من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
وهذه مقطعات لأهل العصر في وصف البلاغة
قال أبو الفتح البستى:
مدحتك فالتامت قلائد لم يفزبأمثالها الصّيد الكرام الأعاظم
لأنك بحر والمعانى لآلىءوفكرى غوّاص وشعرى ناظم
وقال أيضا:
ما إن سمعت بنوّار له ثمرفى الوقت يمتع سمع المرء والبصرا
حتى أتانى كتاب منك مبتسمعن كل لفظ ومعنى يشبه الدّررا
فكان لفظك في لألائه زهراوكان معناه في أثنائه ثمرا
تسابقا فأصابا القصد في طلقلله من ثمر قد سابق الزّهرا
وقال أيضا:
لمّا أتانى كتاب منك مبتسمعن كلّ برّ ولفظ غير محدود
حكت معانيه في أثناء أسطرهآثارك البيض في أحوالى السّود
كأنه ألمّ بقول الطائى:
يرى أقبح الأشياء أوبة آملكستها يد المأمول حلّة خائب
وأحسن من نور تفتّحه الصّبابياض العطايا في سواد المطالب
وقال أبو الفتح البستى في أبى نصر أحمد بن على الميكالى:
جمع الله في الأمير أبى نصر خصالا تعلوبها الأقدار
راحة برّة وصدرا فضاءوذكاء تبدو له الأسرار
خطّه روضة، وألفاظه الأزهار يضحكن، والمعانى ثمار
وقال عمر بن على المطوعى يمدح أبا الفضل الميكالى من قصيدة:
وإلى الأمير ابن الأمير المعتلىبكمال سؤدده على الأمراء
وطئت بى الوجناء وجنة مهمهمتقاذف الاكناف والارجاء
كيما ألاحظ منه في أفق العلافلكا يدير كواكب العلياء
كالبدر غير دوامه متكاملاكالبحر غير عذوبة وصفاء
بالفضل يكنى وهو فيه كامنكالرّى يكمن في زلال الماء
يا من إذا خطّ الكتاب يمينهأهدى إلينا الوشى من صنعاء
لم تجر كفّك في البياض موقّعاإلّا تجلّت عن يد بيضاء
قرم يداه وقلبه ما منهمافى النظم والإعطاء إلا الطائى
وقال فيه أيضا:
كلام الأمير النّدب في ثنى نظمهينوب عن الماء الزلال لمن يظما
فنروى متى نروى بدائع نظمهونظما إذا لم نرو يوما له نظما
وكتب إليه أيضا:
أقول وقد جادت جفونى بأدمعكأنى قد استمليتهنّ من السّحب
وقد علقت بى للنزاع نوازعكتبن معاناة العناء على قلبى
إلى سيّد أوفى على الشّمس قدرهوزادت معاليه ضياء على الشهب
أبى الفضل من راحت فواضل كفّهوراحته تربى على عدد الترب
سقى الله أرضا حلّ فيها سحائباكنائله الفيّاض أو لفظه العذب
سحائب يحدوها نسيم كخلقهويقدمها برق كصارمه العضب
ولا زال أفلاك السعود مطيفةبحضرته تنتابها وهو كالقطب
وقال أبو منصور الثعالبى للأمير أبى الفضل:
لك في الفضائل معجزات جمّةأبدا لغيرك في الورى لم تجمع
بحران بحر في البلاغة شابهشعر الوليد وحسن لفظ الأصمعى
كالنّور أو كالسّحر أو كالدّرّ أوكالوشى في برد عليه موشّع
شكرا فكم من فقرة لك كالغنىوافى الكريم بعيد فقر مدقع
وإذا تفتّق نور شعرك ناضرافالحسن بين مرصّع ومصرّع
أرجلت فرسان الكلام ورضت أفراس البديع وأنت أمجد مبدع
ونقشت في فصّ الزمان بدائعاتزرى بآثار الربيع الممرع
[وقال في وصف فرس أهداه إليه ممدوحه]:
يا مهدى الطّرف الجواد كأنماقد أنعلوه بالرياح الأربع
لا شىء أسرع منه إلّا خاطرىفى شكر نائلك اللطيف الموقع
ولو أنّنى أنصفت في إكرامهلجلال مهديه الكريم الأروع
أنظمته حبّ القلوب لحبّهوجعلت مربطه سواد المدمع
وخلعت ثم قطعت غير مضيّقبرد الشباب لجلّه والبرقع
وكتب إليه في جواب كتاب ورد عليه:
أنسيم الرياض حول الغديرمازجته ريّا الحبيب الأثير
أم ورود البشير بالنّجح من فكّ أسير أو يسر أمر عسير
قى ملاء من الشباب جديدتحت أيك من التّصابى نضير
أم كتاب الأمير سيدنا الفرد؛ فيا حبذا كتاب الأمير
وثمار الصدور ما أجتنيهمن سطور فيها شفاء الصدور
نمّقتها أنامل تفتق الأنوار والزهر في رياض السطور
كالمنى قد جمعن في النّعم الغرّ مع الأمن من صروف الدهور
يا أبا الفضل وابنه وأخاهجلّ باريك من لطيف خبير
شيم يرتضعن درّ المعالىويعبّرن عن نسيم العبير
وسجايا كأنهنّ لدى النشر رضاب الحيا بأرى منشور
ومحيا لدى الملوك محيّاصادق البشر مخجل للبدور
فأجابه أبو الفضل بأبيات يقول فيها في صفة أبياته:
وهدىّ زفّت إلى السّمع بكرتتهادى في حلية وشذور
عجب الناس أن بدت من سوادفى بياض كالمسك في الكافور
نظمت في بلاغة ومعانمثل نظم العقود فوق النحور
كم تذكّرت عندها من عهودللتلاقى في ظلّ عيش نضير
فذممت الزمان إذ ضنّ عناباجتماع يضمّ شمل السرور
ولئن راعنا الزمان ببينألبس الأنس ذلّة المهجور
فعسى الله أن يعيد اجتماعافى أمان من حادثات الدهور
إنه قادر على ردّ مافات وتيسير كلّ أمر عسير
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابى في الوزير المهلّبى:
قل للوزير أبى محمد الّذىقد أعجزت كلّ الورى أوصافه
لك في المجالس منطق يشفى الجوىويسوغ في أذن الأذيب سلافه
وكأنّ لفظك جوهر متنخّلوكأنما آذاننا أصدافه
والمهلبى هذا هو أبو محمد الحسن بن هارون بن إبراهيم بن عبد الله بن يزيد ابن حاتم بن قبيصة بن المهلّب، وزر لأحمد بن بويه الدّيلمى، وكانت وزارته سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، وكان أبو محمد من سروات الناس وأدبائهم وأجوادهم وأعفّائهم؛ وفيه يقول أبو إسحاق الصابى:
نعم الله كالوحوش فما تألف إلا الأخاير النّسّاكا
نفّرتها آثام قوم وصيّرنلها البرّ والتّقى أشراكا
وكان قبل اتّصاله بالسلطان سائحا في البلاد، على طريق الفقر والتصوّف، قال أبو على الصوفى: كنت معه في بعض أوقاته، أماشيه في إحدى طرقاته، فضجر لضيق الحال، فقال:
ألا موت يباع فأشتريهفهذا العيش مالا خير فيه
ألا رحم المهيمن نفس جرّتصدّق بالوفاة على أخيه
ثم تصرّف بما يرضيه الدهر، وبلغ المهلى مبلغه. قال أبو على: دخلت البصرة فاجتزت بسرّ من رأى، وإذا أنا بناشطيات وحراقات وزيارب وطيّارات في عدّة وعدد، فسألت: لمن هذا؟ فقيل: للوزير المهلبى، ونعتوا لى صاحبى؛ فوصلت إليه حتى رأيته، فكتبت إليه رقعة، وتوصّلت حتى دخلت فسلّمت، وجلست حتى خلا مجلسه، فدفعت إليه الرقعة وفيها:
ألا قل للوزير بلا احتشاممقال مذكّر ما قد نسيه
أتذكر إذ تقول لضيق عيش«ألا موت يباع فأشتريه»
فنظر إلىّ وقال: نعم، ثم نهض وأنهضنى معه إلى مجلس الأنس، وجعل يذاكرنى ما مضى، ويذكر لى كيف ترقّت حاله، وقدّم الطعام فطعمنا، وأقبل ثلاثة من الغلمان على رأس أحدهم ثلاث بدر، ومع الآخر تخوت وثياب، ومع الآخر طيب، وبخور، وأقبلت بغلة رائعة بسرج ثقيل؛ فقال:
يا أبا على؛ تفضّل بقبول هذا، ولا تتخلّف عن حاجة تعرض لك، فشكرته وانصرفت، فلما هممت بالخروج من الباب استردّنى وأنشدنى بديها:
رقّ الزمان لفاقتىورثى لطول تحرّقى
وأنالنى ما أرتجىوأجار ممّا أتّقى
فلأغفرنّ له الكثير من الذنوب السّبّق
إلّا جنايته التىفعل المشيب بمفرقى
قال بعض العلماء: العقول لها صور مثل صور الأجسام، فإذا أنت لم تسلك بها سبيل الأدب حارت وضلّت، وإن بعثتها في أوديتها كلّت وملّت، فاسلك بعقلك شعاب المعانى والفهم، واستبقه بالجمام للعلم، وارتد لعقلك أفضل طبقات الأدب، وتوقّ عليه آفة العطب؛ فإنّ العقل شاهدك على الفضل، وحارسك من الجهل.
واعلم أنّ مغارس العقول كمغارس الأشجار؛ فإذا طابت بقاع الأرض للشجر زكا ثمرها، وإذا كرمت النفوس للعقول طاب خيرها، فاغمر نفسك بالكرم، تسلم من الآفة والسّقم.
واعلم أنّ العقل [الحسن] فى النفس اللئيمة، بمنزلة الشجرة الكريمة في الأرض الذميمة، ينتفع بثمرها على خبث المغرس؛ فاجتن ثمر العقول وإن أتاك من لئام الأنفس. [وقال النبى ﵇: «ربّ حامل فقه إلى من هو أوعى له». وقيل: رب حامل فقه غير فقيه، ورب رمية من غير رام].
وقيل: الحكمة ضالّة المؤمن، أينما وجدها أخذها. وسمع الشّعبىّ الحجاج ابن يوسف وهو على المنبر يقول: أمّا بعد، فإنّ الله كتب على الدنيا الفناء، وعلى الآخرة البقاء، فلا فناء لما كتب عليه البقاء، ولا بقاء لما كتب عليه الفناء، فلا يغرّنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة، وأقصروا من الأمل، لقصر الأجل.
فقال: كلام حكمة خرج من قلب خراب! وأخرج ألواحه فكتب وقد روى ذلك عن سفيان الثورى.
وقد سمع إبراهيم بن هشام وهو يخطب على المنبر ويقول: إن يوما أشاب الصغير، وأسكر الكبير، ليوم شرّه مستطير!
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع