من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
مما قيل في أثر الأيام والليالى
وكان أبو حيّة كثير الرواية عن الفرزدق، وعمّر حتى التقى بابن مناذر فاستنشده شعره، فأنشده أبو حيّة:
ألا حىّ من أجل الحبيب المغانيالبسن البلى مما لبسن اللّياليا
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلةتقاضاه شىء لا يملّ التّقاضيا
حنتك الليالى بعد ما كنت مرةسوىّ العصا لو كنّ يبقين باقيا
فقال ابن مناذر: أو شعر هذا؟ فقال أبو حيّة: ما في شعرى عيب، غير أنك تسمعه.
وفي هذه القصيدة يقول أبو حية:
ولما أبت إلا التواء بودّهاوتكديرها الشّرب الذى كان صافيا
شربت برنق من هواها مكدّروكيف يعاف الرّنق من كان صاديا
وقد قال عمرو بن قميئة فى معنى قول أبى حية:
كانت قناتى لا تلين لغامزفألانها الإصباح والإمساء
ودعوت ربى في السلامة جاهداليصحّنى فإذا السّلامة داء
وقال النّمر بن تولب:
يودّ الفتى طول السلامة والبقافكيف يرى طول السلامة يفعل
يعود الفتى من بعد حسن وصحةينوء إذا رام القيام ويحمل
وقد روى في الحديث الشريف: «كفى بالسلامة داء».
وقد أحسن حميد بن ثور في قوله:
أرى بصرى قد رابنى بعد صحةوحسبك داء أن تصحّ وتسلما
ولمن يلبث العصران يوم وليلةإذا طلبا أن يدركا ما تيمما
وهذان البيتان من قصيدة طويلة، وهى أجود شعر حميد، ومن أجود ما فيها:
وما هاج هذا الشوق إلّا حمامةدعت ساق حر ترحة وترنّما
تروح عليه والها ثم تغتدىمولّهة تبغى له الدّهر مطعما
تؤمل منه مؤنسا لانفرادهاوتبكى عليه إن زقا وترنّما
كأنّ على إشراقه نور خمرةإذا هو مدّ الجيد منه لبطعما
فلمّا اكتسى الرّيش السّحام ولم تجذلها معه في ساحة الحىّ مجثما
تنحّت قريبا فوق غصن تذأبتبه الريح صرفا أىّ وجه تيمّما
فأهوى لها صقر مسفّ فلم يدعلها ولدا إلا رماما وأعظما
فأوفت على غصن ضحيّا ولم تدعلنائحة في نوحها متلوّما
عجبت لها أنّى يكون غناؤهافصيحا ولم تفغر بمنطقها فما
فلم أر مثلى شاقه صوت مثلهاولا عربيّا شاقه صوت أعحما
ومن حبيث الهجاء قوله في هذه القصيدة يخاطب رجلين بعثهما:
وقولا إذا جاورتما أرض عامروجاوزتما الحيّين نهدا وخثعما
تريعان من جرم بن زيّان أنهمأبوا أن يريقوا في الهزاهز محجما
وما هجيت جرم بأشدّ من هذا، يريد أنهم لذلتهم لم يتروا أحدا فيطالبهم بذحل.
وقال الأصمعى: قيل لبعض الصالحين: كيف حالك؛ فال: كيف حال من يفنى ببقائه، ويسقم بسلامته، ويؤتى من مأمنه وقال محمود الوراق:
يحب الفتى طول البقاء كأنّهعلى ثقة أن البقاء بقاء
إذا ما طوى يوما طوى اليوم بعضهويطويه- إن جنّ المساء- مساء
زيادته في الجسم نقص حياتهوأنى على نقص الحياة نماء
جديدان لا يبقى الجميع عليهماولا لهما بعد الجميع بقاء
وقال المتنبى:
زيادة شيب وهي نقص زيادتىوقوّة عشق وهي من قوّتى ضعف
وبيت محمود الأخير كقول البحترى:
أناة أيّها الفلك المدارأنهب ما تصرّف أم جبار
ستفنى مثل ما تفنى وتبلىكما تبلى فيدرك منك ثار
تناب النائبات إذا تناهتويدمر في تصرّفه الدّمار
وما أهل المنازل غير ركبمطاياهم رواح وابتكار
ويقول فيها:
لنا في الدّهر آمال طوالنرجّيها وأعمار قصار
أما وأبى بنى حار بن كعبلقد طرد الزمان بهم فساروا
أصاب الدّهر دولة آل وهبونال الليل منهم والنهار
أعارهم رداء العزّ حتىتقاضاهم فردّوا ما استعاروا
وقد كانوا وأوجههم بدورلمبصرها وأيديهم بحار
أخذ قوله: «ستفنى مثل ما تفنى» أبو القاسم بن هانىء فقال:
تفنى النجوم الزّهر طالعةوالنّيّران الشّمس والقمر
ولئن تبدّت في مطالعهامنظومة فلسوف تنتثر
ولئن سعى الفلك المدار بهافلسوف يسلمها وينفطر
وقد استقصى على بن العباس الرومى المعنى الأول فقال:
والدّهر يبلى الفتى من حيث ينشئهحتى تكرّ عليه ليلة القرب
يغذوه في كلّ آن وهو يأكلهويحتسى نغبا منه على نغب
يودى بحال فحال من شبيبتهتسرّب الماء في مستانف الكتب
حسب امرىء من خنى دهر تطاولهوإن أجمّ فلم ينكب ولم ينب
فى هدنة الدّهر كاف من وقائعهوالعمر أقدح مبراة من الوصب
وقال أيضا:
يابانى الحصن أرساه وشيّدهحرزا لشلو من الأعداء مشجون
انظر إلى الدهر هل فاتته بغيتهفى مطمح النسر أوفى مسبح النون
ومن تحصّن منخوبا على وجلفإنما حصنه سجن لمسجون
أشكو إلى الله جهلا قد أضرّ بنابل ليس جهلا ولكن علم مفتون
وقال الطائى:
وإن تبن حيطان عليه فإنماأولئك عقّالاته لا معاقله
ودخل يحيى بن خالد على الرشيد وقد ابتدأت حاله في التغيّر، فأخبر أنه مشغول، فرجع، فبعث إليه الرشيد: خنتنى فاتهمتنى، فقال: إذا انقضت المدّة كان الحتف في الحيلة، والله ما انصرفت إلا تخفيفا.
أخذه ابن الرومى فقال وقد فصده بعض الأطباء، فزعم أن الفصد زاد في علته:
غلط الطبيب علىّ غلطة موردعجزت محالته عن الإصدار
والناس يلحون الطبيب، وإنماغلط الطبيب إصابة المقدار
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع