تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

وصف الكتب

قال الجاحظ: الكتاب وعاء ملىء علما، وظرف حشى ظرفا، وبستان يحمل في ردن، وروضة تقلّب في حجر، ينطق عن الموتى، ويترجم كلام الأحياء.

وقال: من صنّف كتابا فقد استهدف؛ فإن أحسن فقد استعطف، وإن أساء فقد استقذف.

وقال: لا أعلم جارا أبرّ، ولا خليطا أنصف، ولا رفيقا أطوع، ولا معلّما أخضع، ولا صاحبا أظهر كفاية، وأقلّ جناية، ولا أقلّ إملالا وإبراما، ولا أقلّ خلافا وإجراما، ولا أقلّ غيبة، ولا أبعد من عضيهة»

ولا أكثر أعجوبة وتصرّفا، ولا أقل صلفا وتكلّفا، ولا أبعد من مراء، ولا أترك لشغب، ولا أزهد فى جدال، ولا أكفّ عن قتال، من كتاب. ولا أعلم قرينا أحسن مواتاة، ولا أعجل مكافأة، ولا أحضر معونة، ولا أقلّ مئونة، ولا شجرة أطول عمرا، ولا أجمع أمرا، ولا أطيب ثمرة، ولا أقرب مجتنى، ولا أسرع إدراكا فى كل أوان، ولا أوجد في غير إبّان، من كتاب. ولا أعلم نتاجا في حداثة سنّه، وقرب ميلاده، ورخص ثمنه، وإمكان وجوده، يجمع من التدابير الحسنة، والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة، ومحمود الأخبار عن القرون الماضية، والبلاد المتراخية، والأمثال السائرة، والأمم البائدة ما يجمع الكتاب.

ودخل الرشيد على المأمون وهو ينظر في كتاب، فقال: ما هذا؟ فقال:

كتاب يشحذ الفكرة، ويحسن العشرة. فقال: الحمد لله الذى رزقنى من يرى بعين قلبه أكثر مما يرى بعين جسمه.

وقيل لبعض العلماء: ما بلغ من سرورك بأدبك وكتبك؟ فقال: هى إن خلوت لذّتى، وإن اهتممت سلوتى، وإن قلت: إنّ زهر البستان، ونور الجنان، يجلوان الأبصار، ويمتعان بحسنهما الألحاظ؛ فإن بستان الكتب يجلو العقل، ويشحذ الذّهن، ويحيى القلب، ويقوّى القريحة، ويعين الطبيعة، ويبعث نتائج العقول، ويستثيرد فائن القلوب، ويمتع في الخلوة، ويؤنس في الوحشة، ويضحك بنوادره، ويسرّ بغرائبه، ويفيد ولا يستفيد، ويعطى ولا يأخذ، وتصل لذّته إلى القلب، من غير سآمة تدركك، ولا مشقة تعرض لك.

وقال أبو الطيب المتنبى:

وللسّرّ منّى موضع لا ينالهنديم، ولا يفضى إليه شراب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وللخود منى ساعة، ثم بيننافلاة إلى غير اللقاء تجاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وما العشق إلّا غرّة وطماعةيعرّض قلب نفسه فيصاب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وغير فؤادى للغوانى رميّةوغير بنانى للرّخاخ ركاب
تركنا لأطراف القنا كلّ لذّةفليس لنا إلّا بهنّ لعاب
نصرّفه للطّعن فوق سوابحقد انقصفت فيهنّ منه كعاب
أعزّ مكان في الدّنا سرج سابحوخير جليس في الزّمان كتاب

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.