من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من أدب ابن المعتز
وقال ابن المعتز: وعد الدنيا إلى خلف، وبقاؤها إلى تلف، وبعد عطائها المنع، وبعد أمانها الفجع، طوّاحة طرّاحة، آسية جرّاحة، كم راقد في ظلّها قد أيقظته، وواثق بها قد خانته، حتى يلفظ نفسه، ويودّع دنياه، ويسكن رمسه، وينقطع عن أمله، ويشرف على عمله، وقد رجح الموت بحياته، ونقض قوى حركاته، وطمس البلى جمال بهجته، وقطع نظام صورته، وصار كخطّ من رماد تحت صفائح أنضاد؛ وقد أسامه الأحباب، وافترش التّراب، فى بيت نجرته المعاول، وفرشت فيه الجنادل، ما زال مضطربا في أمله، حتى استقرّ فى أجله، ومحت الأيام ذكره، واعتادت الألحاظ فقده.
وكتب وهو معتقل إلى أستاذه أبى العباس أحمد بن يحيى ثعلب يتشوّقه:
ما وجد صاد بالحبال موثقبماء مزن بارد مصفّق
بالرّيح لم يكدر ولم يرنّقجادت به أخلاف دجن مطبق
بصخرة إن تر شمسا تبرقماد عليها كالزّجاج الأزرق
صريح غيث خالص لم يمذقإلّا كوجدى بك، لكن أتقى
يا فاتحا لكل باب مغلقوصيرفيا ناقدا للمنطق
إن قال هذا بهرج لم ينفقإنّا على البعاد والتفرّق
لنلتقى بالذكر إن لم نلتق
فأجابه: أخذت أطال الله بقاءك أول هذه الأبيات مما أمليته عليك من قول جميل:
وما صاديات حمن يوما وليلةعلى الماء يخشين العصىّ حوانى
كواعب لم يصدرن عنه لوجهةولا هنّ من برد الحياض دوانى
يرين حباب الماء والموت دونهفهنّ لأصوات السّقاة روانى
بأكثر منى غلّة وصبابةإليك، ولكنّ العدوّ عرانى
وأخذت آخرها من قول رؤبة بن العجاج:
إنّى وإن لم ترنى فإنّنىأخوك والرّاعى إذا استرعيتنى
أراك بالودّ وإن لم ترنى
قال: فاستخفّنى في ذلك ونسب إلىّ سوء الأدب.
وكان أبو العباس عبد الله بن المعتز في المنصب العالى من الشعر والنثر، وفي النهاية في إشراق ديباجة البيان، والغاية من رقّة حاشية اللسان. وكان كما قال ابن المرزبان: إذا انصرف من بديع الشعر إلى رقيق النّثر أتى بحلال السحر، وليس بعد ذى الرّمة أكثر افتنانا وأكبر تصرّفا وإحسانا في التشبيه منه.
وإنما فرقت جملة ما اخترت من شعره ونثره في جملة هذا الكتاب؛ لئلّا أخرج عما تقدّم به الشرط في البسط، وآتى ههنا ببعض ما أختاره له، قال:
وفتيان سروا والليل داجوضوء الصبح متّهم الطّلوع
كأن بزاتهم أمراء جيشعلى أكتافهم صدأ الدروع
وقال أيضا:
فى ليلة أكل المحاق هلالهاحتى تبدّى مثل وقف العاج
والصبح يتلو المشترى فكأنّهعريان يمشى في الدّجا بسراج
وقال أيضا يصف فرسا:
ولقد غدوت على طمرّ سابحعقدت سنابكه عجاجة قسطل
متلثّم لجم الحديد يلوكهالوك الفتاة مساوكا من إسحل
ومحجّل غير اليمين كأنّهمتبختر يمشى بكمّ مسبل
وقال:
قد أغتدى بقارحمسوّم يعبوب
ينفى الحصى بحافركالقدح المكبوب
قد ضحكت غرّتهفى موضع التّقطيب
وقال أيضا:
ولقد وطئت الغيث يحملنىطرف كلون الصبح حين وفد
حمّاع أطراف الصّوار فما الأخرى عليه إذا جرى بأشد
يمشى فيعرض في العنان كماصدف المعشّق ذو الدّلال وصد
فكأنه موج يذوب إذاأطلقته فإذا حبست جمد
وقال أيضا يصف سيفا:
ولى صارم فيه المنايا كوامنفما ينتضى إلّا لسفك دماء
ترى فوق متنيه الفرند كأنهبقية غيم رقّ دون سماء
وقال يصف نارا:
مشهّرة لا يحجب النخل ضوءهاكأنّ سيوفا بين عيدانها تجلى
يفرّج أغصان الوقود اضطرامهاكما شقّت الشقراء عن متنهاجلّا
وقال بعض أهل العصر، وهو السّرى الموصلىّ:
يوم رذاذ ممسّك الحجبيضحك فيه السرور من كثب
ومجلس أسبلت ستائرهعلى شموس البهاء والحسب
وقد جرت خيل راحنا خببافى حليها أو هممن بالخبب
والتهبت نارنا فمنظرهايغنيك عن كل منظر عجب
إذا ارتمت بالشرار فاطّردتعلى ذراها مطارد اللهب
رأيت ياقوتة مشبكةتطير عنها قراضة الذهب
فانهض إلى المجلس الذى ابتسمتفيه رياض الجمال والأدب
وقال بعض أهل العصر، وهو أبو الفرج الببغا:
فحما قدّم الغلام فأهدىفى كوانينه حياة النّفوس
كان كالآبنوس غير محلّىفغدا وهو مذهب الآبنوس
لقى النار في ثياب حدادفكسته مصبّغات عروس
وقال أبو الفضل الميكالى:
كأن الشّرار على نارناوقد راق منظرها كلّ عين سحالة تبر إذا ما علا
فإمّا هوى ففتات اللّجين
وقال ابن المعتز يصف سحابة:
وموقرة بثقل الماء جاءتتهادى فوق أعناق الرّياح
فباتت ليلها سحّا ووبلاوهطلا مثل أفواه الجراح
كأن سماءها لما تجلّتخلال نجومها عند الصباح
رياض بنفسج خضل ثراهتفتّح بينه نور الأقاح
وقال:
ولجّة للمنايا خضت غمرتهابصارم ذكر صمصامة خذم
وقارح صبغ الخيلان دهمتهبشهبة كاختلاط الصّبح بالظّلم
وقال:
وليل ككحل العين خضت ظلامهبأزرق لمّاع وأبيض صارم
ومضبورة الأعضاد حرف كأنهاتصافح رضراض الحصى بمناسم
وقال يصف حيّة:
نعتّ رقطاء لا تحيا لديغتهالو قدّها السّيف لم يعلق به بلل
تلقى إذا انسلخت في الأرض جلدتهاكأنها كمّ درع قدّه بطل
وقال أيضا:
وأسأر منى الدّهر عضبا مهنّدايفلّ شبا حظّى، وقلبا مشيّعا
ورأيا كمرآة الصّناع أرى بهسرائر غيب الدهر من حيث ما سعى
أخذه من قول المنصور لابنه المهدى: لا تبرمنّ أمرا حتى تفكّر فيه؛ فإن فكرة العاقل مرآته، تريه قبحه وحسنه.
ولما دفن المنصور وقف الربيع على قبره فقال: رحمك الله يا أمير المؤمنين، وغفر لك! فقد كان لك حمي من العقل لا يطير به الجهل، وكنت ترى باطن الأمر بمرآة من الرأى، كما ترى ظاهره. ثم التفت إلى يحيى بن محمد أخى المنصور فقال: هذا كما قال أبو دهبل الجمحى:
عقم النساء فما يلدن شبيههإنّ النساء بمثله عقم
وبعده:
متهلل بنعم، بلا متباعدسيّان منه الوفر والعدم
نزر الكلام من الحياء تخالهضمنا، وليس بجسمه سقم
أخذ البيت الأخير من قول ليلى الأخيلية:
لا تقربنّ الدّهر آل مطرّفإن ظالما يوما وإن مظلوما
قوم رباط الخيل حول بيوتهموأسنة زرق يخلن نجوما
وممزّق عنه القميص تخالهوسط البيوت من الحياء سقيما
حتى إذا رفع اللواء رأيتهيوم الهياج على الخميس زعيما
وقال:
يشبّهون ملوكا في تجلتهموطول أنصبة الأعناق واللّمم
إذا بدا المسك يجرى في مفارقهمراحوا كأنهم مرضى من الكرم
وقال أبو على الحاتمى: وما أحسن أبياتا أنشدها أبو عمر المطرز غلام ثعلب يعترض في أثنائها هذا المعنى:
تخالهم للحلم صمّا عن الخناوخرسا عن الفحشاء عند التّهاتر
ومرضى إذا لاقوا حياء وعفّةوعند الحروب كالليوث الخوادر
لهم عزّ إنصاف وذلّ تواضعبهم ولهم ذلّت رقاب العشائر
كأنّ بهم وصما يخافون عارهوليس بهم إلّا اتقاء المعاير
وأنشد:
أحلام عاد لا يخاف جليسهم- وإن نطق العوراء- عيب لسان
إذا حدّثوا لم يخش سوء استماعهموإن حدّثوا أدّوا بحسن بيان
وقال ابن المعتز:
وعاقد زنّار على غصن الآسدقيق المعانى مخطف الخصر ميّاس
سقانى عقارا صبّ فيها مزاجهافأضحك عن ثغر الحباب فم الكاس
وقال:
يا ليلة نسى الزمان بهاأحداثه، كونى بلا فجر
فاح المساء ببدرها، ووشتفيها الصّبا بمواقع القطر
ثم انقضت والقلب يتبعهافى حيث ما سقطت من الدّهر
وقال:
يا ربّ إخوان صحبتهملا يملكون لسلوة قلبا
لو تستطيع قلوبهم نفرتأجسامهم فتعانقت حبّا
هذا كقول ابن الرومى:
أعانقه والنفس بعد مشوقةإليه، وهل بعد العناق تدانى؟
وألثم فاه كى تزول حرارتىفيشتدّ ما ألقى من الهيمان
ولم يك مقدار الذى بى من الهوىليرويه ما ترشف الشّفتان
كأنّ فؤادى ليس يشفى غليلهسوى أن يرى الروحان يمتزجان
ومن منثوره: لا يزال الإخوان يسافرون في المودّة، حتى يبلغوا الشّقة، فإذا بلغوها ألقوا عصا التّسيار، واطمأنّت بهم الدار، وأقبلت وفود النصائح، وأمنت خبايا الضمائر، فحلّوا عقد التحفّظ، ونزعوا ملابس التّخلّق.
وله: سار فلان في جيوش عليهم أردية السيوف، وأقمصة الحديد،
وكأنّ رماحهم قرون الوعول، وكأنّ دروعهم زبد السيول، على خيل تاكل الأرض بحوافرها، وتمدّ بالنّقع سرادقها، قد نشرت في وجوهها غرر كأنها صحائف الرّق، وأمسكها تحجيل كأنه أسورة اللّجين، وقرّطت عذرا كأنها الشّنف، تتلقّف الأعداء أوائله ولم تنهض أواخره، قد صبّ عليهم وقار الصبر، وهبّت معهم ريح النّصر.
وله في عليل: آذن الله في شفائك، وتلقّى داءك بدوائك، ومسح بيد العافية عليك، ووجّه وفد السلامة إليك، وجعل علّتك ماجية لذنوبك، مضاعفة لثوابك.
وكتب إلى عبيد الله بن سليمان بن وهب فى يوم عيد: أخّرتنى العلّة عن الوزير أعزّه الله، فحضرت بالدعاء في كتابى لينوب عنى، ويعمر ما أخلته العوائق منى، وأنا أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العيد أعظم الأعياد السالفة بركة على الوزير، ودون الأعياد المستقبلة فيما يحبّ ويحبّ له، ويقبل ما توسل به إلى مرضاته، ويضاعف الإحسان إليه، على الإحسان منه، ويمتّعه بصحبة النعمة ولباس العافية، ولا يريه في مسرّة نقصا، ولا يقطع عنه مزيدا، ويجعلنى من كل سوء فداء، ويصرف عيون الغير عنه، وعن حظّي منه.
وله إلى بعض الرؤساء: لا تشن حسن الظّفر بقبح الانتقام، وتجاوز عن كل مذنب لم يسلك من الإعذار طريقا حتى اتّخذ من رجاء عفوك رفيقا.
وله اعتذار إلى القاسم بن عبيد الله: ترفّع عن ظلمى إن كنت بريئا، وتفضّل بالعفو إن كنت مسيئا، فو الله إنى لأطلب عفو ذنب لم أجنه، وألتمس الإقالة مما لا أعرفه؛ لتزداد تطوّلا، وأزداد تذلّلا؛ وأنا أعيذ حالى عندك بكرمك من واش يكيدها، وأحرسها بوفائك من باغ يحاول إفسادها، وأسأل الله تعالى أن يجعل حظّى منك، بقدر ودّى لك؛ ومحلّى من رجائك، بحيث أستحقّ منك.
وله إليه: لو كان في الصّمت موضع يسع حالى لخففت عن سمع الوزير ونظره، ولم أشغل وجها من فكره، وما زالت الشكوى، تعرب عن لسان البلوى، ومن اختلّت حالته، كان في الصّمت هلكته، وقد كان الصبر ينصرنى على ستر أمرى حتى خذلنى.
وهذا كقول أحمد بن إسماعيل: فصاحة الشكوى، على قدر البلوى، إلا أن يكون بالشاكى انقباض، وبالمشكوّ إليه إعراض.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع