من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
الملح
قال الأصمعى: بالعلم وصلنا، وبالملح نلنا، وقال الأصمعى أيضا: أنشدت محمد بن عمران قاضى المدينة، وكان أعقل من رأيته:
يأيها السائل عن منزلىنزلت في الخان على نفسى
يغدو علىّ الخبز من خابزلا يقبل الرّهن ولا ينسى
آكل من كيسى ومن كسرتىحتى لقد أوجعنى ضرسى
فقال: اكتب لى هذه الأبيات، فقلت: أصلحك الله! هذا لا يشبه مثلك، وإنما يروى مثل هذا الأحداث، فقال: اكتبها فالأشراف تعجبهم الملح.
وقد قال أبو الدّرداء رحمه الله تعالى: إنى لأستجمّ نفسى ببعض الباطل، ليكون أقوى لها على الحقّ.
[وقال ابن مسعود ﵀: القلوب تمل كما تمل الأبدان، فاطلبوا لها طرائف الحكمة].
وقال ابن الماجشون: لقد كنّا بالمدينة وإن الرجل ليحدّثنى بالحديث من الفقه فيمليه علىّ، ويذكر الخبر من الملح فأستعيده فلا يفعل، ويقول: لا أعطيك ملحى، وأهبك ظرفى وأدبى.
وقال ابن الماجشون: إنى لأسمع بالكلمة المليحة ومالى إلا قميص واحد؛ فأدفعه إلى صاحبها، وأستكسى الله ﷿.
وقال الزبير بن بكار: رؤى الغاضرىّ ينازع أشعب الطمع عند بعض الولاة، ويقول: أصلح الله الأمير! إنّ هذا يدخل علىّ في صناعتى، ويطلب مشاركتى في بضاعتى، وهيأته هيأة قاض، والأمير يضحك، وكانا جميعا فرسى رهان ورضيعي لبان في بيانهما؛ إلا أنّ الغاضرى [كان] لا يتخلّق بالطّمع تخلّق أشعب.
وأتى الغاضرىّ يوما الحسن بن زيد فقال: جعلت فداك! إنى عصيت الله ورسوله، قال: بئس ما صنعت! وكيف ذلك؟ قال: لأن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة، وأنا أطعت امرأتى، فاشتريت غلاما فهرب.
قال الحسن: فاختر واحدة من ثلاث: إن شئت فثمن الغلام، قال: بأبى أنت! قف عند هذه ولا تتجاوزها! قال: أعرض عليك الخصلتين، قال: لا، حسبى هذه.
وقد روى نحو هذا عن أشعب، أنه قال له بعض إخوانه: لو صرت إلىّ العشيّة نتفرج؟ قال: أخاف أن يجىء ثقيل، قلت: ليس معنا ثالث، فمضى معى، فلمّا صلينا الظهر ودعوت بالطعام، فإذا بداقّ يدقّ الباب، قال: ترى أن قد صرنا إلى ما نكره، قلت له: إنه صديق، وفيه عشر خصال إن كرهت واحدة منهن لم آذن له، قال: هات، قلت: أولها أنه لا يأكل ولا يشرب، فقال: التسع لك! قل له يدخل! ورأى سفيان الثّورى الغاضرىّ وهو يضحك الناس؛ فقال: يا شيخ أو ما علمت أن لله يوما يخسر فيه المبطلون؟ فوجم الغاضرى، وما زال ذاك يعرف فيه حتى لقى الله ﷿.
وأشعب الطّمع هو أشعب بن جبير، مولى عبد الله بن الزبير، وكان أحلى الناس، قال الزبير بن أبى بكر: كان أهل المدينة يقولون: تغيّر كلّ شىء إلا ملح أشعب، وخبز أبى الغيث، ومشية برّة؛ وكان أبو الغيث يعالج الخبز بالمدينة، وبرّة بنت سعيد بن الأسود كانت من أجمل النساء وأحسنهنّ مشية، وأشعب يضرب به المثل في الطّمع، وكان أشعب قد نشأ في حجر عائشة
بنت عثمان- رحمها الله! - مع أبى الزناد، قال أشعب: فلم يزل يعلو وأنحطّ حتى بلغنا الغاية.
وقال أشعب: أسلمتنى أمى إلى بزّاز، فسألتنى بعد سنة، أين بلغت؟ فقلت:
فى نصف العمل، قالت: وكيف؟ قلت: تعلمت النّشر وبقى الطّىّ، قالت:
أنت لا تفلح.
وسألته صديقة له خاتما، فقالت: أذكرك به، قال: اذكرى أنك سألتنى ومنعتك! وقيل له: كم كان أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر؟ قال: ثلاثمائة عشر درهما! ثم تنسّك في آخر عمره، وغزا ومات على خير، رحمه الله تعالى!.
وقيل لأشعب: أرأيت أطمع منك؟ قال: نعم، كلبة آل فلان، رأت رجلين يمضغان علكا، فتبعتهما فرسخين تظنّ أنهما يأكلان شيئا.
وأهدى رجل من ولد عامر بن لؤى إلى إسماعيل الأعرج قالوذجة وأشعب حاضر، فقال: كل يا أشعب، فأكل منها؛ فقال: كيف تراها؟ فقال:
عليه الطلاق إن لم تكن عملت قبل أن يوحى ربّك إلى النّحل! أى: ليس فيها حلاوة.
وروى أبو هفان قال: دخل أبو نواس الحسن بن هانىء على يحيى بن خالد فقال له: أنشدنى بعض ما قلت، فأنشده:
إنى أنا الرجل الحكيم بطبعهويزيد في علمى حكاية من حكى
أتتبّع الظّرفاء أكتب عنهمكيما أحدّث من أحبّ فيضحكا
فقال له يحيى [بن خالد]: إن [أول] زندك ليورى بأوّل قدحة، فقال ارتجالا في معنى قول يحيى:
أما وزند أبى علىّ إنهزند إذا استوريت سهل قدحكا
إنّ الإله لعلمه بعبادهقد صاغ جدّك للسماح ومنحكا
تأبى الصنائع همّتى وقريحتىمن أهلها وتعاف إلّا مدحكا
ووصف أبو عبد الله الجماز أبا نواس فقال: كان أظرف النّاس منطقا، وأغزرهم أدبا، وأقدرهم على الكلام، وأسرعهم جوابا، وأكثرهم حياء، وكان أبيض اللّون، جميل الوجه، مليح النغمة والإشارة، ملتفّ الأعضاء، بين الطويل والقصير، مسنون الوجه، قائم الأنف، حسن العينين والمضحك، حلو الصّورة، لطيف الكفّ والأطراف؛ وكان فصيح اللسان، جيّد البيان، عذب الألفاظ، حلو الشمائل، كثير النوادر، وأعلم الناس كيف تكلمت العرب، راوية للأشعار، علّامة بالأخبار، كأن كلامه شعر موزون.
وأقبل أبو شراعة العبسى، والجمّاز في حديثه، وكان أقبح الناس وجها، وكانت يد أبى شراعة كأنها كربة نخل؛ فقال الجماز: فلو كانت أطرافه على أبى شراعة لتمّ حسنه؛ فغضب أبو شراعه وانصرف يشتمه.
والجماز هو: أبو عبد الله محمد بن عمرو بن حماد بن عطاء بن ياسر، وكانوا يزعمون أنّهم من حمير، نالهم سباء في خلافة أبى بكر، ﵁، وهم مواليه، وسلم الخاسر عمه، وكان الجماز من أحلى الناس حكاية، وأكثرهم نادرة.
قال بعض جلساء المتوكّل: كنا نكثر عند المتوكل ذكر الجماز حتى
اشتاقه، فكتب في حمله إليه، فلما دخل أفحم، فقال له المتوكل: تكلّم فإنّى أريد أن أستبرئك، فقال: بحيضة أو بحيضتين يا أمير المؤمنين؟ فقال له الفتح: قد كلّمت أمير المؤمنين يولّيك على القرود والكلاب! قال:
أفلست سامعا مطيعا؟ فضحك المتوكل وأمر له بعشرة آلاف درهم وكان لا يدخل بيته أكثر من ثلاثة لضيقه؛ فدعا ثلاثة، فجاءه ستّة، وقرعوا الباب، ووقفوا على رجل رجل فعدّ أرجلهم من خلف الباب؛ فلما حصلوا عنده، قال: اخرجوا عنى، فإنما دعوت ناسا ولم أدع كراكيّ.
وقال الطائى في عمرو بن طوق التغلبى:
الجدّ شيمته، وفيه فكاهةسجح ولا جدّ لمن لم يلعب
شرس، ويتبع ذاك لين خليقةلا خير في الصّهباء ما لم تقطب
وقال في الحسن بن وهب:
لله أيام خطبنا لينهافى ظلّه بالخندريس السّلسل
بمدامة نغم السماع خفيرهالا خير في المعلول غير معلّل
يغشى عليها وهو يجلو مقلتىباز، ويغفل وهو غير مغفّل
لا طائش تهفو خلائقه، ولاخشن الوقار كأنّه في محفل
فكه يجمّ الجدّ أحيانا، وقدينضى ويهزل عيش من لم يهزل
وقال فيه:
ولقد رأيتك والكلام لآلىءتوم فبكر في النّظام وثيّب
وكأن قسّا في عكاظ يخطبوابن المقفّع في اليتيمة يسهب
وكأنّ ليلى الأخيلية تندبوكثير عزة يوم بين ينسب
يكسو الوقار ويستخفّ موقراطورا فيبكى سامعيه ويطرب
وقال أبو الفتح البستى:
أفد طبعك المكدود بالهمّ راحةبراح، وعلّله بشىء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكنبمقدار ما نعطى الطعام من الملح
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع