تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

ويتصل بهذه الأنحاء

ما حكاه عمر بن على المطوعى قال: رأى الأمير السيد أبو الفضل عبيد الله ابن أحمد- أدام الله عزه! - أيام مقامه بجوين أن يطالع قرية من قرى ضياعه تدعى نجاب على سبيل التنزّه والتفرّج، فكنت في جملة من استصحبه إليها من أصحابه، واتّفق أنا وصلنا والسماء مصحية، والجوّ صاف لم يطرز ثوبه بعلم الغمام، والأفق فيروزج لم يعبق به كافور السحاب؛ فوقع الاختيار على ظلّ شجرة باسقة الفروع، متّسقة الأوراق والغصون، قد سترت ما حواليها من الأرض طولا وعرضا، فنزلنا تحتها مستظلّين بسماوة أفنانها، مستترين من وهج الشمس بستارة أغصانها، وأخذنا نتجاذب أذيال المذاكرة، ونتسالب أهداب المناشدة والمحاورة؛ فما شعرنا بالسّماء إلا وقد أرعدت وأبرقت، وأظلمت بعد ما أشرقت، ثم جادت بمطر كأفواه القرب فأجادت، وحكت أنامل الأجواد ومدامع العشاق، بل

أوفت عليها وزادت، حتى كاد غيثها يعود عيثا، وهمّ وبلها أن يستحيل ويلا فصبرنا على أذاها، وقلنا: سحابة صيف عما قليل تقشّع، فإذا نحن بها قد أمطرتنا بردا كالّثغور، لكنها من ثغور العذاب، لا من الثغور العذاب، فأيقنّا بالبلاء، وسلّمنا لأسباب القضاء؛ فما مرت إلا ساعة من النهار، حتى سمعنا خرير الأنهار، ورأينا السّيل قد بلغ الزّبى»

، والماء قد غمر القيعان والرّبى؛ فبادرنا إلى حصن القرية لائذين من السّيل بأفنيتها، وعائذين من القطر بأبنيتها، وأثوابنا قد صندل كافوريّها ماء الوبل، وغلّف طرازيّها طين الوحل، ونحن نحمد الله تعالى على سلامة الأبدان، وإن فقدنا بياض الأكمام والأردان، ونشكره على سلامة الأنفس والأرواح، شكر التاجر على بقاء رأس المال إذا فجع بالأرباح؛ فبتنا تلك الليلة في سماء تكف ولا تكفّ، وتبكى علينا إلى الصباح بأدمع هوام، وأربعة سجام؛ فلما سلّ سيف الصبح من غمد الظلام، وصرف بوالى الصحو عامل الغمام، رأينا صواب الرأى أن نوسع الإقامة بها رفضا، ونتخذ الارتحال عنها فرضا؛ فما زلنا نطوى الصحارى أرضا فأرضا، إلى أن وافينا المستقر ركضا؛ فلما نفضنا غبار ذلك المسير، الذى جمعنا في ربقة الأسير، وأفضينا إلى ساحة التيسير، بعد ما أصبنا بالأمر العسير، وتذاكرنا ما لقينا من التعب والمشقّة، فى قطع ذلك الطريق وطىّ تلك الشّقة، أخذ الأمير السيد- أطال الله بقاءه! - القلم فعلق هذه الأبيات ارتجالا:

دهتنا السماء غداة السّحاببغيث على أفقه مسبل
فجاء برعد له رنّةكرنّة ثكلى ولم تثكل
للشاعر الميكالي، من قصيدة «دهتنا السماء غداة النجاب»
وثنّى بوبل عدا طورهفعاد وبالا على الممحل
للشاعر الميكالي، من قصيدة «دهتنا السماء غداة النجاب»
وأشرف أصحابنا من أذاهعلى خطر هائل معضل
للشاعر الميكالي، من قصيدة «دهتنا السماء غداة النجاب»
فمن لائذ بفناء الجداروآو إلى نفق مهمل
ومن مستجير ينادى: الغريقهناك، ومن صارخ معول
للشاعر الميكالي، من قصيدة «دهتنا السماء غداة النجاب»
وجادت علينا سماء السقوفبدمع من الوجد لم يهمل
للشاعر الميكالي، من قصيدة «دهتنا السماء غداة النجاب»
كأنّ حراما لها أن ترىيبيسا من الأرض لم يبلل
وأقبل سيل له روعةفأدبر كلّ عن المقبل
للشاعر الميكالي، من قصيدة «دهتنا السماء غداة النجاب»
يقلّع ما شاء من دوحةوما يلق من صخرة يحمل
للشاعر الميكالي، من قصيدة «دهتنا السماء غداة النجاب»
كأنّ بأحشائه إذ بداأجنّة حبلى ولم تحبل
للشاعر الميكالي، من قصيدة «دهتنا السماء غداة النجاب»
فمن عامر ردّه غامراومن معلم عاد كالمجهل
للشاعر الميكالي، من قصيدة «دهتنا السماء غداة النجاب»
كفانا بليّته ربّنافقد وجب الشكر للمفضل
للشاعر الميكالي، من قصيدة «دهتنا السماء غداة النجاب»
فقل للسماء ارعدى وابرقىفإنّا رجعنا إلى المنزل

أخذ المطوعى قوله: «فلما سلّ سيف الصبح من غمد الظلام» من قول أبى الفتح البستى:

رب ليل أغمد الأنوار إلّانور ثغر أو مدام أو ندام
قد نعمنا بدياجيه إلى أنسل سيف الصبح من غمد الظلام
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «رب ليل أغمد الأنوار إلا نور»

[وقال بعض أهل العصر، وهو أبو العباس الناشىء]:

خليلى هل للمزن مقلة عاشقأم النار في أحشائها وهي لا تدرى
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
أشارت إلى أرض العراق فأصبحتوكاللؤلؤ المنثور أدمعها تجرى
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
سحاب حكت ثكلى أصيبت بواحدفعاجت له نحو الرياض على قبر
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
تسّر بل وشيا من حزون تطرزتمطارفها طرزا من البرق كالتّبر
فوشى بلا رقم، ورقم بلا يد،ودمع بلا عين، وضحك بلا ثغر
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

أرقت لبرق شديد الوميضترامى غواربه بالشّهب
كأنّ تألّقه في السماءسطور كتبن بماء الذهب

وقال ابن المعتز:

كأن الرّباب الجون دون سحابهخليع من الفتيان يسحب مئزرا
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «أيا ويحه ما ذنبه إن تذكرا»
إذا لحقته خيفة من رعودهتلفّت واستلّ الحسام المذكّرا

وقد قال حسان بن ثابت:

كأن الرّباب دوين السحابنعام تعلق بالأرجل
للشاعر زهير بن جلهمة السكب، من قصيدة «إذا لله لم يسق إلا الكرام»

وقال ابن المعتز:

باكية يضحك فيها برقهاموصلة بالأرض مرخاة الطّنب
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «رأيت فيها برقها لما وثب»
رأيت فيها برقها منذ بداكمثل طرف العين أو قلب يجب
جرت بها ريح الصبا حتى بدامنها لى البرق كأمثال الشهب
تحسبه طورا إذا ما انصدعتأحشاؤها عنه شجاعا يضطرب
وتارة تحسبه كأنهأبلق مال جله حين وثب
وتارة تحسبه كأنهسلاسل مفصولة من الذهب

وقال الطائى:

ياسهم للبرق الذى استطاراصار على رغم الدّجى نهارا

آض لنا ماء وكان نارا

وينشد أصحاب المعانى:

نار تجدد للعينين نضرتهاوالنار تلفح عيدانا فتحترق

وقال ابن المعتز يمدح الشّرب في الصّحو، ويذمّه في المطر:

أنا لا أشتهى سماء كبطن العيروالشّرب تحتها في خراب
بين سقف قد صار منخل ماءوجدار ملقى وتلّ تراب
وبيوت يوقّع الوكف فيهنّوإيقاعه بغير صواب
إنما أشتهى الصّبوح على وجهسماء مصقولة الجلباب
ونسيم من الصّبا يتمشّىفوق روض ند جديد الشّباب
وكأنّ الشمس المضيئة دينار جبته حدائد الضّرّاب
فى غداة وكأسها مثل شمسطلعت في ملاءة من شراب
أو عروس قد ضمّخت بخلوقفهى صفراء في قميص حباب
وغناء لا عذر للعود فيهبتندّى الأوتار والمضراب
ونقاء البساط من وضر الطّينومسح الأقدام في كلّ باب
ونشاط الغلمان إن عرضت حاجاتنا في مجيئهم والذّهاب
وجفاف الريحان والنرّجس الغضّبأيدى الخلان والأصحاب
لا تندّى أنوفهم كلما حيّوابضعث ندى أنوف الكلاب
ذاك يوم أراه غنما وحظّامن عطاء المهيمن الوهّاب

وقال الصّنوبرى:

أنيس ظباء بوحش الظباوصبغ حيا مثل صبغ الحيا
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
ويوم تكلّله الشمس منصفاء الهوى وصفاء الهوا
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
بشمس الدّنان وشمس الفيانوشمس الجنان وشمس السّما

وشبيه بالأبيات التي كتبها ثعلب إلى أبى العباس بن المعتز لجميل قول الآخر:

وما وجد ملواح من الهيم خلّيتعن الورد حتى جوفها يتصلصل
تحوم وتغشاها العصىّ وحولهاأقاطيع أنعام تعلّ وتنهل
بأكثر منّى لوعة وصبابةإلى الورد إلّا أنّنى أتجمّل

وقال أبو حيّة النميرى:

كفى حزنا أنّى أرى الماء معرضالعينى ولكن لا سبيل إلى الورد
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة
وما كنت أخشى أن تكون منيتىبكفّ أعزّ الناس كلهم عندى
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.