من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
التلطف في الطلب
كتب محمد بن حماد يعرّض في حاجة له ببيتى شعر إلى الواثق يقول:
جذبت دواعى النفس عن طلب المنىوقلت لها كفّى عن الطّلب المزرى
فإنّ أمير المؤمنين بكفّهمدار رحى بالرزق دائبة تجرى
فوقّع تحتها: جذبك نفسك عن امتحانها بالمسألة دعانى إلى صونك بسعة فضلى عليك، فخذ ما طلبت هنيئا.
قال على بن عبيدة: أتيت الحسن بن سهل بفم الصلح؛ فأقمت ببابه ثلاثة أشهر لا أحظى منه بطائل، فكتبت إليه:
مدحت ابن سهل ذا الأيادى ومالهبذاك يد عندى ولا قدم بعد
وماذنبه، والناس- إلا أقلّهم-عيال له، إن كان لم يك لى جدّ
سأحمده للناس حتى إذا بداله فىّ رأى عاد لى ذلك الحمد
فكتب إلىّ: باب السلطان يحتاج إلى ثلاث خلال: عقل وصبر ومال، فقلت للواسطة: تؤدّى عنى؟ قال: نعم. قلت: تقول له: لو كان لى مال لاغنانى عن الطلب إليك، أو صبر لصبرت عن الذّلّ ببابك، أو عقل لا ستدللت به على النزاهة عن رفدك! فأمر لى بثلاثين ألف درهم.
وقال على بن عبيدة الريحانى يوما، وقد رأى جارية يهواها: لولا البقيا على الضمائر لبحنا بما تجنّه السرائر، لكن نيران الحبّ تتدارك بالإخفاء، ولا تعاجل بالإبداء؛ فإن دوامها مع إغلاق أبواب الكتمان، وزوالها في فتح مصارع الإعلان.
وقد قال محمد بن يزيد الأموى:
لا وحبّيك لا أصافح بالدّمع مدمعا
من بكى حبّه استراح وإن كان موجعا
ومن كلام علىّ بن عبيدة: اجعل أنسك آخر ما تبذل من ودّك، وصن الاسترسال منك، حتى تجد له مستحقا؛ فإن الأنس لباس العرض، وتحفة الثقة، وحباء الأكفاء، وشعار الخاصّة، فلا تخلق جدّته إلا لمن يعرف قدر ما بذلت له منك.
وقال: لولا حركات من الابتهاج أجد حسّها عند رؤيتك في نفسى لا أعرف لها مثيرا من مظانّها إلّا مؤانستك لى، لأبقيت عليك من العناء، وخفّفت عنك مؤونة اللقاء؛ لكنى أجد من الزيادة بك عندى أكثر من قدر راحتك في تأخّرك عنى، فأضيق عن احتمال الخسران بالوحدة منك.
وقال: لوجلى من طلوع الملالة بكرّ اللّقاء أستخفّ التّجافى مع شدّة الشوق، لتبقى جدّة الحال عند من أحبّ دوامه لى؛ وردّ طرف الشوق باطنا أيسر من معاناة الجفاء مع الودّ ظاهرا.
وقال بعض المحدثين:
كم استراح إلى صبر فلم يرحصبّ إليكم من الأشواق في ترح
تركتم قلبه من حزن فرقتكملو يرزق الوصل لم يقدر على الفرح
وقال أعرابى:
ألا قل لدار بين أكثبة الحمىوذات الغضى: جادت عليك الهواضب
أجدّك لا آتيك إلّا تتابعتدموع، أضاعت ما حفظت، سواكب
ديار تنسّمت المنى نحو أرصهاوطاوعنى فيها الهوى والحبائب
ليالى لا الهجران محتكم بهاعلى وصل من أهوى ولا الظّن كاذب
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع