تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

شعر عمر بن أبى ربيعة، وشعر الحارث بن خالد

وكان ذكر بحضرة ابن أبى عتيق شعر عمر بن أبى ربيعة والحارث بن خالد المخزوميين، فقال رجل من ولد خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة: صاحبنا الحارث أشعر، فقال ابن أبى عتيق: دع قولك يابن أخى، فلشعر ابن أبى ربيعة لوطة بالقلب، وعلق بالنفس، ودرك للحاجة ليس لشعر الحارث؛ وما عصى الله بشعر قطّ أكثر مما عصى بشعر ابن أبى ربيعة، فخذ عنى ما أصف لك: أشعر قريش من رقّ معناه، ولطف مدخله، وسهل مخرجه، وتعطّفت حواشيه، وأنارت معانيه، وأعرب عن صاحبه، فقال الذى من ولد خالد بن العاص: صاحبنا الذى يقول:

إنى وما نحروا غداة منىعند الجمار تئودها العقل
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
لو بدّلت أعلى منازلهاسفلا وأصبح سفلها يعلو
فيكاد يعرفها الخبير بهافيردّه الإقواء والمحل
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
لعرفت مغناها بما احتملتمنى الضلوع لأهلها قبل
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة

فقال ابن أبى عتيق: يابن أخى، استر على صاحبك، ولا تشاهد المحاضر بمثل هذا، أما تطيّر الحارث عليها حين قلب ربعها فجعل عاليه سافله، ما بقى إلا أن يسأل الله حجارة من سجّيل وعذابا أليما. ابن أبى ربيعة كان أحسن الناس للرّبع مخاطبة وأجمل مصاحبة إذ يقول:

سائلا الرّبع بالبلىّ وقولاهجت شوقا لى الغداة طويلا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «سائلا الربع بالبلي وقولا»
أين أهل حلّوك إذ أنت مسروربهم آهل أراك جميلا
قال: ساروا، وأمعنوا، واستقلّواوبكرهى لو استطعت سبيلا
سئمونا وما سئمنا مقاماواستحبّوا دماثة وسهولا

وهاهنا حكاية تأخذ بطرف الحديث، دخل مزيد المدنى على مولى لبعض أهل المدينة، وهو جالس على سرير ممهّد، ورجل من ولد أبى بكر الصديق وآخر من ولد عمر- ﵄! - جالسان بين يديه على الأرض؛ فلما رأى المولى مزيدا تجهّمه، وقال: يا مزيد ما أكثر سؤالك! وأشدّ إلحافك! جئت تسألنى شيئا؟ قال: لا والله، ولكنى أردت أن أسألك عن معنى قول الحارث بن خالد:

إنّى وما نحروا غداة منىعند الجمار تئودها العقل
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
لو بدّلت أعلى منازلهاسفلا وأصبح سفلها يعلو

فلما رأيتك ورأيت هذين بين يديك عرفت معنى الذى قال. فقال:

اعزب في غير حفظ الله! وضحك أهل المجلس.

وأخذ الحارث قوله:

لعرفت مغناها بما احتملتمنى الضلوع لأهلها قبل
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة

من قول امرىء القيس؛ قال على بن الصباح ورّاق بن أبى محلم قال لى أبو محلم: أتعرف لامرىء القيس أبياتا سينية قالها عند موته في قروحه والحلة المسمومة، غير قصيدته التي أولها:

ألمّا على الرّبع القديم بعسعسا

فقلت: لا أعرف غيرها، فقال: أنشدنى جماعة من الرّواة:

لمن طلل درست آيهوغيّره سالف الأحرس
تنكّره العين من حادثويعرفه شغف الأنفس

وقد أخذه طريح بن إسماعيل الثقفى، فقال:

تستخبر الدّمن القفار ولم تكنلتردّ أخبارا على مستخبر
للشاعر طريح بن إسماعيل الثقفي، اقرأ القصيدة
فظللت تحكم بين قلب عارفمغنى أحبّته وطرف منكر
للشاعر طريح بن إسماعيل الثقفي، اقرأ القصيدة

وقال الحسن بن وهب، إشارة إلى هذا المعنى:

أبليت جسمى من بعد جدّتهفما تكاد العيون تبصره
للشاعر الحسن بن وهب، اقرأ القصيدة
كأنّه رسم منزل خلقتعرفه العين ثم تنكره
للشاعر الحسن بن وهب، اقرأ القصيدة

وقال يحيى بن منصور الذهلى:

أما يستفيق القلب إلا انبرى لهتذكّر طيف من سعاد ومربع
أخادع من عرفانه العين؛ إنهمتى تعرف الأطلال عينى تدمع

وقال آخر:

هى الدار التي تعرف لم لا تعرف الدّارا
ترى منها لأحبابكأعلاما وآثارا
فيبدى القلب عرفاناوتبدى العين إنكارا

وقال أبو نواس، وتعلق أول قوله بهذا المعنى، وأنا أنشد الأبيات كلها لملاحتها؛ إذ كان الغرض في هذا التصرف هو إرادة الإفادة:

ألا لا أرى مثلى امترى اليوم في رسمتغضّ به عينى ويلفظه وهمى
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ألا لا أرى مثلي امترى اليوم في رسم»
أتت صور الأشياء بينى وبينهفظنّى كلا ظنّ وعلمى كلا علم
فطب بحديث من حبيب مساعدوساقية بين المراهق والحلم
ضعيفة كرّ الطّرف تحسب أنّهاقريبة عهد بالإفاقة من سقم
يفوّق مالى من طريف وتالدتفوّقى الصهباء من حلب الكرم
وإنى لآتى الوصل من حيث يبتغىوتعلم قوسى حين أنزع من أرمى

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.