإذا أنت لم تدلل عليها بحاسد
ولقد أحسن القائل:
إن يحسدونى فإنى غير لائمهمقبلى من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لى ولهم ما بى وما بهمومات أكثرنا غيظا بما يجد
أنا الذى يجدونى في صدورهملا أرتقى صدرا عنها ولا أرد
وقال ابن الرومى لصاعد بن مخلد:
وضدّ لكم لا زال يسفل جدّهولا برحت أنفاسه تتصعّد
يرى زبرج الدنيا يزفّ إليكمويغضى عن استحقاقكم فهو يفأد
ولو قاس باستحقاقكم ما منحتملأطفأ نارا في الحشا تتوقّد
وآنق من عقد العقيلة جيدهاوأحسن من سربالها المتجرّد
وقال معن بن زائدة:
إنى حسدت فزاد الله في حسدىلا عاش من عاش يوما غير محسود
ما يحسد المرء إلّا من فضائلهبالعلم والظّرف، أو بالبأس والجود
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع