من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
ألفاظ لأهل العصر في العجز عن الشكر لتكاثر الإنعام والبر
عندى من برّه ما ملك الاعتذار بأزمّته، وقبض ألسنة أمراء الكلام وأئمّته. عندى له مبارّ أعجزنى شكرها، كما أعوزنى حصرها. شكره شأو بعيد له تبلغه أشواطى، ولا أتلافى التفريط في حقّه بإفراطى. إحسانه يعيد العرب عجما، والفصحاء بكما. قد زحمنى من مكارمه ما يحصر عنه المبين، ويصحبه العىّ وبئس القرين.
وقال أعرابى:
رهنت يدى بالعجز عن شكر برّهوما فوق شكرى للشكور مزيد
ولو كان شيئا يستطاع استطعتهولكنّ ما لا يستطاع شديد
وقال يحيى بن أكثم: كنت عند المأمون، فأتى برجل ترعد فرائصه؛ فلما مثل بين يديه قال المأمون: كفرت نعمتى، ولم تشكر معروفى، فقال:
يا أمير المؤمنين؛ وأين يقع شكرى في جنب ما أنعم الله بك علىّ، فنظر إلىّ المأمون وقال متمثّلا:
ولو كان يستغنى عن الشكر ماجدلرفعة قدر أو علوّ مكان
لما أمر الله العباد بشكرهفقال: اشكروا لى أيّها الثّقلان
ثم التفت إلى الرجل فقال: هلّا قلت كما قال أصرم بن حميد:
ملكت حمدى حتى إنّنى رجلكلّى بكل ثناء فيك مشتغل
خوّلت شكرى لما خوّلت من نعمفحرّ شكرى لما خوّلتنى خول
وقال أبو الفتح البستى:
لئن عجزت عن شكر برّك قوّتىوأقوى الورى عن شكر برّك عاجز
فإنّ ثنائى واعتقادى وطاقتىلأفلاك ما أو ليتنها مراكز
وقال أبو القاسم الزعفرانى:
لى لسان كأنه لى معادىليس ينبى عن كنه ما في فؤادى
حكم الله لى عليه فلو أنصف قلبى عرفت قدر ودادى
وقال إسماعيل بن القاسم، أبو العتاهية، يمدح عمر بن العلاء:
إنى أمنت من الزمان وريبهلما علقت من الأمير حبالا
لو يستطيع الناس من إجلالهلحذوا له حرّ الوجوه نعالا
ما كان هذا الجود حتى كنت ياعمر، ولو يوما تزول لزالا
إنّ المطايا تشتكيك لأنّهاقطعت إليك سباسبا ورمالا
فإذا وردن بنا وردن مخفّةوإذا صدرن بنا صدرن ثقالا
وهي قصيدة سهلة الطبع، سلسلة النظام، قريبة المتناول.
وروى أنّ عمر بن العلاء وصله عليها بسبعين ألف درهم، فحسدته الشعراء، وقالوا: لنا بباب الأمير أعوام نخدم الآمال، ما وصلنا إلى بعض هذا! فاتصل ذلك به، فأمر بإحضارهم، فقال: بلغنى الذى قلتم؛ وإنّ أحدكم يأتى فيمدحنى بالقصيدة يشبّب فيها فلا يصل إلى المدح حتى تذهب لذّة حلاوته، ورائق طلاوته؛
وإنّ أبا العتاهية أتى فشبب بأبيات يسيرة، ثم قال: إنّ المطايا تشتكيك لأنّها ...
وأنشد الأبيات. وكان أبو العتاهية لمّا مدحه بهذا الشعر تأخّر عنه برّه قليلا، فكتب إليه يستبطئه:
أصابت علينا جودك العين يا عمرفنحن لها نبغى التمائم والنّشر
أصابتك عين في سخائك صلبةويا ربّ عين صلبة تفلق الحجر
سنرقيك بالأشعار حتى تملهافإن لم تفق منها رقيناك بالسّور
وقال:
يابن العلاء ويابن القرم مرداسإنى مدحتك في صحبى وجلّاسى
أثنى عليك ولى حال تكذّبنىفيما أقول فأستحيى من النّاس
حتى إذا قيل: ما أولاك من صفدطأطأت من سوء حالى عندها راسى
فأمر حاجبه أن يدفع إليه المال، وقال: لا تدخله علىّ، فإنى أستحيى منه.
وذكر بعض الرواة أنّ المهدى خرج متصيّدا، فسمع رجلا يتغنّى من القصيدة التى مرّت منها الأبيات في عمر بن العلاء آنفا:
يا من تفرّد بالجمال فما ترىعينى على أحد سواه جمالا
أكثرت في قولى عليك من الرّقىوضربت في شعرى لك الأمثالا
فأبيت إلّا جفوة وقطيعةوأبيت إلّا نخوة ودلالا
بالله قولى إن سألتك واصدقىأوجدت قتلى في الكتاب حلالا
أم لا، ففيم جفوتنى وظلمتنىوجعلتنى للعالمين نكالا
كم لائم لو كنت أسمع قولهقد لامنى ونهى وعدّ وقالا
فقال المهدىّ: علىّ به، فجاءه، فقال: لمن هذا الشعر؟ قال: لإسماعيل ابن القاسم أبى العتاهية، قال: لمن يقوله؟ قال: لعتبة جارية المهدى، قال:
كذبت، لو كانت جاريتى لوهبتها له، وكانت عتبة لريطة بنت أبى العباس السفاح، وكان أبو العتاهية قد بلغ من أمرها كل مبلغ، وكلّ ذلك فيما زعم الرواة تصنّع، وتخلّق؛ ليذكر بذلك.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع