تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

أخلاق الملوك

قال الجاحظ: حدثنى الفضل بن سهل قال: كانت رسل الملوك إذا جاءت بالهدايا يجعل اختلافهم إلىّ، فتكون المؤامرات فيما معهم من ديوانى، فكنت أسأل رجلا رجلا منهم عن سير ملوكهم، وأخبار عظمائهم، فسألت رسول ملك الروم عن سيرة ملكهم، فقال: بذل عرفه، وجرّد سيفه، فاجتمعت عليه القلوب رغبة ورهبة، لا ينظر جنده، ولا يحرج رعيّته؛ سهل النّوال، حزن النكال، الرجاء والخوف معقودان في يده.

قلت: فكيف حكمه؟ فقال: يردّ الظّلم، ويردع الظالم، ويعطى كلّ ذى حق حقّه؛ فالرعية اثنان: راض، ومغتبط.

قلت: فكيف هيبتهم له؟ قال: يتصور في القلوب، فتغضى له العيون.

قال: فنظر رسول ملك الحبشة إلى إصغائى إليه، وإقبالى عليه، فسأل الترجمان: ما الذى يقوله الرومىّ؟ قال: يذكر ملكهم، ويصف سيرته؛ فتكلّم مع الترجمان بشىء، فقال لى الترجمان: إنه يقول: إنّ ملكهم ذو أناة عند القدرة، وذو حلم عند الغضب، وذو سطوة عند المغالبة، وذو عقوبة عند الاجترام، قد كسا رعيّته جميل نعمته، وخوّفهم عسف نقمته؛ فهم يتراءونه رأى الهلال خيالا، ويخافونه مخافة الموت نكالا، وسعهم عدله، وردعتهم سطوته، فلا تمتهنه مزحة، ولا تؤمّنه غفله؛ إذا أعطى أوسع، وإذا عاقب أوجع؛ فالناس اثنان: راج وخائف، فلا الراجى خائب الأمل، ولا الخائف بعيد الأجل. قلت: فكيف هيبتهم له؟ قال: لا ترفع إليه العيون أجفانها، ولا تتبعه الأبصار إنسانها، كأنّ رعيته قطا رفرفت عليها صقور صوائد.

فحدثت المأمون بهذين الحديثين فقال: كم قيمتهما عندك؟ قلت: ألفا درهم.

قال: يا فضل؛ إن قيمتهما عندى أكثر من الخلافة، أما عرفت قول علىّ بن

أبى طالب كرّم الله وجهه: قيمة كلّ امرىء ما يحسن. أفتعرف أحدا من الخطباء البلغاء يحسن أن يصف أحدا من خلفاء الله الراشدين المهديين بهذه الصّفة؟

قلت: لا. قال: فقد أمرت لهما بعشرين ألف دينار، واجعل العذر مادة بينى وبينهما في الجائزة [على المعوز]؛ فلولا حقوق الإسلام وأهله لرأيت إعطاءهما ما في بيت مال الخاصة والعامة دون ما يستحقّانه.

وقال الجاحظ: حدّثنى حميد بن عطاء قال: كنت عند الفضل بن سهل، وعنده رسول ملك الخزر، وهو يحدّثنا عن أخت لملكهم، قال: أصابتنا سنة احتدم شواظها علينا بحرّ المصائب، وصنوف الآفات؛ ففزع الناس إلى الملك، فلم يدر ما يجيبهم به، فقالت أخته: أيها الملك؛ إن الخوف لله خلق لا يخلق جديده، وسبب لا يمتهن عزيزه، وهو دالّ الملك على استصلاح رعيّته، وزاجره عن استفسادها، وقد فزعت إليك رعيّتك بفضل العجز عن الالتجاء إلى من لا تزيده الإساءة إلى خلقه عزّا، ولا ينقصه العود بالإحسان إليهم ملكا، وما أحد أولى بحفظ الوصية من الموصّى، ولا بركوب الدلالة من الدّال، ولا بحسن الرعاية من الرّاعى. ولم تزل في نعمة لم تغبرها نقمة، وفي رضا لم يكدّره سخط، إلى أن جرى القدر بما عمى عنه البصر، وذهل عنه الحذر، فسلب الموهوب، والواهب هو السالب؛ فعد إليه بشكر النعم، وعذبه من فظيع النّقم، فمتى تنسه ينسك، ولا تجعلنّ الحياء من التذلل للمعزّ المذل سترا بينك وعين رعيتك، فتستحق مذموم العاقبة؛ ولكن مرهم ونفسك بصرف القلوب إلى الإقرار له بكنه القدرة، وبتذلل الألسن في الدعاء بمحض الشّكر له؛ فإن الملك ربما عاقب عبده ليرجعه عن سيّئ فعل إلى صالح عمل، أو ليبعثه على دائب شكر ليحرز به فضل أجر.

فأمرها الملك أن تقوم فيهم فتنذرهم بهذا الكلام، ففعلت، فرجع القوم وقد

علم الله منهم قبول الوعظ في الأمر والنهى؛ فحال عليهم الحول وما مهم مفتقد نعمة كان سلبها، وتواترت عليهم الزيادات بجميل الصّنع؛ فاعترف لها الملك بالفضل، فقلدها الملك؛ فاجتمعت الرعية لها على الطاعة في المكروه والمحبوب قال: وهذا وهم أعداء الله تعالى، وضرائر نعمته، ومستوجبو نقمته، أعاد لهم بالشكر ما أرادوا، وأعطاهم بالإقرار له بكنه قدرته ما تمنّوا، فكيف بمن يجمعه على الشكر نوران اثنان: قرآن منزل، ونبىّ مرسل، لو صدقت النيّات، واجتمعت على الافتقار إليه الطلبات؛ لكنهم أنكروا ما عرفوا، وجهلوا ما علموا، فانقلب جدهم هزلا، وسكوتهم خبلا.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.