من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
جملة من ألفاظ أهل العصر فى صفة الكتب وتهاديها، وما يتعلق بأسمائها ومعانيها
حضرة مولاى تجلّ عن أن يهدى إليها غير الكتب، التى لا يترفّع عنها كبير، ولا يمتنع منها خطير، وقد فكّرت فيما أنفذت به مقيما للرّسم في جملة الخدم، وحافظا للاسم في غمار الحشم، فلم أجد إلا الرّقّ الذى سبق ملكه له، والمال الذى منحه وخوّله، فعدلت إلى الأدب الذى تنفق سوقه بباب سيدنا ولا تكسد، وتهبّ ريحه بجانبه ولا تركد. وأنفذت كتابى هذا راجيا أن أشرّف بقبوله، ويوّقع إلىّ بحصوله؛ ولمّا وجب على ذوى الاختصاص لسيدنا إهداء ما جرت العادة بتسابق الأولياء إلى الاجتهاد في إهدائه، وجب العدول في إقامة رسم الخدمة إلى اتباع
ما صدر عنه من الرخصة فيما تسهل كلفته، وتجلّ عند ذوى الألباب قيمته، وتحلو ثمرته؛ وهو علم يقتنى، وأدب يجتنى.
قال أبو الحسن بن طباطبا العلوى:
لا تنكرن إهداءنا لك منطقامنك استفدنا حسنه ونظامه
فالله ﷿ يشكر فعل منيتلو عليه وحيه وكلامه
وأهدى أحمد بن يوسف إلى المأمون في يوم مهرجان هدية قيمتها ألف ألف درهم، وكتب:
على العبد حقّ فهو لابدّ فاعلهوإن عظم المولى وجلّت فضائله
ألم ترنا نهدى إلى الله مالهوإن كان عند ذا غنى وهو قابله
وقال أبو الفتح البستى:
لا تنكرنّ إذا أهديت نحوك منعلومك الغرّ أو آدابك النّتفا
فقيّم الباغ قد يهدى لمالكهبرسم خدمته من باغه التّحفا
وكتب أبو إسحاق الصابى إلى عضد الدولة في هذا المعنى: العبيد تلاطف ولا تكاثر الموالى في هداياها، والموالى تقبل الميسور منها قبولا هو محسوب في عطاياها. ولما كان- أدام الله تعالى عزّه! - مبرّزا على ملوك الأرض في الخطر الذى قصّروا عنه شديدا، والسعى الذى وقفوا منه بعيدا، والآداب التي عجزوا عن استعلامها فضلا عن علمها، والأدوات التي نكلوا عن استفهامها فضلا عن فهمها، وجب أن يعدل عن اختياراتهم فيما تحظى به الجسوم البهيمية، إلى اختياره
فيما تحظى به النفوس العليّة، وعما ينفق في سوقهم العامية، إلى ما ينفق في سوقه الخاصية، إفرادا لرتبته العليا، وغايته القصوى، وتمييزا له عمن لا يجرى معه في هذا المضمار، ولا يتعلّق منه بالغبار؛ وقد حملت إلى الخزانة- عمرها الله! - شيئا من الدفاتر وآلة النجوم، فإن رأى مولانا أن يتطوّل على عبده بالإذن فى عرض ذلك عليه مشرّفا له وزائدا في إحسانه إليه فعل إن شاء الله تعالى.
وأهدى أبو الطيب المتنبى إلى أبى الفضل بن العميد في يوم نوروز قصيدة مدحه فيها يقول في آخرها:
كثر الفكر كيف نهدى كما تهدى إلى ربّها الرئيس عباده
والّذى عندنا من المال والخيلفمنه هباته وقياده
فبعثنا بأربعين مهاركلّ مهر ميدانه إنشاده
فارتبطها فإنّ قلبا نماهامربط تسبق الجياد جياده
وفي هذه الكلمة يقول وقد احتفل فيها، واجتهد في تجويد ألفاظها ومعانيها، فعقّب عليه أبو الفضل في مواضع وقف عليها فقال:
هل لعذرى إلى الهمام أبى الفضلقبول سواد عينى مداده
أنا من شدّة الحياء عليلمكرمات المعلّه عوّاده
ما كفانى تقصير ما قلت فيهعن علاه حتى ثناه انتقاده
ما تعوّدت أن أرى كأبى الفضل، وهذا الّذى أتاه اعتياده
عمرتنى فوائد شاء منهاأن يكون الكلام ممّا أفاده
ما سمعنا بمن أحبّ العطايافاشتهى أن يكون منها فؤاده
وقد كان مدحه بقصيدته التي أولها:
باد هواك صبرت أم لم تضبراوبكاك إن لم يجردمعك أو جرى
وفيها معان مخترعة، وأبيات مبتدعة، يقول فيها:
من مبلغ الأعراب أنّى بعدهاجالست رسطاليس والإسكندرا
ومللت نحر عشارها فأضافنىمن ينحر البدر النّضار لمن قرى
وسمعت بطليموس دارس كتبهمتملّكا متبديا متحضرا
ورأيت كلّ الفاضلين كأنماردّ الإله نفوسهم والأعصرا
نسقوا لنا نسق الحساب مقدّماوأتى فذلك إذ أتيت مؤخّرا
وفيها يقول:
فدعاك حسّدك الرئيس وأمسكواودعاك خالقك الرئيس الأكبرا
خلفت صفاتك في العيون كلامهكالخطّ يملأ مسمعى من أبصرا
أخذه من قول الطائى يصف قصائده:
بقرب يراها من يراها بسمعهويدنو إليها ذو الحجا وهو شاسع
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع