من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من عرف قدر النعمة استدامها
خطب سليمان بن عبد الملك فقال: أيها الناس، من لم يعلم أبواب مدخله فى الكرامة، وجهل طريقته التي وقعت به على النّعمة كان بعرض رجوع إلى دار هوان، وانقلاب بفادح خسران.
فقام إليه أبو وائلة السدوسى، وهو حاجبه، فقال: يا أمير المؤمنين كنا كما قال الله تعالى: (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً)
، ثم صرنا كما قال زهير:
يد الملك الجليل تناولتهمبإحسان فليس لها مزيل
لأنّ الخير أجمع في يديهوربّى بالجزاء له كفيل
فقال سليمان: هذه والله المعرفة بقدر النّعمة، والعلم بما يجب للمنعم.
ورؤى يونس بن المختار في دار المأمون، ومرتبته في أعلى مراتب بنى العباس، قاعدا على الأرض، فقال الحاجب: ارتفع يا أبا المعلّى إلى مرتبتك، قال: قد رفعنى الله إليها بأمير المؤمنين، وليس لى عمل يفى بها، فلم لا أكرمها عن القعود عنها إلى أن يتهيّأ لى الشكر عليها؟ فبلغ الكلام المأمون؛ فقال:
هذا والله غاية الشكر، وبمثله تدرّ النّعم.
وقال رجل للمعلّى بن أيوب، وقد رفعه المعتصم إلى مرتبة أهل بيته:
ما يزيدك التقريب إلا تباعدا. فقال: يا هذا؛ إنى أصون تقريبه إياى بتباعدى منه؛ لئلا تفسد حرمتى عنده بقلّة الشكر على نعمته.
ولما استعان المنصور بالحارث بن حسّان قال له: يا حارث؛ إنّى قد مكّنتك من حسن رأيى فيك، فاحفظه بترك إغفال ما يجب عليك! قال: يا أمير
المؤمنين، من أغفل سبب حلول النعمة، ولها عن الحال التي أصارته إليها، استصحب الياس من نيل مثلها، وانقطع رجاؤه من الزيادة فيها، فقال أبو جعفر: من كانت عنده هذه المعرفة دامت النعمة له، وبقى الإحسان إليه.
ولما قال المأمون لعبد الله بن طاهر عند قدومه من مصر: ما سرّنى الله مند ولّيت الخلافة بشىء عظم موقعه عندى، بعد جميل عافية الله، هو أكثر من سرورى بقدومك، فقال عبد الله: إيذن لى يا أمير المؤمنين في تفريق أموالى من طارف وتالد. قال: ولم؟ قال: شكرا على هذه الكلمة؛ وإلا قصّر بى الحياء عن النظر إلى أمير المؤمنين، فقال المأمون لمن حضر من أهل بيته وقوّاده: ما شىء من الخلافة يفى لعبد الله ببعض شكره.
وقال أبو نواس:
قد قلت للعباس معتذراعن ضعف شكريه ومعترفا
أنت امرؤ جللتنى نعماأوهت قوى شكرى فقد ضعفا
فإليك منى اليسوم تقدمةتلقاك بالتّصريح منكشفا
لا تسدينّ إلىّ عارفةحتى أقوم بشكر ما سلفا
عارضه الناشىء واعترض معناه، فقال:
إن أنت لم تحدث إلىّ يداحتى أقوم بشكر ما سلفا
لم أحظ منك بنائل أبداورجعت بالحرمان منصرفا
وقال ابن الرومى:
عاقنا أن نعود أنّك أوليتأمورا يضيق عنها الجزاء
غمرتنا منك الأيادى اللّواتىما لمعشارها لدينا كفاء
فنهانا عنك الحياء طويلّاثمّ قد ردّنا إليك الحياء
ولما حقّ إن قربت التّنائىولما حقّ إن برزت الجفاء
غير أنّا أنضاء شكر أريحتوقديما أريحت الأنضاء
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع