من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
النسيب
وقيل لأبى السائب المخزومى: أترى أحدا لا يشتهى النسيب؟ فقال: أما من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا.
وروى مصعب بن عبد الله الزبيرى عن عروة بن عبيد الله بن عروة الزبيرى قال: كان عروة بن أذينة نازلا في دار أبى بالعقيق، فسمعته ينشد لنفسه:
إنّ التي زعمت فؤادك ملّهاخلقت هواك كما خلقت هوى لها
فيك الذى زعمت بها، وكلا كماأبدى لصاحبه الصّبابة كلّها
ولعمرها لو كان حبّك فوقهايوما وقد ضحيت إذن لأظلّها
فإذا وجدت لها وساوس سلوةشفع الضمير إلى الفؤاد فسلّها
بيضاء باكرها النّعيم فصاغهابلباقة فأدقّها وأجلّها
لمّا عرضت مسلّما، لى حاجةأخشى صعوبتها، وأرجو ذلّها
منعت تحيّتها فقلت لصاحبى:ما كان أكثرها لنا وأقلّها
فدنا وقال: لعلّها معذورةفى بعض رقبتها، فقلت: لعلّها
قال: فأتانى أبو السائب المخزومى فقلت له بعد التّرحيب به: ألك حاجة.
فقال: نعم أبيات لعروة بلغنى أنك سمعته ينشدها، فأنشدته الأبيات، فلما بلغت قوله:
فدنا وقال لعلّها معذورة
البيت طرب، وقال: هذا والله الدائم الصّبابة، الصادق العهد، لا الذى يقول:
إن كان أهلك يمنعونك رغبةعنّى فأهلى بى أضنّ وأرغب
لقد عدا هذا الأعرابى طوره، وانى لأرجو أن يغفر [الله] لصاحب هذه الأبيات لحسن الظنّ بها، وطلب العذر لها؛ قال: فعرضت عليه الطعام فقال:
لا والله ما كنت لأخلط بهذه الأبيات طعاما حتى الليل، وانصرف.
وكان أبو السائب غزير الأدب، كثير الطّرب، وله فكاهات مذكورة، وأخبار مشهورة، وكان جدّه يكنى أبا السائب أيضا، وكان خليطا لرسول الله ﷺ، فكان النبىّ ﷺ إذا ذكره قال: نعم الخليط كان أبو السائب! لا يشارى ولا يمارى واسم أبى السائب عبد الله، وكان أشراف أهل المدينة يستظرفونه ويقدمونه لشرف منصبه، وحلاوة ظرفه.
وكان عروة بن أذينة- على زهده، وورعه، وكثرة علمه وفهمه- رقيق الغزل كثيره، وهو القائل:
إذا وجدت أوار الحب في كبدىأقبلت نحو سقاء القوم أبترد
هبنى بردت ببرد الماء ظاهرهفمن لنار على الأحشاء تتقّد؟
وقد روى هذان البيتان لغيره
ومرّت به سكينة بنت الحسين بن علىّ بن أبى طالب- ﵃! - فقالت له: أنت الذى تزعم أنّك غير عاشق، وأنت تقول:
قالت وأبثثتها سرّى فبحت بهقد كنت عندى تحبّ السّتر فاستتر
ألست تبصر من حولى؟ فقلت لهمغطّى هواك وما ألقى على بصرى
والله ما خرج هذا من قلب سليم فط.
وروى الزّبير عن رجل لم يسمّه، قال: قال لى أبو السائب: أنشدنى للأحوص فأنشدته:
قالت- وقلت: تحرّحى وصلىحبل امرىء بوصالكم صبّ-:
صاحب إذن بعلى؟ فقلت لها:الغدر شىء ليس من ضربى
شيئان لا أدنو لوصلهماعرس الخليل وجارة الجنب
أمّا الخليل فلست فاجعهوالجار أوصانى به ربّى
عوجا كذا نذكر لغانيةبعض الحديث مطيّكم صحبى
ونقل لها: فيم الصّدود ولمنذنب، بل انت بدأت بالذّنب؟
إن تقبلى نقبل وننزلكممنّا بدار السّهل والرّحب
أو تهجرى تكدر معيشتناوتصدّعى متلائم الشّعب
فقال: هذا والله المحبّ حقا، لا الذى يقول:
وكنت إذا حبيب رام هجرىوجدت وراى منفسحا عريضا
ثم قال: اذهب، فلا صحبك الله، ولا وسّع عليك ! وخرج أبو حازم يوما يرمى الجمار، فإذا هو بامرأة حاسر قد فتنت الناس بحسن وجهها، وألهتهم بجمالها، فقال لها: يا هذه، إنك بمشعر حرام، وقد فتنت الناس وشغلتهم عن مناسكهم، فاتقى الله واستترى؛ فإنّ الله ﷿ يقول في كتابه العزيز: (وليضربن بخمرهنّ على جيوبهنّ)؛ فقالت: إنى من اللاتى قيل فيهن:
أماطت كساء الخزّعن حرّوجههاوأرخت على المتنين بردا مهلهلا
من الّلاء لم يحججن يبغين حسبةولكن ليقتلن البرىء المغفّلا
الشعر للحارث بن خالد المخزومى. فقال أبو حازم لأصحابه: تعالوا ندع الله لهذه الصورة الحسنة ألّا يعذبها الله تعالى بالنار! فجعل أبو حازم يدعو وأصحابه يؤمّنون، فبلغ ذلك الشعبى، فقال: ما أرقّكم يأهل الحجاز وأظرفكم! أما والله لو كان من قرى العراق لقال اعزبى عليك لعنة الله! وكان أبو حازم من فضلاء التابعين، وله مقامات جميله من الملوك، وكلام محفوظ يدلّ على فضله وعقله، وهو القائل: كل عمل تكره من أجله الموت فاتركه، ولا يضرك متى متّ. وكان يقول: ما أحببت أن يكون معك غدا فقدّمه اليوم. وكان يقول: إنما بينى وبين الملوك يوم واحد، أما أمس فلا يجدون لذته، وأنا وإياهم من غد على وجل؛ وإنما هو اليوم، فما عسى أن يكون اليوم؟
وقال أبو العتاهية:
حتى متى نحن فى الأيام نحسبهاوإنما نحن فيها بين يومين
يوم تولّى، ويوم نحن نأملهلعلّه أجلب اليومين للحين
وروى الزبير بن أبى بكر قال: قدمت امرأة من هذيل المدينة، وكانت جميلة، ومعها ابن لها صغير، وهي أيّم، فخطبها الناس وأكثروا، فقال فيها عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:
أحبّك حبّا لا يحبّك مثلهقريب ولا في العالمين بعيد
أحبّك حبّا لو علمت ببعضهلجدت ولم يصعب عليك شديد
وحبك يا أم العلاء متيّمىشهيدى أبو بكر فذاك شهيد
ويعلم وجدى القاسم بن محمدوعروة ما ألقى بكم وسعيد
ويعلم ما أخفى سليمان كلّهوخارجة يبدى لنا ويعيد
متى تسألى عما أقول فتخبرىفللحبّ عندى طارف وتليد
فقال له سعيد بن المسيّب: قد أمنت أن تسألنا، ولو سألتنا ما شهدنا لك بزور.
وكان عبيد الله أحد الفقهاء السبعة الذين انتهى إليهم علم المدينة، وقد ذكرهم عبيد الله في هذه الأبيات؛ وهم: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ابن المغيرة المخزومى. والقاسم بن [محمد بن] أبى بكر الصديق، وعروة بن الزبير ابن العوام، وسعيد بن المسيب بن حزن، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد ابن ثابت الأنصارى.
وقيل لعبيد الله: أتقول الشعر على شرفك؟ فقال: لابد للمصدر أن ينفث؛ وعبيد الله هو القائل:
شققت القلب ثم ذررت فيههواك فليم والتأم الفطور
تغلغل حبّ عثمة في فؤادىفباديه مع الخافى يسير
تغلغل حيث لم يبلغ شرابولا حزن ولم يبلغ سرور
أخذه سلم بن عمرو الخاسر فقال:
سقتنى بعينيها الهوى وسقيتهافدبّ دبيب الخمر في كل مفصل
وقال أبو نواس:
أحبّ اللوم فيها ليس إلّالترداد اسمها فيها ألام
ويدخل حبّها في كل قلبمداخل لا تغلغلها المدام»
ومنه قول المتنبى:
وللسرّ منّى موضع لا ينالهنديم، ولا يفّضى إليه شراب
وقال بعض المحدثين:
ما زلت تغوينى وتطلب خلّتىحتى حللت بحيث حلّ شرابى
ثم انصرفت بغير جرم كان لىما هكذا الأحباب للأحباب
أخذ أبو نواس قوله: «أحب اللوم فيها»البيت من قول [أبى محمد] ابن أبى أمية:
وحدّثنى عن مجلس كنت زينةرسول أمين، والنساء شهود
فقلت له ردّ الحديث الذى مضىوذكرك من بين الحديث أريد
أناشده بالله إلّا أعدتهكأنى بطىء الفهم عنه بعيد
وقول أبى نواس في البيت الأول كقوله:
إذا غاديتنى بصبوح لومفممزوجا بتسمية الحبيب
فإنى لا أعدّ اللّوم فيهاعليك، إذا فعلت، من الذنوب
ولا أنا إن عمدت أرى جناناوإن ضنت بمبخوس النصيب
مقنعة بثوب الحسن ترعىبغير تكلّف ثمر القلوب
وفي جنان هذه يقول أبو نواس:
يا ذا الذى عن جنان ظلّ يخبرنابالله قل وأعد يا طيّب الخبر
قالوا اشتكتك وقالت ما ابتليت بهأراه من حيث ما أقبلت في أثرى
ويرفع الطّرف نحوى إن مررت بهحتى ليخجلنى من شدة النظر
وإن وقفت له كيما يكلّمنىفى الموضع الخلو لم ينطق من الحصر
ما زال يفعل بى هذا ويدمنهحتى لقد صار من همّى ومن وطرى
وفي جنان أيضا يقول أبو نواس، وكان بها صبّا، ولها محبّا:
جنان تسبّنى ذكرت بخيروتزعم أننى رجل خبيث
وأن مودّتى كذب ومينوأنى للذى تطوى بثوث
وليس كذا، ولا ردّ عليها،ولكنّ الملول هو النّكوث
ولى قلب ينازعنى إليهاوشوق بين أضلاعى حثيث
رأت كلفى بها وقديم وجدىفمّلتنى، كذا كان الحديث
[وكانت جنان مولاة لبعض الثقفيين].
وفي معنى قول ابن أبى أمية يقول العباس بن الأحنف:
وحدثتنى يا سعد عنها فزدتنىجنونا فزدنى من حديثك يا سعد
وأهل المدينة أكثر الناس ظرفا، وأكثرهم طيبا، وأحلاهم مزاجا، وأشدّهم اهتزازا للسماع، وحسن أدب عند الاستماع. وقال عبد الله بن جعفر:
إن لى عند السماع هزّة لو سئلت عندها لأعطيت، ولو قاتلت لأبليت.
وروى أبو العيناء قال: قال الأصمعى: مررت بدار الزبير بالبصرة، فإذا شيخ قديم من أهل المدينة من ولد الزبير يكنى أبا ريحانة جالس بالباب عليه شملة تستره، فسلّمت عليه، وجلست إليه؛ فبينما أنا كذلك إذ طلعت علينا سويداء
تحمل قربة، فلما نظر إليها لم يتمالك أن قام إليها، فقال لها: بالله غنّى صوتا.
فقالت: إن موالىّ أعجلونى، فقال: لا بدّ من ذلك، قالت: أما والقربة على كتفى فلا، قال: فأنا أحملها، فأخذ القربة منها، فاندفعت تغنّى:
فؤادى أسير لا يفكّ، ومهجتىتفيض، وأحزانى عليك تطول
ولى مقلة قرحى لطول اشتياقهاإليك، وأجفانى عليك همول
فديتك، أعدائى كثير، وشقّتىبعيد، وأشياعى لديك قليل
فطرب وصرخ صرخة، وضرب بالقربة إلى الأرض فشقّها؛ فقامت الجارية تبكى، وقالت: ما هذا بجزائى منك؛ أسعفتك بحاجتك فعرّضتنى لما أكره من موالىّ. قال: لا تغتمى فإنّ المصيبة علىّ حصلت، ونزع الشّملة ووضع يدا من خلف ويدا من قدّام، وباع الشّملة وابتاع لها قربة جديدة، وقعد بتلك الحال؛ فاجتاز به رجل من ولد علىّ بن أبى طالب- رضي الله تعالى عنه! - فعرف حاله، فقال: يا أبا ريحانة! أحسبك من الذين قال الله تعالى فيهم: (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ)
. قال: لا يابن رسول الله، ولكنى من الذين قال الله تعالى فيهم: (فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)
فضحك، وأمر له بألف درهم.
ومرّ بالأوقص المخزومى، وهو قاضى المدينة، سكران [وهو] يتغنّى بليل، فأشرف عليه، وقال: يا هذا، شربت حراما، وأيقظت نياما، وغنّيت خطأ؛ خذه عنى، وأصلح له الغناء.
وسمع سعيد بن المسيب منشدا ينشد:
فلم تر عينى مثل سرب رأيتهخرجن من التنعيم معتمرات
مررن بفخ، ثم رحن عشيّةيلبّين للرّحمن مؤتجرات
ولما رأت ركب النميرى أعرضتوكنّ من أن يلقينه حذرات
دعت نسوة شمّ العرانين بزّلانواعم، لا شعثا ولا غبرات
فأبرزن لما قمن يحجبن دونهاحجابا من القسّىّ والحبرات
تضوّع طيبا بطن نعمان إذ مشتبه زينب في نسوة عطرات
يخبّئن أطراف البنان من التّقىويخرجن شطر الليل معتجرات
فقال سعيد: هذا والله مما يلذّ استماعه، ثم قال:
وليست كأخرى وسّعت جيب درعهاوأبدت بنان الكفّ للجمرات
وغالت ببان المسك وحفا مرجّلاعلى مثل بدر لاح في الظّلمات
وقامت تراءى بين جمع فأفتنتبرؤيتها من راح من عرفات
قال: فكانوا يرون أنّ الشعر الثانى له، والأول لمحمد بن عبد الله بن نمير الثقفى يقوله في زينب بنت يوسف أخت الحجاج؛ [وطلبه الحجاج] حتى ظفر به فقال: أنت القائل ما قلت؟ قال: وهل قلت أصلح الله الأمير إلّا:
يخبّئن أطراف البنان من التقىويخرجن شطر الليل معتجرات
قال له: كم كنتم إذ تقول:
ولما رأت ركب النميرى أعرضت
قال: والله ما كنت إلا أنا وصاحب لى على حمار هزيل! فضحك وعفا عنه، وهو القائل:
أهاجتك الظّعائن يوم بانوابذى الزّىّ الجميل من الأثاث
ظعائن أسلكت في بطن قوّتحثّ إذا رنت أى احتثاث
كأنّ على الهوادج يوم بانوانعاجا ترتعى بقل البراث
يهيّجك الحمام إذا تغنّىكما سجع النّوادب بالمراثى
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع